إن كنا نعرف متى تبدأ الخطى بلحظة الميلاد، فلا نعرف متى تنتهى ، أو كما يقول الشاعرعبد العزيز الدرينى « مشيناها خطى كتبت علينا.. ومن كتبت عليه خطى مشاها.. ومن كانت منيته بأرضٍ.. فليس يموت فى أرض سواها «، ويتسق ذلك مع قول أيوب الصديق « عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّى ، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ ، الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا «. دخل أيوب فى تجارب وآلام وأحزان وأوجاع لا يحتملها بشر، لكنه صبر واحتملها حتى أزالها الله عنه ، فخرج بالحقيقة التى تصور حياة الإنسان مهما علا شأنه ، خرجنا من بطون أمهاتنا عرايا وسنعود كما جئنا ، وبرغم إدراكنا للحقيقة التى تفرض علينا أن نتواضع ، إلا أننا نتغافل عنها، وننزلق بأطماعنا وشهواتنا فى صراعات العالم الزائل ! يقال إن الإسكندر الأكبرالذى ملك العالم وخلده التاريخ ، أدرك فى أيام مرضه الأخيرة أنه جاء إلى الدنيا عريانا وسيخرج منها كذلك ، فأوصى بإخراج يديه من الصندوق الذى يحتوى جثمانه أثناء تشييعه لكى يبعث برسالة لكل من يرى المشهد مؤداها «ملكت العالم وها أنا اخرج منه جسدا ممددا فى صندوق يبلى ويتحلل « ! جئنا عرايا وسنعود عرايا بالمعنى المادى الملموس ، أما بالمعنى المعنوى فمنا من سيظل بعريه غير مستور لأن أعماله السيئة ، وخطاياه الكثيرة التى ارتكبها فى حق الله والناس ، وحق الطبيعة والحيوان والجماد ، ستجعله عاريا ساعة الحساب ، أما الأنقياء والاتقياء الذين عملوا الخير واتبعوا وصايا الله ، فسوف تسترهم أعمالهم الخيرة فى تلك الساعة الحاسمة التى لن يهرب أو يفر منها أحد ، فبقدر المحبة التى تعمل بها فى الدنيا ستجد الستر فى الآخرة المنتظرة . سبحانك ربى ، عندما أختلى بنفسى وأتأمل عبارة « عريانا خرجت من بطن أمى وعريانا أعود إلى هناك « ، تغلبنى الدموع لتفاهة ما فرض علينا من صراعات فى عالم كنا وسنظل ضيوفا عليه !