في ظل سعيها لتحديث بنيتها الصناعية وتعزيز قدراتها التصديرية، تمضي مصر بخطى ثابتة نحو تحقيق حلم طال انتظاره، يتمثل في التحول إلى مركز إقليمي لصناعة وتجميع وتصدير السيارات، مدفوعة بموقعها الجغرافي الفريد الذي يربط بين ثلاث قارات، وتنوع اتفاقياتها التجارية التي تمنح منتجاتها ميزة تنافسية في أسواق كبرى، إضافة إلى دعم حكومي واضح واستراتيجية وطنية تستهدف توطين الصناعة وتحقيق الاكتفاء الذاتي. يرى خبراء القطاع أن مصر تمتلك كافة المقومات اللازمة لتحقيق هذا التحول، بدءًا من بنية تحتية حديثة تشمل موانئ متطورة مثل محطة شرق بورسعيد، وشبكة طرق قومية متصلة بالمناطق الصناعية، مرورا بتوافر الأيدي العاملة الماهرة منخفضة التكلفة، والصناعات المغذية والخامات المحلية، وصولًا إلى منظومة تشريعية جاذبة للاستثمار تتيح إعفاءات ضريبية وتسهيلات جمركية. بدأت ملامح هذه الطفرة الصناعية تتجسد على أرض الواقع من خلال توسع خطوط الإنتاج، وعودة مصانع كانت متوقفة، ومشاركة علامات عالمية مثل مرسيدس ونيسان وبى إم دبليو فى عمليات التجميع داخل مصر، مما يعزز الثقة العالمية فى قدرات الدولة التصنيعية. ◄ حسين مصطفى: نمتلك مقومات استراتيجية واقتصادية تعزز من الجاذبية الاستثمارية ◄ مقومات استراتيجية في البداية قال اللواء حسين مصطفى المدير التنفيذي السابق لرابطة مصنعي السيارات، إن مصر مؤهلة بقوة لأن تصبح مركزا إقليميا لصناعة وتجميع وتصدير السيارات، نظرا لما تمتلكه من مقومات استراتيجية واقتصادية تعزز من جاذبيتها الاستثمارية في هذا القطاع الحيوي. وأضاف أن فى مقدمة هذه المقومات يأتى الموقع الجغرافي الفريد لمصر، والذي يتوسط ثلاث قارات ويحتضن قناة السويس، أحد أهم ممرات التجارة العالمية، حيث تمر من خلالها نحو 16٪ من حركة التجارة الدولية، كما تعد محطة تداول الحاويات بشرق بورسعيد واحدة من أبرز البنية التحتية الحديثة، بمساحة نصف مليون متر مربع ورصيف بطول 2400 متر، ما يوفر قدرة لوجستية كبيرة لتسهيل حركة الصادرات. كما شهدت مصر تطورا كبيرا في البنية التحتية، خاصة فى ما يتعلق بتحديث الموانئ وربطها بشبكة طرق قومية متقدمة تصل بين المناطق الصناعية ومصادر المواد الخام، مما يسهم فى تقليل تكلفة النقل وزمن الشحن. أما من حيث الأيدى العاملة، فتمتلك مصر ميزة تنافسية واضحة، إذ تتوافر العمالة الماهرة والمدربة بتكلفة منخفضة، تشمل الفنيين والمهندسين القادرين على التعامل مع التكنولوجيات الحديثة، كما تتميز البلاد بتوفر الصناعات المغذية والخامات المحلية، إضافة إلى شبكة من الموردين المحليين المستعدين لتوسيع نطاق إنتاجهم بما يتماشى مع التوسع الصناعي أو خطط التصدير. وفيما يتعلق بجذب الاستثمارات، يوفر قانون الاستثمار المصرى الحالى حوافز متعددة، تشمل إعفاءات ضريبية، وسهولة تحويل الأرباح، وتسهيلات جمركية على معدات التصنيع ومكونات الإنتاج، خصوصًا المتعلقة بصناعة السيارات ومحطات الشحن الكهربائي، ولا يمكن إغفال عامل الاستقرار السياسى والأمني، الذى يوفر بيئة مواتية للاستثمار، مقارنةً بعدد من دول الجوار التى تعانى من اضطرابات. ◄ تامر قطب: البنية الأساسية للتصنيع المحلي من أبرز عناصر القوة ◄ دعم الاقتصاد بينما أكد المهندس تامر قطب المدير التنفيذي لإحدى شركات السيارات في السوق المصرية أن مصر تمتلك كافة المقومات التي تؤهلها لتكون مركزا إقليميا لتصنيع وتصدير السيارات، وهو الحلم الذى لطالما راود الصناعة محليا، فهدف مصر لا يقتصر فقط على التصنيع للاستهلاك المحلي، بل يمتد إلى التصدير، من أجل خلق منتج قادر على توليد عملة صعبة تعزز الاقتصاد الوطني. وقال: من بين أهم هذه المقومات موقع مصر الجغرافي المتميز، واتفاقاتها التجارية المتنوعة مع دول إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، والتى تسمح بتبادل تجارى بدون تعريفات جمركية، مما يمنح السيارات المصنعة محليا ميزة تنافسية فى هذه الأسواق، إلى جانب ذلك، تعتبر البنية الأساسية للتصنيع المحلى من أبرز عناصر القوة، فمصر تعد من الدول القليلة فى المنطقة التى تمتلك قاعدة من مصانع تجميع السيارات، وقد شهد عامى 2024 و2025 توسعا ملحوظا فى هذا الاتجاه، مع ارتفاع نسب المكون المحلى إلى ما بين 40% و45%، وهذه النسبة تعكس وجود بنية تحتية متكاملة، تشمل خطوط تجميع وشبكة من الموردين المحليين، إلى جانب توفر خبرات فنية وهندسية متقدمة. وأضاف أن ما يعزز ثقة السوق العالمى فى قدرات مصر التصنيعية، هو حصول عدد من الشركات العالمية الكبرى مثل مرسيدس-بنز، بى إم دبليو، نيسان، شيري، وستيلانتس، على موافقات فنية لتجميع سياراتها فى مصر، وفقًا لمعايير الجودة العالمية. هذه التجارب الناجحة تعد دليلا عمليا على قدرة مصر على إنتاج سيارات بمعايير تنافسية، كما أن البنية التصنيعية لا تقتصر فقط على خطوط التجميع، بل تشمل أيضا الصناعات المغذية، التى بدأت تمتد إلى مكونات مثل الكراسي، الزجاج، الأسلاك، أنظمة العادم، والفرامل، مما يعزز من عمق الصناعة ويدعم استدامتها. وأكد أن المرحلة القادمة تتطلب تضافر الجهود بين الدولة والمصنعين والموردين، بهدف تعزيز العلاقة مع الشركات الأم، وتوجيه الإنتاج المحلى نحو التصدير، بما يسهم فى زيادة حصيلة العملة الصعبة لمواجهة التحديات الاقتصادية التى مرت بها البلاد. ◄ خالد سعد: نسير في الاتجاه الصحيح لجذب الشركات الكبرى عالميًا ◄ بوابة استراتيجية أما خالد سعد المدير العام لرابطة مصنعي السيارات، فقال إن مصر تمتلك جميع المقومات التي تجعل منها مركزا إقليميا لتجميع وتصدير السيارات خلال الفترة المقبلة، وهذا ليس مجرد توقع، بل أمر طبيعي في ضوء المعطيات الحالية، فالدولة تتمتع بموقع جغرافي فريد يربط بين قارات إفريقيا وآسيا وأوروبا، وهو ما يجعلها بوابة استراتيجية للأسواق الإفريقية والعربية، وهذا الموقع المتميز يمنحها أولوية لدى الشركات العالمية التى تسعى إلى التوسع في هذه الأسواق من خلال قاعدة إنتاجية قريبة ومتكاملة. إلى جانب ذلك، ترتبط مصر بعدد كبير من الاتفاقيات التجارية الدولية والإقليمية، منها اتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وتجمع الكوميسا، وغيرها من التكتلات الاقتصادية، وهو ما يمنح المنتجات المصنعة فى مصر امتيازات جمركية في أسواق متعددة، هذا الأمر يشجع الشركات العالمية على إقامة خطوط إنتاج فى مصر لتصدير السيارات ومكوناتها إلى هذه الدول دون أعباء جمركية، وهو عامل اقتصادى بالغ الأهمية. وقال: تشهد مصر استقرارا ملحوظا في سعر صرف العملة الأجنبية، مما يعزز من ثقة المستثمرين فى مناخ الاستثمار المحلي،كما أن العمالة المصرية تعد من الأقل تكلفة فى المنطقة، وهو ما يمثل عنصر جذب مهم للمصنعين، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة الإنتاج فى العديد من الأسواق المنافسة. هذا بالإضافة إلى وجود طاقات بشرية مدربة يمكن الاعتماد عليها فى الصناعات الهندسية والتجميعية. ولفت إلى أنه لا يمكن إغفال أهمية الخطوات التي اتخذتها الحكومة المصرية مؤخرا لزيادة الرسوم الجمركية على بعض الواردات من السيارات من دول محددة، وهى خطوة تستهدف حماية الصناعة المحلية وتشجيع الشركات على التوجه نحو التصنيع والتجميع داخل مصر، وقد بدأت بالفعل هذه الإجراءات فى تحفيز عدد من المستثمرين الدوليين على دراسة إمكانية إنشاء مصانعهم فى مصر، سواء لإنتاج السيارات للسوق المحلى أو بغرض التصدير للأسواق الإقليمية، خاصة الإفريقية والشرق أوسطية. ◄ محمد الغمري: مصر لا تفتقر إلى الإمكانات.. وينقصها إطلاق نموذج وطني للسيارات ◄ نموذج وطني بينما يرى المهندس محمد الغمري رئيس مجلس إدارة إحدى شركات في مصر، أن مصر تسعى بخطى حثيثة للتحول إلى مركز إقليمي لتجميع وتصدير السيارات، مستفيدة من موقعها الاستراتيجى وتوافر البنية التحتية الصناعية. وأضاف أن مصر لا تفتقر إلى الإمكانيات، بل ما ينقص هو إطلاق نموذج وطني للسيارات، سواء بمحركات تقليدية أو كهربائية، فوجود علامة تجارية مصرية سيعزز الثقة العالمية ويشجع الشركات الأجنبية على التصنيع المحلي، ليس فقط لتلبية الطلب المحلي، بل أيضا لتصدير السيارات إلى أوروبا وأفريقيا، بدلا من الاعتماد على الاستيراد من آسيا، فالمبادرات الجارية حاليا تسير فى هذا الاتجاه، مع توقعات بطرح أول سيارة مصرية الصنع فى السوق خلال الفترة القريبة المقبلة. ◄ اقرأ أيضًا | فرصة «في وقتها»| استغلال الحرب التجارية بين الصين وأمريكا لخدمة صناعة السيارات ◄ منتصر زيتون: الطريق لا يزال مليئا بالتحديات.. واستقرار السياسات الاقتصادية ضرورة ◄ قرارات وإصلاحات من جانبه أشار منتصر زيتون عضو الشعبة العامة للسيارات إلىأن مصر تمتلك مقومات حقيقية تؤهلها لتكون مركزا إقليميا لصناعة وتجميع وتصدير السيارات، إلا أن تحقيق هذا الهدف الطموح يتطلب مجموعة من القرارات والإصلاحات الجوهرية. فمن الناحية الجغرافية، تحظى مصر بموقع استراتيجي فريد يربط بين البحرين الأحمر والمتوسط، وتمر بها قناة السويس، أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية فى سلاسل التوريد العالمية، كما وقعت مصر عددا من الاتفاقيات التجارية الدولية التى تدعم هذا التوجه، من بينها اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي (الجات)، واتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، ومبادرة طريق الحرير، وغيرها من الاتفاقيات التي تتيح نفاذا تفضيليا إلى أسواق كبرى. وأضاف: تعد العمالة المصرية منخفضة التكلفة نسبيا مقارنة بالعديد من الدول، ما يمثل عامل جذب إضافي للمستثمرين، خاصة في ظل تراجع قيمة الجنيه المصري، لكن رغم تلك المزايا، فإن الطريق نحو التحول إلى مركز إقليمى لصناعة السيارات لا يزال مليئا بالتحديات. ففى مقدمة العقبات، يأتي عدم استقرار السياسات الاقتصادية، ما يضعف من قدرة المستثمرين على إعداد دراسات جدوى دقيقة لمشروعات كبيرة مثل تجميع السيارات، خاصة فى ظل التغير السريع في القرارات، وغياب مشاركة المصنعين فى وضع السياسات المتعلقة بالقطاع. كما يشكل التذبذب الحاد فى سعر الصرف تحديا كبيرا، فقد شهد الدولار قفزات غير مسبوقة مقابل الجنيه، ما أربك السوق وأثر على التخطيط المالى طويل المدى. يضاف إلى ذلك ضعف القدرة الشرائية المحلية، حيث لا يتجاوز متوسط الطلب السنوى على السيارات 125 ألف وحدة من مختلف العلامات، مما يصعب معه تبرير ضخ استثمارات فى خط إنتاج جديد لعلامة عالمية تبدأ من السوق المصرية. وأوضح أنه لا تزال الصناعات المغذية فى مصر محدودة، ولا تحقق نسب المكون المحلى المطلوبة لإضافة قيمة حقيقية تؤهل المنتج للتصدير، وهو عنصر أساسي في منظومة تصنيع السيارات. كما تفرض الدولة رسوم جمركية بمتوسط 7% على مكونات الإنتاج، فى مقابل إعفاءات كاملة تتمتع بها السيارات المستوردة من دول تربطها بمصر اتفاقيات تجارة حرة، مما يفقد المنتج المحلى القدرة على المنافسة السعرية. ◄ أحمد جميل: رؤية استراتيجية مدعومة بحزمة من الإجراءات التحفيزية الحكومية ◄ توطين الصناعة بينما أوضح أحمد جميل رئيس قسم المعارض والتسويق بالشركة المصرية الأوروبية للسيارات بإحدى شركات السيارات في مصر أن الدولة تمضى بخطى متسارعة نحو توطين صناعة وتجميع وتصدير السيارات، مستندة إلى رؤية استراتيجية مدعومة بحزمة من الإجراءات التحفيزية والسياسات الحكومية المتكاملة، فقد أطلقت الحكومة عددا من الحوافز الجاذبة للمستثمرين،تضمنت تيسيرات واسعة فى الإجراءات الإدارية، وتخصيص أراضٍ لإقامة مصانع جديدة، فضلًا عن إنشاء مناطق حرة تستهدف دعم الصناعات التصديرية وتعزيز القدرات الإنتاجية. وأشار إلى الميزة الجغرافية الاستراتيجية لمصر تأتي في قلب هذا التوجه، إذ تعد قناة السويس شريانا رئيسيا يربط بين الشرق والغرب، مما يمنح البلاد موقعا مثاليا لتكون محورا للتصدير الإقليمى والدولي، كما تستند الخطة إلى توافر أيدي عاملة ماهرة ومدربة بتكلفة تنافسية، من مهندسين وفنيين قادرين على التعامل مع التكنولوجيات الحديثة، وهو ما يشكل ركيزة أساسية لبناء قاعدة صناعية قوية، وتدعم هذا التوجه أيضا البيئة التشريعية الجاذبة للاستثمار، حيث يمنح قانون الاستثمار المصرى حوافز متعددة، أبرزها الإعفاءات الضريبية، وتيسير الاستيراد الجمركى لمعدات التصنيع ومكونات الإنتاج، المتعلقة بصناعة السيارات والسيارات الكهربائية ومحطات الشحن. كما تمتلك مصر شبكة متكاملة من الصناعات المغذية والخامات المحلية، إلى جانب موردين محليين لديهم القدرة على التوسع والتطوير بالتوازى مع أى توسع صناعى مستقبلى أو مخططات تصدير.وتعزز اتفاقيات التجارة الحرة التى وقعتها مصر مع عدد من الدول الإفريقية والعربية من فرص وصول السيارات المصرية إلى أسواق جديدة، مما يرفع من جاذبية السوق المصرية أمام رؤوس الأموال الأجنبية، ويضع البلاد على مسار واضح نحو التحول إلى قاعدة إقليمية لتصنيع وتصدير السيارات، مدعومة باستقرار سياسى واقتصادى ودعم مؤسسى مستدام. يرى حسن الإسكندراني مدير تسويق هوندا: أن مصر تسير بخطى متسارعة نحو التحول إلى مركز إقليمى لصناعة وتجميع وتصدير السيارات، مستندة إلى رؤية واضحة ودعم حكومى متواصل، فقد أطلقت الدولة حزمة من الحوافز المشجعة للمصنعين، شملت تسهيلات كبيرة فى الإجراءات الإدارية، وتخصيص أراضى لإقامة مصانع جديدة، إلى جانب إنشاء مناطق حرة مخصصة للصناعات التصديرية، كما تعمل الحكومة على تحفيز سلاسل الإمداد المحلية من خلال دعم شركات الصناعات المغذية وفتح الاعتمادات المستندية اللازمة لاستكمال منظومة التصنيع المتكاملة. كما يمثل الموقع الجغرافي الاستراتيجي لمصر، الذى يربط بين الشرق والغرب عبر قناة السويس، أحد أبرز مقومات نجاح هذا التوجه، إلى جانب توافر أيدى عاملة ماهرة ومدربة بتكلفة تنافسية، مما يمنح البلاد ميزة تنافسية قوية تؤهلها لتكون محورا صناعيا إقليميا فى قطاع السيارات.