حين طالبت فى مقال الأسبوع الماضى؛ بإنجاز استراتيچية وطنية للمدن الإبداعية، فإن هذا الطرح كان تعبيراً عن التطلع إلى التوسع فى إطلاق العديد من مدن الجيل الرابع، ليس باعتبارها مدناً ذكية تعتمد على أحدث التقنيات فى إنشائها وإدارتها فحسب، وهناك استراتيچية تستهدف ذلك بالفعل، ولكن ثمة طموحاً يتجاوز هذا الطرح، إلى تفاعل خلاق بين التقنية والإبداع، عبر صياغة استراتيچية للمدن الإبداعية فى البداية بالتوازى مع استراتيچية المدن الذكية، ومن التفاعل بينهما نرتقى إلى استراتيچية موحدة أكثر شمولاً عنوانها: «استراتيچية وطنية لمدن المستقبل». منذ نشأت المدينة تاريخياً لطالما كانت ترجمة لمنتج حضارى ومادى، يصلح لقياس مدى تقدم الشعوب والدول، حتى تولد اتجاه عالمى للنظر للحضارة المعاصرة، على أنها حضارة مدن بالأساس، من ثم فإن الاهتمام الاستثنائى والدائم بصياغة استراتيچيات من شأنها التطوير المستمر لمفهوم المدينة، وبناء نماذج ترتقى بفضاءاتها جيلاً بعد جيل، حتى بلغت مرحلة الجيل الرابع. وحين نطرح هذا المفهوم، ونحلم بمدن المستقبل، فإن ذلك لا يعنى فقط التطلع إلى ما يتم إنشاؤه من مدن جديدة، وإنما إعادة تأهيل مدن قائمة، مادامت تمتلك مقومات يمكن أن تضعها على قائمة مدن الجيل الرابع، عبر توفير الاستثمارات والخطط والبرامج التى ترتقى بها لمصاف مدن المستقبل، لاسيما الصناعية والتعدينية والتجارية والسياحية. وهنا يتم استدعاء القدرات الإبداعية، حيث يتلاقى التقنى مع المعرفى، وتضافرهما فى تكوين صورة إيجابية لنُسخ أو جيل جديد من المدن، إذ المستقبل يتطلب عقولاً مبدعة تمتاز بالابتكار والفعالية، فالإبداع ليس وقفاً هنا على مجال واحد، وفى ظل رؤية واضحة، وإطار استراتيچى شامل، تكون القدرة على إنتاج أكبر قدر من الأفكار والحلول غير التقليدية لمشكلات قائمة، والربط بين جوانب الخبرة، وإعادة بنائها بناءً جديداً، بالتوازى مع توظيف واستثمار للحدود القصوى لأحدث منتجات التقنية بمنهج إبداعى. فى هذا الفضاء، أى مدن المستقبل، يمكن الرهان بأريحية على نتائج مثمرة لعلاقة خلاقة بين رأس المال الثقافى، لاسيما فى بُعده الإبداعى، مع الروافد الاقتصادية المتعددة لجنى ثمار من غير اليسير أن نرنو إليها، ما لم نع الحاجة للإبداع تحت ظلال أحدث طبعات العصر التقنى بإيقاعه المتسارع. مدن المستقبل خيار حتمى لتجاوز عتبات العصر الذى لا يرحم من يُبطئ فى خُطاه.