مرت علينا يوم الإثنين الماضى الذكرى 43 لغياب الرائد الكبير زكى طليمات عن حياتنا عندما غادرنا فى 22 ديسمبر 1982 عن عمر يناهز 88 عاماً، وعندما نحيى ذكراه نذهب مباشرة إلى كتاب « ذكريات ووجوه» الذى روى فيه حكاياتٍ كثيرة عن النجوم الذين كان لهم مواقف معه لا تُنسى وفى مقدمتهم: سيد الغناء العربى أم كلثوم التى شاركها بطولة فيلم «نشيد الأمل» عام 1936، وكان من أقرب المقربين إليها، ويروى لنا قصة «القبلة» السينمائية التى كان مطلوباً منه أن يطبعها على فم أم كلثوم فى الفيلم وما تسببت فيه هذه «القبلة» من كوارث كادت أن تؤدى به إلى تحطيم ديكورات الإستديو، ويروى القصة بقوله: «جرى هذا الموقف عندما قدمنى إليها أحد المساهمين بالمال فى إنتاج فيلم «نشيد الأمل» وهو صاحب مال ووجاهة وكرش، وعُرف بتعاطى الجد والعبوس والآراء المتخلفة، ويبدو أن هذا الوجيه شاء أن يُذكرنى بطريق غير مباشر بما يجب أن أكون عليه من مظاهر الخلق الطيب فى معاملة أم كلثوم، فانطلق يعدد محاسن نشأتى ودماثة خلقى، ويحكى عن الحياء الذى يصبغ الخدين بلون الورد وخصوصاً إذا وقفت بين يديه سيدة حتى ولو تجاوزت السن التى تصبح فيها هى والرجل شيئاً لا يمكن التمييز بينهما، وكنت أصغى إلى هذا وأنا مطرق إلى الأرض محاولاً كتم أنفاسى فيما عدا ما يسمح لى بالتنفس من أجل أن يكتسب وجهى ذلك اللون الأحمر الذى كان يتحدث عنه، وما كاد الوجيه أن ينتهى من خطابه حتى ارتفع صوت أم كلثوم قائلاً فى سخرية منى: «ما شاء الله.. يا أهلاً بالشباب المستعصى.. الشباب الناهض.. عد يا شاطر من واحد لعشرة عشان أسمع صوتك»، ودون أن أدرى أخذت أعد.. واحد.. اثنين.. ثلاثة.. ثم أفقت لأكتشف أنها كانت تمزح بسخرية وليس عن جد !! ويستكمل زكى طليمات القصة فى الموقف الثانى بقوله: «كنا أمام الكاميرا فى مشهد عاطفى دافئ يقتضى منى حسب السيناريو أن أطوق خصر أم كلثوم بيديّ وما كدت أنجز هذه الحركة حتى ارتفع صوت كريه من جانب أحد العمال يصيح محذراً «أيدك يا حنش»، فأخرجتنى هذه الكلمة من حالة الاندماج مما جعلنى أندفع بكل قوة نحو هذا العامل وأخذت أدق وجهه بقبضة يدى فتدخل المخرج توجو مزراحى معتذراً بأن هذا العامل من «مجاذيب» الست أم كلثوم، بعدها أعطانى المخرج الإشارة لكى أعانق أم كلثوم عناقاً حاراً وأطبع على فمها «قبلة» الشوق بعد الفراق الذى كان بيننا حسب أحداث الفيلم، فتقدمت من أم كلثوم بحذر إذ ما زال صوت العامل يصرخ فى داخلى بعبارة «أيدك يا حنش»، الأمر الذى جعلنى أطبع «القبلة» التى لم ترضِ المخرج وأعتبرها «قبلة» باردة وأمر بإعادة المشهد مع الكثير من الحرارة والانفعال والصدق، وما أن دارت الكاميرا من جديد حتى فوجئت بالوجيه المتزمت يصيح مطالباً بوقف التصوير وهو يقول لى: «أحنه يا أستاذ فى مصر مش فى أمريكا.. إيه البوسة الطويلة دى؟!». ابتلعت الغضب فى داخلى ونظرت للمخرج ولأم كلثوم التى التزمت صمت الحكيم فأخذ الوجيه يبرطم متحدثاً عن الآداب العامة والخاصة، فأحسست بنفسى تثور ثورة غضب وخيبة، وارتميت على مقعد بعيد عن ميدان المعركة ووضعت رأسى بين يديّ ولا أعرف كم من الوقت مكثت وأنا على هذه الحال، ولم أنتبه إلا على وقع أقدام تقترب منى فرفعت رأسى لأجد أم كلثوم وهى تهمس فى أذنى قائلة: «مثل زى ما أنت عاوز.. وأعطى الدور كما يتطلب منك ولا يهمك». ودارت الكاميرا مرة أخرى وكانت عيون العمال تحاصرنى ووجه الوجيه المتزمت يطاردنى ولكننى لم أعبأ بكل هذا بعد أن تلقيت الأمر من صاحبة الأمر فقبلتها كما يقتضى الدور وعندما صاح المخرج : «كويس خالص .. أحسنت يا أستاذ»، التفت مذعوراً إلى الوجيه المتزمت فلم أجده، فقد غادر المكان وهو يصب لعناته على اليوم الذى شارك فيه فى إنتاج هذا الفيلم !! من كتاب «ذكريات ووجوه»