جاء الطفل طه حسين على بن سلامة إلى الدنيا فى 15 نوفمبر من عام 1889 فى قرية قريبة من مغاغة بمديرية المنيا بصعيد مصر الأوسط، لم يمر على عينى الطفل أربعة أعوام حتى أصيبتا بالرمد، مما أطفأ النور فيهما إلى الأبد، بسبب الجهل عندما استدعى أهله حلاق الصحة الذى وصف له علاجاً ذهب ببصره ولم يستدعِ أهله الطبيب المختص ليصف العلاج الصحيح، ألحقه والده بكتُاب القرية فحفظ القرآن الكريم فى مدة قصيرة أذهلت أستاذه وأقاربه ووالده، والتحق بالأزهر الشريف ونال شهادته التى تخوله التخصص فى الجامعة، وعندما فتحت الجامعة المصرية أبوابها عام 1908 كان أول المنتسبين إليها، درس بها العلوم العصرية والحضارة الإسلامية والتاريخ والجغرافيا وعدداً من اللغات الشرقية. مشوار طويل سار فيه قاهر الظلام متحدياً كل ما قابله من عقباتٍ بإرادة فولاذية بدءاً من الكتُاب إلى الأزهر إلى السوربون بباريس، كان كفيفاً لكنه أضاء بفكره عقل الأمة ونزع منه كل القيود البالية ونادى بأن التعليم كالماء والهواء، فأصبح نموذجًا عصريًا للأديب والفنان الذى أضاء القرن العشرين، واليوم نضيء له 136 شمعة فى ذكرى ميلاده ونقدم لقراء «كنوز» مقالاً نادراً للكاتب والشاعر كامل الشناوى بعنوان «طه حسين يرمينى فى جنة الشوك!» الذى يقول فيه : «لم أتصوَّر أن الكلمة التى كتبتُها عن الفقر الذكى والثراء الغنى، ستثير السخط على شخصى بهذه الصورة؛ لقد اتهمنى الأغنياء بتحريض الفقراء عليهم، واتهمنى الفقراء بأنى أحاول تخديرهم بكلامٍ لا يسمن ولا يُغنِى من جوع ! أما أستاذنا الدكتور طه حسين، فهو الوحيد الذى برَّأنى من التحيُّز للأغنياء، أو التعصُّب للفقراء، واكتفى بأن جعلنى من إخوان الشياطين؛ تطبيقًا للآية الكريمة التى تقول : «إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ!». ولقد خصنى بكلمةٍ من كلماته اللاذعة التى اختار لها عنوان «من جنة الشوك»، وهذه هى سطورها : «قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ.. أَلَمْ تقرأ ما كتبه الأستاذ كامل الشناوى فى صحيفة «الجمهورية»، وأنبأنا فيه بأن يده لا تمسك المال إلا كما تمسك الماءَ الغرابيلُ. فقال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: «لو قد أكثر قراءة القرآن لَصدَّ عن ذلك صدودًا، ولَأنفق حين يحسن الإنفاق واقتصد حين يجب الاقتصاد». فقال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ : «وما ذاك ؟ !» فقال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى : «وأنت أيضًا لا تقرأ القرآن، أَلَمْ تسمع قول الله عز وجل «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا»، وقوله عز وجل قبل هذه الآية «إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا». قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ : «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لقد هممتُ أن أذهب مذهبَ الأستاذ كامل الشناوى». فقال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى : «إياك أن تفعل فإن الله عز وجل قد وصف عباده الذين أخلصوا قلوبهم له، فقال فى بعض وصفهم «وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا»، فاحرص جهدك على أن تكون من هؤلاء». ■■■ وقد كتب أستاذنا الدكتور طه حسين على هامش كلمته، العبارة التالية : «لا تُنشَر وإنما تُعرَض على كامل الشناوى». ولكنى لم أستطع أن أطوى الكلمة، وها أنا ذا أنشرها فى اليوميات، لأتيح للقراء أن يرونى، وقد أمسك بى الدكتور طه ورمانى فى جنة الشوك ! وكل ما قاله الدكتور طه حسين لا يخضع للجدل، فهو من صميم القرآن الكريم الذى أحفظه وأؤمن به، وأعترف بأننى أفهم بمنطق العقلِ مدلولَ ما ورد فى كتاب الله عن التبذير والمبذِّرين، ولكن منطق العقل يتعارض أحيانًا مع منطق السلوك ! ولقد قادنى سلوكى بمنطقه الخاص إلى أن أبذر فى إنفاق المال، وهو منطق يقوم على أن التبذير الذى يجعلنى من الشياطين، أو إخوان الشياطين، ليس هو التبذير فى المال بالإنفاق، ولكن التبذير فى العمر بالحرمان من المتاع الحلال، والحرمان يقتضى التقتير فى الإنفاق، وهكذا يصبح لرصيد الحياة، وهو شر أنواع التبذير والتبديد ! كان هذا منطقاً سلوكياً فى فهم التبذير، وهو منطق يتعارض مع منطق العقل، إن كان ذنبًا فأنا التلميذ الفتى لم أقع فيه وحدى، ولكن وقع فيه أيضًا الأستاذ الشيخ ! وإلا فَلْيقل لى أستاذنا وشيخنا الدكتور طه حسين : «ماذا جمع من المال ؟ وماذا اقتنى غير البيت الذى يسكنه، وكان إلى سنواتٍ قليلة مضت يستأجر السكن وينفق عرق جبينه على الديون ؟!» ماذا جمع أستاذنا الدكتور طه حسين؟ ماذا جمع الرجل الذى ملأ الدنيا، وشغل العالم، وربح مئات الألوف من الجنيهات ؟ ! وَلْيسمح أستاذنا الدكتور طه حسين بأن أستعير أسلوبه فى «جنة الشوك»، وأختم به كلمتى على هذا النحو: «قال التلميذ الفتى لأستاذه الشيخ: أليست هذه حقيقة تؤلمك ؟!». فقال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: «إنها لا تؤلمنى، إنها تشرفنى!». كامل الشناوى من «زعماء وفنانون وأدباء»