الدمام: حسن عبد الموجود رغم أن مسابقة أقرأ أسدلت الستار على نسختها العاشرة لعام 2025 بفوز الليبية نسرين أبو لويفة بلقب «قارئ العام» إلا أن إلقاء الضوء على كواليس تلك المسابقة يعطينا لمحة عن طريقة إدارتها، وكيف صارت حدثاً فريداً كل عام وليست مجرد احتفالية تُلتَقط فيها الصورُ للفائزين. أتيح لى هذا العام حضور الحفل والأنشطة الثقافية المتنوعة على هامشها، ومنها جلسات حوارية، ومحطات توقيع كتب، وعروض أدبية وشعرية وتفاعلية، للناقدة المصرية شيرين أبو النجا، والروائى الفلسطينى إبراهيم نصر الله، والمترجم المغربى محمد آيت حنا وغيرهم، والملاحظة الأولى أن إدارة الجائزة تنتهج نهجاً واضحاً باستقدام أسماء أدبية راسخة فى العالم العربى وكذلك فى الغرب، منهم كتَّاب يتصدَّرون قوائم البيست سيللر، وحاصلون على جوائز مهمة، كالبوكر ونوبل، على أن تلك الإشارة لا تعنى أن المبيعات والجوائز هى ما يقف خلف الاختيار، وإنما القيمة. وذلك المسعى يعنى أن القائمين على الجائزة يريدون توفير احتكاك حقيقى بين المتسابقين وهؤلاء الأدباء، وهو مسعىً يقف خلفه إيمان بأن هناك مسؤولية تقع على عاتقهم بضرورة رفع المستوى الفكرى للأولاد والبنات، خاصة وأنهم يخوضون مراحل يستمر بعضها لأسابيع قبل الوصول إلى المحطة النهائية، وفى معظم تلك المراحل يقابل المتسابق أدباء مشهوداً لهم فى لجان التحكيم الفرعية، وبغض النظر عن صعوده إلى الأدوار التالية أو خروجه من التصفيات فإن المناقشة تفتح مداركه على أفقٍ آخر من القراءة وتوجِّهه إلى كتبٍ مهمة وتوضح له بعض التفاصيل التى لم ينتبه إليها فى الأعمال التى يعرضها، وهذا هو بيت القصيد، أن تصبح علاقة الشباب بالكتب علاقة مستمرة وليست لحظية أو مرحلية تنتهى مع انتهاء المسابقة أو خروجهم منها. وقد لاحظت أيضاً أن الجائزة توازن بشكل واضح بين استقدام الأدباء والأكاديميين، فكل طرف يملك مزايا، البساطة الجميلة غالباً عند الأدباء، والتفكير النقدى عند الأكاديميين، ولا أدل على ذلك من أن لجنة التحكيم النهائية ضمَّت أديباً هو الكويتى سعود السنعوسى وأكاديمياً هو السعودى الدكتور عبد الرحمن مرشود وكاتبة ينطبق عليها الشرطان، وهى الشاعرة والأكاديمية المصرية الدكتورة إيمان مرسال، وبذلك فإن الاحتكاك بهم يضمن التنوع ويوجه العقول إلى فروع المعرفة المختلفة، ويضمن ألا تلتزم الجائزة بخط محدد وصارم لا تحيد عنه، أقصد ألا تكون الأعمال المقدمة فى بساطة الصحافة السيَّارة أو فى رصانة الأوراق المحكَّمة، فالجميع يتفق على صيغة وسط تناسب أعمار المتقدمين. ولفت نظرى كذلك الحرص الكبير على أن يكون الحديث باللغة العربية الفصيحة طوال الوقت، حتى تحقق الجائزة هدفاً آخر، وهو تحسين علاقة الشباب بلغة الضاد، خاصة وهى تتعرَّض للتشويه بعد ظهور مواقع السوشيال ميديا، وما ارتبط بها من فوضى لفظية، فإذا خرج المتسابق عن خط اللغة السليمة ينبهه المحكمون، وبذلك تحوَّلت الفصحى وسلامة النطق والإعراب إلى جزءٍ أساسى فى التقييم، وقد لاحظتُ على مدار يومين أن المتسابقين لديهم حس قوى باللغة وقدرة على النطق الجيد، وقدرة على مواجهة الجمهور بدون قلق، وإمكانية طرح وجهة نظرٍ مطوَّلة من الذاكرة وليس بالقراءة من الأوراق. بهذا المعنى لا يخرج المتسابقون من الجائزة كما دخلوها، وإنما يضعون أقدامهم على طريق يحرسه مئات من رموز الفكر والفلاسفة والشعراء والأدباء على مر العصور، ويصبحون مربوطين بخيط قوى مع الثقافة، بعد أن كان هدف بعضهم الفوز فقط بمال الجائزة. أتيح لى أيضاً مقابلة الكاتب النرويجى يون فوسه الفائز بنوبل فى الآداب عام 2023، ولاحظت حضوره الهادئ جداً. كشف لقاؤه بالجمهور - الذى أداره طارق الخواجى المستشار الثقافى لبرامج مركز إثراء - رؤيته للأدب والحياة. نشأ كما قال بجانب فيورد فى النرويج، واسمه «فوسه» يعنى المكان بجانب الشلال، وهو لا يزال مندهشاً لأن كتبه تجولت حول العالم وتُرجِمت إلى 60 لغة، مما جعله يتساءل أحياناً عن سبب ذلك، فقد نشأ فى قرية صغيرة وكتب بلغة لا يتحدثها كثيرون. كتب فوسه، بحسب ما ذكره، أول مسرحية وهو شاب فى الثلاثينيات وأخرجها مخرج فرنسى فى الثمانينيات من عمره ولكنه أظهر فهماً عميقاً لكلماته، وقد أدهشه ذلك، كما يدهشنا المعنى عادةً. وبحسب فوسه فإن الأدب الذى يتخطى الحدود يجب أن يحمل شيئاً جديداً وفريداً، ولكنه فى الوقت ذاته يلامس الجميع، فنحن نتشارك الصفات ذاتها التى تجعل منا بشراً، والأدب يمثل البشرية والبشر فى الوقت ذاته يشكلون الأدب. أطلعنا فوسه على بعض أفكاره الأخرى عن الأدب والترجمة، وحسب ما قاله عندما يتحول الكتاب من لغة إلى أخرى، يفقد شيئاً ما، ولكن ما يبقى هو روح العمل، وقال إنه عندما يبدأ بالكتابة، يبدو له بأنه ينصت لشىء ما موجود وجاهز وهو يسرقه، على حد تعبيره، والكتابة بالنسبة له إنصات بطبيعتها. وقال: «بدأت بالكتابة مبكراً منذ أن كان عمرى 12 عاماً، وقد كنت شغوفاً بالموسيقى والجيتار. ولكن عندما توقفت عن الاستماع للموسيقى، بدأت الكتابة بجدية. نشرت روايات ودواوين شعرية، ثم كُلِّفت بكتابة مسرحية، ولم أرغب بإكمال المشروع وقتها، ولكنها كانت شرارة انطلاقة كبرى». وهذا اللقاء مع كاتب بحجم فوسه يمكن أن يعطينا فكرة واضحة عن توجُّه الجائزة، أنت لست فى مارثون للجرى، أو فى حلبة مصارعة، وإنما فى بيت هادئ يفتح مداركك ويقدم لك خدمة حقيقية، وهى أن تصبح علاقتك بالكتاب أبدية، وليست فى موسم محدَّد أو عيد.