لا تصادروا حق الناس فى الفرح والترويح عن النفس، لستم أوْصياء عليهم ودعوا الخلق للخالق الذى لم يُنصّبكم خلفاءه لتحاسبوا خلق الله. من يشرب الخمر لا يلوم الساقي، لماذا أزعَجَتْ جموعُ الناس فى المولد بعضَ الناس، هل خافوا عليهم من أن يقعوا فى شُبهة شِركٍ أو خافوا عليهم من التزاحم أو خشوا عليهم من إنفاق أموالهم فى شراء الحلوى والفول السوداني؟ أتأمل فى أسماء هؤلاء المنزعجين -وهذا حقهم- فأجد منهم من ينادى بحقوق الإنسان.. وهنا يمكن السؤال.. أليس من حق هؤلاء البشر أن يزوروا أولياء الله وأن يفعلوا ما يشاؤون شريطة ألا يؤذوا غيرهم؟ ملايين يذهبون إلى الموالد طواعية حُبا وكرامة دون دعاية فلم نر إعلانا مدفوعا لأى مولد بل يذهب الناس بحب وبشوق ولحاجة التنفيس عن النفس أيضا، فلماذا خفتم من هذه الجموع؟ أى ندوة من الندوات المصروف عليها لا يحضرها إلا المدعوون؛ وجمهورها لقلة عددهم يتصوّر معهمُ ضيف الندوة فى نهايتها.. ألم يفكر هؤلاء المفكرون الاستراتيجيون -وتعجبنى جدا هذه الصفة- لماذا أحجم الشباب عن حضور الندوات ويذهب الشباب والكهول والعجائز رجالا ونساءً وأطفالا إلى الموالد؟ ماذا جذبهم إلى هنا وماذا نفّرَهم من هناك؟ لماذا لا يذهب الشباب إلا إلى حفلات الشمال وحفلات الموالد؟ لماذا لا يتحدثون إلا عن ظواهر لا تعجبهم فى الموالد، رجل يلبس ملابس خضراء، شباب يتمايل طربا فى مجالس الذِكر. نساء يزغردن فى الموالد طوابير أمام الساحات الصوفية التى توزع «الّنفَحَة» أى الأكل والشراب مجانا.. ماذا يضير الأغيار فى فِعل هؤلاء؟ ظاهرة ياسين التهامي بدأ هؤلاء بإنكار وجود السيد أحمد البدوى نفسه فلمَّا أثبتَ لهم المؤرخون الثقاة وجودَه كالوا له الشتائم وأنه... وأنه... ونصّبوا أنفسهم إلهًا يحاسب ويعاقب لأن المحدثين المنكرين منهم توهَّموا أنهم عاصروا البدوى ورأوا منه ما لا يرضونه فى دينهم وهم غيورون على دينهم! وبعد أن صوبوا طلقاتهم على هؤلاء المجاذيب والدراويش فى خرقتهم وأسمالهم البالية؛ اتجهوا لياسين التهامى وأولاده ومن على شاكلته فصوتُه لا يعجبهم وانفعاله فى الإنشاد لا يطربهم.. ولهم كل الحق فى أن يقولوا رأيهم لكن ليس من حقهم أن يتَّهموا الملايين التى تطرب بأصوات الشيخ أحمد التونى وياسين التهامى والعجوز وعبد الحى وغيرهم بالجهل وأنهم لا يعرفون السّلّم الموسيقي، هؤلاء ليسوا بحاجة إلى سلالِمكم التى لم تُسْلِمْكم لسلامة الحُكم وحياد الناقد وموضوعيته، جموع الناس تطرب لأصواتهم وهم يؤدون قصائد الشعراء ابن عربى والحلاج والبرعى وابن الفارض والسهروردى والتلمسانى والبهاء زهير وجاد أبْ غاي، هؤلاء نقلوا أجمل القصائد من الدواوين الشعرية إلى دواوين المحبة فى قلوب الناس، فى الشوارع وحلقات الذكر، فى المجالس الصوفية وفى الساحات وفى الموالد.. هؤلاء نشروا الشعر الجميل وارتقوا بذائقة الناس.. فلماذا لا تتركون هؤلاء فى شأنهم وانتقدوا الأغانى الهابطة والكلمات القبيحة التى انتشرت بين قطاع شبابى كبير وصارت مألوفة فى «الميكروباصات» والشوارع؛ لكن الناس ما تزال تَفرّق بين بيت شعرى رائع وبين كلمات يعفّ لسانى أن ينطق بها. الذائقة الجَمْعية هى التى طربت بصوت أم كلثوم وأسمهان ومحمد عبدالوهاب وفيروز وعبدالحليم حافظ والجيل الواعى من الشباب المعاصر الذى ما يزال قابضا على الكلمة الشاعرة النبيلة. لماذا يذهب الناس إلى الموالد؟ هذا هو السؤال الذى تمنيتُ لو أن مُنتقدى الموالد طرحوه على أنفسهم وحاولوا الإجابة عنه.. وحتى أساعدهم فى الإجابة سأعطيهم إجابات متعددة ليختاروا من مُتعدّد -على طريقة موضة الأسئلة الحديثة- يذهب الناس للموالد لأنها المتنفس الوحيد الذى يفرحون فيه ويتخلصون من ضغوط الحياة ومن قسوة متطلباتها، «رَوِّحوا القلوبَ ساعةً فإنَّ القلوبَ إذا كَلَّتْ عَمِيتْ»؛ فريقٌ من الناس يذهبون لأنهم صوفيون لزيارة وليّ من أولياء الله.. فريق آخر يذهب للمِرماح وشراء الحلوى و لعب المراجيح.. فريق آخر يذهب ليرى جموع الناس والفرجة.. وفريق يتاجر ويكسب، وفريق يذهب ليلتقى أصدقاءه الذين يراهم مرة كل عام.. كل هؤلاء ذهبوا بدافع الحب والفرحة.. فلم يجبرهم أحد على الذهاب وإنما ذهبوا طواعية ومحبة وبحثا عن الفرح.. هل هؤلاء يضرُّون أحدا؟ لا وهنا سيقال ولماذا يذهبون؟ حرية شخصية.. ما رأيك؟ وسيخرج واحد من بقايا الوهَّابية المندثرة فى بلادها -ويبدو أن لديه أملا فى رجوعها وعَودة شيكاتها- فيقول لك: ولكن هذا شرك.. ونقول له: هل رأيت أحدا من هذه الملايين يصلى ركعتين لولي؟ هل رأيت أحدا يعبد وليا؟ ولماذا يحلّ هؤلاء الاحتفال بمولد زعيم أو مؤسس دولة ويرونه حلالا ويحرّمون الاحتفال بمولد ولى من أولياء الله؟. جموع الناس ثلاثة فريق يجتمع فى مدرجات الكرة؛ وفريق يجتمع فى حفلات الأغانى بقُرى الشمال والجونة، ولا ضير فى ذلك؛ وفريق آخر وهو الأكبر عددا يجتمعون فى الموالد بحرية شخصية، فكما تركتم الفريق الأول يغنى ويرقص فاتركوا الفريق الآخر، فإن كان فى غيٍّ فضلالُه على نفسه وإن كان صوابا فصوابه إليه «عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ» ومن قرأ رائعة الروائى الراحل عبد الحكيم قاسم «ليالى الإنسان السبعة» التى أراها من أهم روايات القرن الماضى يجد كيف فسّر لنا الكاتبُ أيامَ الموالد فى سرديّةٍ مُدهشة تفهم حاجات الناس ولا تتطلع إليهم من عَلٍ، وكأنهم درجة أدنى، هذه الفَوقية لم تعد مقبولة، لأنّ هذا الطرح ليس علميًّا ولا يتفق مع مبادئ حقوق الإنسان وقد يقول قائل: لكن هذا تغييب لعقول الناس، ونقول له: جميل.. قم أنت بدورك وأفِقْ من فشلك فى إفاقة الناس ورجِّعْ عقولهم وننتظر حتى نراك فائقا ونرى نتائج إفاقتك فى قيادة هؤلاء الجموع لمُبتغاك!! الِّذكْر فى رأيهم يعيب صنفٌ من الناس على الموالد لأن حلقات الذّكر تقام فيها، وحتى يقبَل هؤلاء هذه الحركات فى الذكر الذى يستهجنونه أسائلهم: لماذا لا يرونه «ديسكو» اعتبروه نوعا من أنواع رقص الديسكو وللناس فيما يعشقون مذاهب.. هنالك رقص مجانين ورقص مدني.. هذا الذكر معناه أنهم يذكرون الله فيه فإن لم يحز مصطلح الذكر على إعجابهم فليسمّوه «ديسكو، دَبْكة، العيّالة، العصاية، الفلامنكو، رقصة زوربا، مِلى أتَنْ (رقصة شعبية أفغانية) فولكلور، جنون مجاذيب»، سمّوها ما شئتم لكن لا تحرموا الناس من عاداتهم ومن أهازيجهم وإذا كان هؤلاء يتمايلون فاعتبروهم فى «الجِم» يؤدون التمارين الرياضية وإذا كانوا يصرخون من الوجد فهم مجانين فى نظركم وليس على المجنون حرج، وإذا سكروا بخمر الحب فهذا مسقاهم، وإذا باجوا بأسرارهم فلا تستمعوا لهم، وإذا حكى الناس كراماتهم فلا تصدقوهم، ولكن دعوهم وشأنهم فهم لا يضرونكم فى شيء فلماذا تلعنونهم؟ لا تصادروا حق الناس فى الفرح والترويح عن النفس، لستم أوْصياء عليهم ودعوا الخلق للخالق الذى لم يُنصّبكم خلفاءه لتحاسبوا خلق الله.. وإذا كنتم أكثر تديُّنا من هؤلاء الذين ترونهم زُوّار القبور أو القبوريين كما أطلقتم عليهم فتذكروا قول الله تعالى «وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» دعوا الصوفيين يحتفلون ومعهم جموع الشعب الذين لا تستطيعون أن تجمعوا حشودهم فدعوهم فى ساحاتهم ليعبدوا الله وحده لا شريك له ولا تقعوا فى دائرة التكفير الذى عانيتم منه ويعانى منه العالم.. أنتم تكفّرون قطاعا كبيرا من الشعب لأنهم يحتفلون بالموالد ولذا التقيتُم مع المُكفِّرين فى الوقت الذى تزعمون محاربتهم. تثقيف الموالد لماذا لا تذهب الوزارات والجامعات والمثقفون إلى هذه الجموع لتثقيفهم بدلا من لعنهم؟ ولماذا لا ننشر التنوير بينهم؟ فلْنستغل هذه الموالد والمهرجانات والليلة الكبيرة فى إقامة أمسيات شعرية وثقافية ودينية وفكرية ومساجلات ومناظرات يديرها الشباب ونتحاور مع هذه الجموع فهى فى ازدياد مهما أحرقوا القباب والأضرحة وحاربوا مجالس الذكر وشتموا الصوفية فالروح فى حاجة إلى سكينة والجسد فى حاجة إلى حركة، والنفس فى حَوْج إلى طمأنينة وتأمل وصفاء.. اذهبوا إليهم ولا تتعالوا عليهم أو فاتركوهم وشأنهم لأنهم مُحبُّون. مختتم الكلام أيها المُعرضُ عنَّا ... إنَّ إعراضَكَ مَِّنا لو أردناك جعلنا ... كلَّ ما فيك «يُرِدنا» وقال آخر: عبادٌ أعرضوا عنَّا ... بلا جُرمٍ ولا معنَى أساؤُوا ظنَّهمْ فينا ... فهلَّا أحسنوا الظَّنَّ وإنْ كانوا قد استغنوا ... فإنَّا عنهمُ أغْنَى