رغم الحديث المتكرر عن المرحلة الثانية من اتفاق وقف اطلاق النار فى غزة فإن ما يحدث على الارض لا يمت بأى صلة الى هذا الحديث.. فإسرائيل تحاول استثمار لحظات الهدنة لتكريس واقع ديموغرافى جديد على الأرض حيث تعيد حاليا تشكيل قطاع غزة لترسيخ التجزئة والاحتلال الدائم، وتمهد الطريق لتقليص عدد السكان وبناء المستوطنات فى المستقبل. التحركات الإسرائيلية، من إعادة طرح ملف التهجير، إلى إعلان الخط الأصفر حدوداً جديدة، إلى السعى لفرض مناطق عازلة، إضافة إلى تعطيل المرحلة الثانية وشروطها المتعلقة بالقوات الدولية، كلها تصب فى اتجاه واحد هو إفراغ الاتفاق من محتواه وتحويله إلى غطاء لإعادة هندسة القطاع بالكامل. ورغم أن خطة وقف إطلاق النار وعدت بإعادة الإعمار والإغاثة الإنسانية وأفق سياسي، فقد ظهر بدلًا من ذلك مخطط جديد يُعاد فيه تصميم قطاع غزة بشكل جذرى لتطبيع التجزئة والاحتلال الدائم. فمنذ إعلان وقف إطلاق النار، قامت إسرائيل بتقسيم غزة لقسمين على طول ما كان يفترض أن يكون خط الانسحاب الأولى للجيش الإسرائيلي. المنطقة «الخضراء» فى شرق غزة هى المنطقة التى يفترض أن تتدفق فيها عمليات إعادة الإعمار والمساعدات.. بينما تبقى المنطقة «الحمراء» والتى تمثل 42% من القطاع ويوجد فيها قرابة مليونى فلسطينى فى غرب غزة محاصرة، مدمرة وفى حالة خراب لأجل غير مسمى، وتتعرض لقصف متزايد. وهو ما وصفه رون ديرمر، وزير الشئون الاستراتيجية الاسرائيلى بحل الدولتين.. داخل غزة نفسها. يرسخ الفصل بين شطرى القطاع عبر جدار عازل يُعرف ب»الخط الأصفر»، والذى اصبح أشد فتكا من جدار برلين، حيث يطلق الجنود الإسرائيليون النار على كل من يقترب منه. ويواصل الجيش الإسرائيلى توسيعه تدريجيا داخل غرب غزة. وستقتصر إعادة الإعمار حاليا فى شرق غزة على مناطق مغلقة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة تسمى «المجتمعات الآمنة البديلة»، أولها «رفح الجديدة» فى أقصى جنوبغزة على الحدود المصرية. وستُخضع إسرائيل كل فلسطينى من غزة يرغب بالانتقال لرفح الجديدة لتدقيق وفحص دقيق، ومراقبة مستمرة وفورية بواسطة الذكاء الاصطناعي، من قبل شركة بالانتير، المتهمة بدعم الإبادة الجماعية الإسرائيلية. وستكون رفح الجديدة قرية «بوتيمكين» أى قرية زائفة.. وواجهة فقط للتغطية على استمرار الإبادة الجماعية وخطوةً تمهيديةً لمخطط إسرائيل للتطهير العرقى فى غزة فقد أوضح مسئولون اسرائيليون هذه النية بقولهم إن المنشآت فى «رفح الجديدة» «مؤقتة»، ورغم أن سكان هذه المنطقة المحاصرة سيُعزلون تمامًا عن بقية غزة، إلا أنهم سيتمتعون بحرية أكبر فى مغادرة غزة!!