60 عاماً مرت على غياب كامل الشناوى شاعر الليل والحب والعذاب، فيلسوف الكلمة التى تنافس راقصات الباليه وفراشات الشموع، غادرنا فى 30 نوفمير 1965، 60 عاماً تشعرنا بغيابه المؤثر فى حياتنا الصحفية والثقافية والشعرية والفنية، وأفضل من يحدثنا عنه فى ذكراه ال 60 صديقه الكاتب الكبير مصطفى أمين الذى قال عنه : اقرأ أبضا | أسمهان.. علاقتها ب محمد التابعي وسر الرقم 13 - «كانت غدة الحب فى قلب كامل الشناوى تفرز باستمرار، ما مر يوم فى حياته منذ عرفته ولم أره غارقاً فى قصة حب، وكنت أقول له إن قلبه كروايات السينما، كل أسبوع فيلم جديد، وكان يسمى الفتاة التى يعشقها «آخر صيحة»، فإذا مضى أسبوع على الحب بحث عن تاجر الأشياء المستعملة ليلقى فى جرابه بالحب القديم، كان ذواقة فى الحب ولا يختار إلا ملكات الجمال، كان ضخم الجثة ويصر على أن تكون معبودته خفيفة صغيرة قصيرة، وكان أمينًا ومخلصًا فى حبه، ولا يقع إلا فى هوى الغانيات المتقلبات الخائنات الغادرات، وكانت الفتاة التى تقف وحدها لا تستهويه ولا تلفت نظره، الذى يجذبه هو الزحام، فيحاول أن يشق طريقه إليها، ويدفعه من أمامه، ويوقفه من بجواره، ويزغده من خلفه، إلى أن يصل إلى المرأة التى اختارها منهوك القوى»! ويقول مصطفى أمين: «عشت معه الحب الذى أبكاه وأضناه وحطمه وقتله فى آخر الأمر، أعطى كامل للمرأة كل شيء، المجد والشهرة والشعر ولم تعطه شيئاً، أحبها فخدعته، أخلص فخانته، جعلها ملكة فجعلته أضحوكة، كان يدرك عائق فرق السن بينهما، فكان يردد دائمًا «احتشم يا قلبي، فالحب طيش وشباب وأنت طيش فقط !»، وكان يقول عنها «كنت أتعذب فى حبك بكبرياء، وقد ذهب الحب، وبقيت لى كبريائى كنت قاسية فى فتنتك، ونضارتك بعفويتك، فأصبحت قاسية فقط». وكان يحاول بأى طريقة أن يعود إليها، يمدحها ويشتمها يركع أمامها ويدوسها بقدميه يعبدها ويلعنها، حيث تجد متعة أن تعبث به يومًا تبتسم ويومًا، تعبث ساعة تقبل عليه وساعة تهرب منه، تطلبه فى التليفون فى الصباح ثم تنكر نفسها منه فى المساء، ويقول إنه لا يفهمها لأنها امرأة غامضة لا يعرف هل تحبه أم تكرهه، هل تريد أن تحييه أم تقتله ؟ ! ظلت لعنة الحب الفاشل تطارده، وتعذبه، كان يخيل إلى أنه يكتب كل يوم نعيه، وكتب كامل الشناوى قصيدة «لا تكذبى» فى غرفة مكتبى بشقتى فى الزمالك، وهى قصيدة ليس بها مبالغة أو خيال، كان كامل ينظمها وهو يبكى، كانت دموعه تختلط بالكلمات فتطمسها، كان يتأوه كرجلٍ ينزف وهو ينظم، وبعد أن انتهى من نظمها قال: «إنه يريد أن يقرأ القصيدة على المطربة بالتليفون». كان تليفونى بسماعتين، أمسك هو سماعة وأمسكت أنا وأحمد رجب سماعة فى غرفة أخرى، وتصورنا أن المطربة ما تكاد تسمع القصيدة حتى تشهق وتبكى وتنتحب ويغمى عليها وتستغفر وتعلن توبتها، بدأ كامل يتلو القصيدة بصوت منتحب خافت، تتخلله العبرات والتنهدات والآهات: «لا تكذبى، إنى رأيتكما معًا.. ودعى البكاء فقد كرهت الأدمعَ.. ما أهون الدمع الجسور إذا جرى.. من عينِ كاذبةٍ.. فأنكر وادّعى»! كانت المطربة صامتة، وبعد أن انتهى من إلقاء القصيدة كاملة ردّت عليه: «كويسة قوى تنفع أغنيها»، وانتهت المحادثة ورأينا كامل الشناوى أمامنا كأنه جثة بلا حِراك». مات كامل الشناوى.. ومضت السنون وقابلت التى كان يعشقها فقلت لها: إنى كرهتها منذ قصيدة «لا تكذبى» ! فقالت: هو الذى كان يحبنى وأنا أحبه كصديق، طلب أن يتزوجنى فرفضت، هو ضخم وعجوز وأنا صغيرة ! قلت لها : لن أصدقك، أنتِ قتلتيه! قالت: «لا.. هو الذى انتحر» ! فسألتها: «هل تقصدين أنه انتحر حباً؟»، قالت: «بل انتحر غيرة»! ولم أصدقها طبعاً!. مصطفى أمين من كتاب «شخصيات لا تنسى»