لم يكن مساء الجمعة عاديًا. بدا وكأن شيئًا جديدًا يولد في بيوت المصريين، كأن نَفَسًا روحانيًا تسلل فجأة عبر الشاشات ليملأ القلوب. لحظة ظهور الشعار الذهبي لبرنامج «دولة التلاوة»، شعر البعض بأنهم أمام شيء مختلف تمامًا عن كل ما اعتادوه على التلفزيون. هناك رهبة خفيفة، شبيهة بتلك التي ترافق أول حرف يتلى في صلاة الفجر. منذ الإعلان الأول، كانت الفكرة تبدو أكبر من مجرد برنامج. اسم ثقيل، يحمل تاريخًا طويلًا، كأن مصر تعلن قيام «دولة» جديدة، لكنها ليست دولة بحدود سياسية أو أعلام، بل دولة بصوت، بنَفَس، بضوء يتلو آيات من كتاب الله. ومع ظهور المتسابقين لأول مرة، أدرك الناس أن هذه الدولة ليست خيالًا... بل واقع حي، يتجسد في شباب صغار يعتلون المنصّة بعيون خجولة وصوت يرتجف، ثم يتحول الارتجاف إلى خشوع. في اللحظة التي وقف فيها أول متسابق ليتلو، خيّم الصمت على كل من يشاهد. ذلك الصمت الذي لا يصنعه التلفزيون، بل تفرضه الآية، تفرضه النغمة القديمة التي تربّت عليها أجيال على أصوات الحصري والمنشاوي وعبدالباسط. حتى لجنة التحكيم بدت وكأنها تستعيد ذكريات بعيدة. كان مصطفى حسني ينظر للمتسابقين بعين مختلفة، بعين ليست عين مذيع أو داعية، بل عين أب يشعر بالفخر. قال في أحد المشاهد: «دي تجربة مش قادر أوصفها»... وكأن اللحظة تجاوزت قدرته على اللغة. وبينما يمضي البرنامج إلى منتصف حلقته الأولى، كانت السوشيال ميديا قد سبقت الأحداث. خلال دقائق، بدأ اسم «دولة التلاوة» يظهر على منصة إكس، ثم يصعد، ثم يعلو، حتى أصبح «تريند». كأن هناك من يصفّق من وراء الشاشات. لم تكن التعليقات عن الأداء فقط، بل عن الفكرة نفسها. كتب أحدهم: «أخيرًا برنامج يعلي الروح بدل ما يعلّي الصوت»، وعلّقت فتاة: «أول مرة أحس إن التلفزيون دخل بيتنا بآية مش بإعلان». كانت هذه الجملة وحدها كافية لتشرح حالة المشاهدين: إحساس بالطمأنينة، بعودة شيء قديم افتقدوه دون أن يدروا. في الحلقة الأولى، جاء واحد من أكثر المشاهد تأثيرًا. شاب من الدقهلية يدعى محمود كمال الدين، حكى أمام اللجنة أنه حفظ القرآن بعد وفاة والده، خوفًا من أن يرحل دون أن يرى ابنه على طريق النور. كان يتحدث والقلب يتلاعَب في صوته، ثم بدأ يتلو. وما إن وصل لمنتصف الآية حتى بدت عيون بعض الحاضرين تلمع. انتشر الفيديو على مواقع التواصل مثل النار في الهشيم، وانهالت الدعوات لهذا الشاب. البعض قال إن صوته أعاد لهم أيام طفولتهم حين كان الأب يوقظهم لصلاة الفجر بصوت الحصري من الراديو. ومع انتشار المقطع، بدأت قصص أخرى تظهر... أم تكتب أنها وجدت ابنها الصغير يقلّد أحد المتسابقين وهو ينطق التجويد بسعادة. رجل مسن يقول إن الحلقة جعلته يبكي لأنه تذكّر أيامًا كان يسمع فيها التلاوة في المقاهي بدلًا من الأغاني الصاخبة. حتى الذين لا يتابعون البرامج الدينية عادةً، وجدوا أنفسهم أمام تجربة لا يمكن تجاهلها. كانت اللجنة أيضًا جزءًا من الحكاية. أصوات ضخمة وخبرات طويلة تجلس على طاولة واحدة: الشيخ حسن عبدالنبي، الدكتور طه عبدالوهاب، الشيخ طه النعماني، ومعهم ضيوف شرف مثل الدكتور أسامة الأزهري ومفتي الديار المصرية. مشهد جمع هؤلاء في برنامج واحد بدا لكثيرين وكأنه احتفال كبير بتراث التلاوة المصرية، تراث طالما حمل مصر إلى العالم الإسلامي كله. لكن قوة البرنامج لم تكن في اللجنة وحدها، بل في الفكرة نفسها: أصوات شابة من محافظات مصر كلها. من كفر الشيخ، من أسيوط، من دمياط، من الفيوم. أكثر من 14 ألف متسابق تقدّموا للمشاركة. الرقم وحده كان رسالة، يقول: «هذا البلد مازال مليئًا بالقرّاء... ومازالت التلاوة هنا تُزرع في البيوت قبل المساجد». ومع مرور الساعات، لم تهدأ السوشيال ميديا. البعض تفاعل مع الجوائز الضخمة – مليون جنيه للفائز في التجويد ومليون آخر في الترتيل – لكنها لم تكن محور الحديث. الناس لم يتعاملوا مع «دولة التلاوة» كمسابقة، بل كمساحة روحية، كأن هناك عطشًا جماعيًا لصوت القرآن جاء البرنامج ليملأه. اقرأ أيضا: أسامة الجندي: مسابقة «دولة التلاوة» أضخم حدث قرآني في مصر والعالم العربي وفي خضم هذا التفاعل، برزت تصريحات مصطفى حسني داخل موقع التصوير. قال للشباب المشاركين: «دوّروا على النبي في حياتكم... من أول الصبح لحد آخر الليل». لم تكن مجرد نصيحة، بل امتدادًا لمشاعر الحلقة: تلاوة لا تتعلق فقط بطول النفس أو جمال المقام، بل بحالة القلب. هذه الجملة وحدها تحولت إلى اقتباس متداول على منصات التواصل، يستخدمه الناس في صورهم ومنشوراتهم، وكأنه صار شعارًا للبرنامج. لم يقتصر التفاعل على الجمهور، بل وصل إلى مسؤولين وقيادات سياسية. اللواء رضا فرحات خرج بتصريح اعتبر فيه البرنامج «إعلامًا هادفًا يصنع الوعي»، وقال إن مصر تعيد تقديم أقوى «قوى ناعمة» لها: صوت القرآن على الطريقة المصرية. وهذا التصريح أعاد إشعال النقاش على المنصات: هل يمكن فعلًا لبرنامج واحد أن يعيد مجد مدرسة التلاوة المصرية؟ كثيرون أجابوا: نعم... طالما هناك شباب يتلون بهذه الروح، فلا خوف على هذا المجال. وفي لحظة مدهشة، لاحظ المراقبون أن البرنامج نجح في جمع أجيال مختلفة أمام شاشة واحدة: الأب يشاهد، الأم تبكي تأثرًا، الطفل يكرر المقامات، والجد يجلس منتبهًا كأنه يسمع إذاعة القرآن في الستينات. هذا الدمج بين الأجيال كان من أكثر الأمور التي أشاد بها الناس. ومع أن بعض الأصوات القليلة انتقدت فكرة «التنافس» في شيء روحاني، فإن الأغلبية رأت أن البرنامج ليس منافسة بقدر ما هو احتفال. احتفال بالصوت، بالروح، بالماضي الذي يعود. احتفال بقدرة مصر على أن تقدّم العالم مرة أخرى قارئًا... بصوت ثابت وواثق، كما فعلت لعقود طويلة. وفي نهاية الليلة، وبعد انتهاء الحلقة الأولى، بقي صدًى على مواقع التواصل. كثيرون كتبوا أنهم شعروا بأن البيت «اتغسل بالطمأنينة». آخرون قالوا إن صوت القرآن في البرنامج جاء «زي نقطة نور» في أيام مزدحمة بالضجيج. كان واضحًا أن «دولة التلاوة» لم يكن مجرد عرض تلفزيوني... بل عودة قوية للروح. هكذا، لم ينتظر البرنامج أن يصنع جمهورًا، بل الجمهور نفسه هو الذي ذهب إليه، احتضنه، وتفاعل معه. وإذا كان لكل دولة حدود، فإن دولة التلاوة حدودها القلوب... تبدأ من أول آية تتلى، ولا تنتهي مع آخر حرف يُسمع.