«الأخبار» تستمع لروايات الفارين من جحيم ال «غرف غير المرخصة» الإعلانات الرخيصة تسطر مأساة خداع الأهالى د. على عبد الله: أدوية المراكز مغشوشة تُباع على الأرصفة د. نبيل عبد المقصود: قنبلة موقوتة تمارس الاحتيال على الأسر د. عبدالرحمن حماد: المرضى يتعرضون للضرب والحرمان من الدواء فى الوقت الذى تخوض فيه الدولة معركة حقيقية ضد الإدمان، وتفتح أبواب الأمل أمام المرضى عبر مراكز علاجية معتمدة تخضع للرقابة الطبية، تنمو فى الظل كيانات مشبوهة تتاجر بآلام الناس تحت لافتة «العلاج». مراكز غير مرخصة تنتشر فى بعض المحافظات، تديرها مجموعات من غير المتخصصين، يحبسون المرضى داخل جدران ضيقة، ويعالجونهم بالضرب أو الوهم، بعيدًا عن أى إشراف طبى أو إنساني.. اقرأ أيضًا| رئيس صحة النواب يحذر: هذا الفيروس هو الأكثر انتشارا.. وإليكم روشتة العلاج | فيديو ورغم الجهود المكثفة لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، بالتنسيق مع أجهزة وزارة الداخلية ووزارة الصحة، فإن حملات الغلق لا تتوقف، إذ يتم ضبط عشرات المراكز المخالفة كل شهر، بعضها يتسبب فى كوارث إنسانية تصل إلى الوفاة. «الأخبار» فى هذا التحقيق ترصد خريطة هذه المراكز، وتكشف كيف تتحول من «مأوى للعلاج» إلى «مصيدة للأرواح»، وتستعرض تحركات الدولة الحاسمة لحماية المرضى وأسرهم من فوضى العلاج الوهمي. اقرأ أيضًا| وزير الأوقاف: دعم صندوق مكافحة الادمان لنشر الوعى بخطورة المخدرات فى حملة تفتيشية واحدة الشهر الماضى أغلقت وزارة الصحة 25 مركزًا تعمل بدون ترخيص فى محافظتى القاهرة والجيزة، بعد ثبوت مخالفات تشغيلية وصحية متعددة. كما شهد شهر نوفمبر إغلاق أربعة مراكز إضافية فى منطقة أبو النمرس بالجيزة إثر تجاوزها الاشتراطات الصحية والقانونية، وفى مدن ومحافظات أخرى تم ضبط وإغلاق عشرات المراكز خلال الأشهر الماضية، من بينها 9 مراكز فى مدينة العبور وعمليات غلق متكررة بمنطقة البدرشين وبدر هذا بالإضافة إلى عشرات المراكز الأخرى فى مختلف المحافظات. الأرقام الرسمية لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان تعطى صورة عن حجم الجهد الحكومي: منذ تأسيسه فى 2002 وحتى أواخر أكتوبر 2025 أنفق الصندوق نحو 2.379 مليار جنيه لدعم برامج ومرافق تتعلق بالوقاية والعلاج، وامتد دعم الصندوق ليشمل عشرات المئات من المنشآت والعاملين. هذه الموارد الرسمية تصطدم الآن بانتشار مراكز عشوائية تهدد حياة المتعافين وتعرض أسرهم لنكسة صحية واجتماعية. اقرأ أيضًا| «عينك حمراء وسرعتك عالية» |ضبط 33 سائق حافلة مدرسية يتعاطون المخدرات «الأخبار» تتتبع خريطة هذه المراكز غير المرخصة، وتستمع لشهادات ضحايا عاشوا التجربة وأهالى تعرضوا لأبشع أنواع الاستغلال وكذلك آراء الخبراء والأطباء المتخصصين لمواجهة الظاهرة. «الإسطبل» تحول إلى مصيدة فى العزبة البيضاء بأطراف القاهرة، لم يكن المكان الذى دخل إليه (م.ح - 21 سنة) مركزًا علاجيًا كما أوهموه، بل أقرب إلى إسطبل مهجور تحيط به الجدران المتشققة ورائحة العفن. يروى الشاب الذى نجا من التجربة بعد 40 يومًا من الاحتجاز أن أهله اصطحبوه الى أحد المراكز المعلَن عنها على مواقع التواصل الاجتماعى عن طريق إعلان يعد ب «علاج مضمون فى بيئة إنسانية» مقابل 150 جنيهًا فى اليوم. يقول: «أول ما وصلت، كان فى مكتب شيك وفخم جدًا أهلى سلمونى هناك وكانوا لسه بيكملوا الإجراءات وأنا طلبوا منى ادخل من الباب اللى المفروض بيودى على داخل المصحة بعد ما أخذوا منى الموبايل والفلوس، فى الجهة التانية كان الوجه القبيح للمكان عبارة عن اسطبل مهجور يشبه أماكن أكل وربط المواشى دا غير الكلاب المتوحشة الموجودة فى المكان وقفلوا الباب الحديدى عليّ. الغرفة كانت فيها أكتر من عشرة شباب، نايمين على بطاطين قديمة على الأرض. الأكل كان سيئًا جدًا، والمياه بالكوب المكسور. لو حد حاول يخرج بيتعرض للضرب». يضيف بصوت متقطع: «اللى كانوا بيشرفوا علينا مفيش فيهم دكتور واحد. كانوا بيقولوا علينا «مرضى لازم يتربوا» مش «يتعالجوا». الضرب والإهانة كان جزءا من الروتين اليومي. فى يوم شاب حاول يهرب، مسكوه وربطوه فى عمود حديد طول الليل». ويكمل بعد ما خرجت كان المفروض إنى بطلت بس أنا من كسرة نفسى وحرقتى على الذل والإهانة أنا رجعت للمخدرات تانى حاولت بعدها على أد ما أقدر إنى أنقذ زملاء تانيين غيرى من جوا وبالفعل نجحت إنى أبلغ أهالى زملاء كانوا جوا بعد ما سجلت أرقام تليفونات أهالى لهم فى مصحف صغير كان معايا لأن كان ممنوع علينا نشيل ورق ولا أقلام ولا موبايل وكانوا بيجبرونا نسجل فيديوهات نقول فيها لأهالينا إننا تمام وبنتعامل أحسن معاملة عشان طبعًا ياخدوا منهم فلوس أكتر ويعشموهم إننا بنتعالج. «العلاج» بالابتزاز أما الحالة الثانية فهى ل (أ.س 33 عامًا)، موظف بإحدى الشركات الخاصة، حجزه شقيقه فى مركز علاج غير مرخص بمنطقة المقطم بعد مكالمة من أحد المروجين على الإنترنت وعده ب «برنامج سريع للتعافي». يحكى (أ.س): «أول كام يوم حاولت أصدق إن ده علاج، بس لما بدأت أطلب مقابلة طبيب أو أخرج أتنفس، اكتشفت إن مفيش دكاترة خالص. كل اللى هناك شاب بيقول إنه «متعافي» هو اللى بيدير المكان». بعد أسبوع، بدأت معاناة الابتزاز. «كلموا أخويا وقالوا له الحالة محتاجة فلوس تانية للعلاج، وبعدها قالوا له إنه لو مجاش بالدفع، هيبلغوا إن أخوه هرب وبيتعاطى تاني». وبعد تدخلات من الأسرة خرج (أ.س) مصابًا بكدمات وجروح، لكنه يقول: «الوجع النفسى أصعب. كنت فاكر إنى رايح أتعالج، طلعت فى سجن». ابنى كان هيضيع منى تجلس «أم خالد»، وهى سيدة خمسينية من شبرا الخيمة، تتحدث بصوت متهدج عن تجربة لن تنساها أبدًا، بعدما دفعتها رغبتها فى إنقاذ ابنها إلى فخ أحد مراكز العلاج الوهمية. تقول: «ابنى كان بيحاول يتعافى، وأنا كنت بدور على أى أمل. لقيت إعلان على فيسبوك عن مركز محترم بأسعار معقولة، كلمتهم وقالوا لى المكان مرخص وفيه دكاترة كبار. بصراحة الكلام طمنى جدًا، وروحت سلمتلهم ابني». لكن الطمأنينة لم تدم طويلًا. تضيف الأم: «من أول يوم خدوا الموبايل منه، وقالوا لى ممنوع الزيارة أول أسبوع. بعد كده كل ما أتصل يسكتوني. ابتديت أشك لما طلبوا منى أدفع مبلغ إضافى بحجة إن الحالة «صعبة». لما رحت أشوفه لقيت المكان فى عمارة قديمة، ريحته كتمة، والشباب محبوسين جوه زى المساجين». تسكت للحظة ثم تكمل والدموع فى عينيها: «ابنى خرج بعد أسبوعين بعلامات ضرب على إيده، قال لى يا أمى كانوا بيهددونا إن اللى يعترض بيتربط فى السرير» تضيف بعدها واحدة جارتى شافت حلقة تليفزيونية بالصدفة عن المراكز اللى عملاها الدولة للعلاج بالمجان وساعدتنى أجيب رقمهم 16023 وكلمتهم فى صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطى والحمد لله ابنى دخل قعد 70 يومًا وخرج بقاله 9 شهور ودلوقتى رجع لصحته وشبابه وشغله وللدنيا بعد ما كان بيضيع مني. حنفية الدواء أكد د. على عبد الله، مدير المركز المصرى للدراسات الدوائية والإحصاء ومكافحة الإدمان، أن ملف المراكز غير المرخصة لعلاج الإدمان يخضع لشقين أساسيين: شق دوائى وآخر رقابي، وكلاهما يحتاج إلى مواجهة حاسمة ومتزامنة. وقال د. عبد الله إن الشق الدوائى يمثل إحدى أخطر الثغرات، موضحًا أن هيئة الدواء المصرية يفترض أن تتابع بشكل صارم حركة الدواء داخل السوق لضمان عدم تسربه إلى جهات غير شرعية. وأضاف: «الأدوية التى تُستخدم فى تلك المراكز إما مغشوشة تُباع على الأرصفة، أو مهربة من الخارج، أو يتم تسريبها من بعض المستشفيات والمراكز المرخصة».. وشدد على ضرورة «غلق حنفية الدواء» التى تصل إلى هذه الأماكن غير القانونية، باعتبارها المصدر الأول لتفاقم المخاطر على المرضى. أما عن الشق الرقابي، فأوضح مدير المركز المصرى للدراسات الدوائية أن منح التراخيص يجب أن يكون قاصرًا على المتخصصين فقط، مع تشديد الرقابة على المراكز والشقق والفلل التى تعمل بشكل سرى فى مناطق معروفة مثل المقطم وحدائق الأهرام والمنصورية وغيرها.. وطالب أيضًا بمتابعة دقيقة للإعلانات المنتشرة عبر الإنترنت أو اللافتات فى الشوارع التى تروّج لعلاج «رخيص وسريع»، مؤكدًا أن هذه الحملات التسويقية المضللة هى بوابة الخداع الأولى للأسر. مراكز قتل المرضى أكد د. عبدالرحمن حماد، مدير وحدة مكافحة وعلاج الإدمان بمستشفى العباسية سابقًا، أن المراكز غير المرخصة لعلاج الإدمان تمثل «خطرًا مزدوجًا» على المجتمع، لأنها لا تكتفى بالإضرار بالمرضى جسديًا ونفسيًا، بل تسيء إلى سمعة مفهوم «العلاج» نفسه، وتزرع الخوف فى نفوس الأسر من الإقدام على الخطوة الصحيحة. وقال حماد إن «المشكلة الأساسية فى هذه المراكز أنها تُدار من غير المتخصصين، وغالبًا بلا إشراف طبى أو نفسى معتمد»، مشيرًا إلى أن ما يجرى بداخلها «ليس علاجًا بل انتهاكًا صريحًا لحقوق المريض». وأضاف: «المدمن مريض يحتاج إلى رعاية طبية ونفسية دقيقة، وليس إلى الحبس أو التعذيب. بعض الحالات التى استقبلناها فى المستشفيات الحكومية كانت خارجة من مراكز غير مرخصة فى حالة انهيار كامل، بعد تعرضهم للضرب أو الحرمان القسرى من العلاج الدوائي». وأوضح أن الخطر لا يتوقف عند حدود الإساءة الجسدية، بل يمتد إلى التشخيص الخاطئ واستخدام أدوية غير مناسبة أو غير مرخصة، مما قد يؤدى إلى مضاعفات خطيرة وربما الوفاة. وقال: «العلاج فى الطب النفسى والإدمان له بروتوكولات دقيقة، لا يمكن أن تُدار فى شقة أو فيلا بعيدة عن الرقابة». قنبلة موقوتة حذر الدكتور نبيل عبد المقصود، أستاذ علاج السموم والإدمان، من تفشى ظاهرة المراكز غير المرخصة لعلاج الإدمان، واصفًا إياها بأنها «قنبلة موقوتة» تهدد حياة المرضى وتمارس النصب والاحتيال على ذويهم. وأوضح عبد المقصود أن هذه المراكز غالبًا ما تُدار بعيدًا عن أى إشراف طبى حقيقي، على أيدى مدمنين متعافين أو ممرضين سبق لهم العمل فى مؤسسات علاجية معروفة، وقاموا بسرقة قواعد بيانات المرضى لاستغلالها فى استقطاب عملاء جدد، أو من خلال أشخاص يستعينون ببعض صغار الأطباء ك«ستار قانوني» لتغطية أنشطتهم المشبوهة. وأضاف أن القائمين على تلك الأماكن يلجأون إلى أساليب خادعة لجذب الأسر، أبرزها الترويج لأسعار منخفضة بشكل غير واقعي، قائلًا: «تصل بعض الإعلانات إلى حد الإعلان عن علاج الإدمان بمائة جنيه فى اليوم، لكنها فى الحقيقة مجرد شقق سكنية يُحتجز فيها المرضى فى ظروف غير آدمية، حيث يُكدس خمسة أو ستة أشخاص فى غرفة واحدة».. وأكد أن هذه الممارسات تنتهى فى كثير من الحالات إلى ابتزاز الأسر أو تعذيب المرضى نفسيًا وجسديًا، مشيرًا إلى أن العديد من الوفيات التى وقعت خلال السنوات الأخيرة كانت داخل هذه المراكز الوهمية. وقال عبد الله إن الشق الدوائى يمثل إحدى أخطر الثغرات، موضحًا أن هيئة الدواء المصرية يفترض أن تتابع بشكل صارم حركة الدواء داخل السوق لضمان عدم تسربه إلى جهات غير شرعية. وأضاف: «الأدوية التى تُستخدم فى تلك المراكز إما مغشوشة تُباع على الأرصفة، أو مهربة من الخارج، أو يتم تسريبها من بعض المستشفيات والمراكز المرخصة». وشدد على ضرورة «غلق حنفية الدواء» التى تصل إلى هذه الأماكن غير القانونية، باعتبارها المصدر الأول لتفاقم المخاطر على المرضى. أما عن الشق الرقابي، فأوضح مدير المركز المصرى للدراسات الدوائية أن منح التراخيص يجب أن يكون قاصرًا على المتخصصين فقط، مع تشديد الرقابة على المراكز والشقق والفلل التى تعمل بشكل سرى فى مناطق معروفة مثل المقطم وحدائق الأهرام والمنصورية وغيرها.