لا تنشأ بيئات العمل السامة من فراغ، بل تتشكل حين يجتمع فيها طرفان ظاهران: ظالم يفرض سطوته، ومظلوم يتحمّل الأذى. لكن غالبًا ما يُغفل في هذا المشهد طرف ثالث لا يقل أثرًا "الزملاء الصامتون"؛ أولئك الذين يرون الظلم، ويعرفون الحقيقة، وربما يتألمون له في صمت، لكنهم لا يتكلمون. فهل هم شركاء في الظلم بصمتهم؟ أم ضحايا آخرون، أجبرتهم الحياة على اختيار الصمت؟ المسؤولية الأخلاقية لا تقع على عاتق الإدارة وحدها، بل تمتد لتشمل الزملاء أنفسهم، فبيئات العمل لا تتأثر فقط بالقرارات الرسمية، بل أيضًا بالسلوكيات اليومية التي قد تُبنى على الإقصاء، أو التهميش، أو التنافس السلبي، أو حتى التجاهل المقصود، فحين يختار الزملاء الصمت أمام ما يرونه من ممارسات غير منصفة، أو يتجاهلون معاناة زميل، فإنهم ولو عن غير قصد يُسهمون في صناعة مُناخ إداري يفتقر إلى الثقة والتكافل. وقد تجسدت هذه الصورة بوضوح في واقعة حقيقية داخل إحدى المؤسسات، حيث رُويت لي قصة موظفة كفء، ذات خبرة ومشهود لها بالنزاهة، تم استبعادها من المشاركة في مشروع حيوي كانت مؤهلة للإسهام فيه بجدارة، ولم تُدرج حتى في قائمة المكافآت الخاصة بالمشروع، رغم قدرتها على تخفيف الأعباء عن الفريق وتعزيز جودة النتائج، وحين سعت لفهم أسباب هذا الإقصاء، واجهت جدارًا من الصمت من زملائها الذين فضلوا التزام الحياد الظاهري خوفًا من الدخول في مواجهة مع الإدارة، أو خشية أن يُنظر إليهم كداعمين لها، مما يعمق من شعورها بالعزلة والإقصاء. هذه الممارسات، رغم أنها قد تبدو فردية أو استثنائية، تعكس نمطًا أوسع من الصمت التنظيمي، ليس فقط من الإدارة، بل يمتد إلى الزملاء الذين يمتنعون عن دعم زميل يتعرض للظلم، وقد أكدت دراسة نُشرت في "Journal of Business Ethics" عام 2023، بعنوان: "الصمت الأخلاقي للموظفين تحت قيادات استغلالية"، إلى أن غياب الدعم بين الزملاء في ظل قيادات تُمارس الاستغلال، يُسهم في تحويل الصمت إلى "سلوك أخلاقي مُشوه"، إذ يتراجع الإحساس بمعنى العمل وتنخفض القوة الأخلاقية لدى الأفراد. وهكذا، يتحول الصمت من مجرد موقف سلبي إلى قوة خفية تُضعف القيم وتُهدد نزاهة المؤسسة من الداخل. هذه النتائج البحثية هي مرآة تعكس واقعًا ملموسًا لصور الظلم التي تتجلى في العديد من بيئات العمل، ومنها صمت الزملاء، والذي يعتبر من أخطر أشكال التجاهل، لأنه لا يمر دون أثر؛ فعندما يشهد الموظفون ظلمًا أو تهميشًا يقع على أحد زملائهم، ويختارون الصمت، فإنهم لا يمنعون المشكلة، بل يُسهمون بصمتهم في استمرارها وربما تفاقمها؛ فصمتهم يجعلهم وإن كان بحسن نية شركاء في استمراره؛ ولا يمكن اعتبار ذلك حيادًا، بل هو سلوك سلبي يُسهم في ترسيخ مُناخ تنظيمي تتراجع فيه القيم، وتضعف فيه المعايير الأخلاقية، مما يؤدي إلى فقدان الموظفين شعورهم بالعدالة والانتماء، وتؤثر على روح الزمالة والانتماء داخل الفريق. ورغم كل ما سبق، يظل السؤال مطروحًا: لماذا يصمت زملاء العمل أمام هذا الواقع السلبي؟ قبل الإجابة على هذا التساؤل، وإصدار الأحكام، لابد من النظر إلى السياق الإنساني، هؤلاء لم يصمتوا لأنهم يؤيدون ما يجري، بل لأنهم لا يملكون ترف الرفض أو رفاهية المواجهة؛ فبيئة العمل السامة تضع الجميع أمام خيارات قاسية، إما النجاة بالصمت، أو التضحية بالمصير الوظيفي من أجل موقف أخلاقي قد لا يُقدر في مثل هذه الحالات، لا يكون الصمت ضعفًا، بل آلية للبقاء، تُمارسها النفس البشرية لحماية ذاتها حين تغيب العدالة وتُكمم الأصوات. إن الصمت من بعض الزملاء يحمل قسوة في ظاهره. لكن، لابد أن نلتفت إلى جانب إنساني غائب في كثير من التحليلات، أن بعض الصامتين ليسوا شركاء في الظلم، بل ضحايا مثله؛ فالحياة المهنية ليست طريقًا مستقيمًا، بل مسار مُعقد تمشيه النفوس فوق حبال مشدودة بين لقمة العيش، وضغوط المسؤوليات الأسرية، والخوف من العواقب الوظيفية. وإذا أردنا أن نفهم هذا الصمت بإنصاف، فعلينا أن ندرك أنه لا ينبع دائمًا من قرار شخصي مستقل، بل يتغذى أيضًا على بيئة مؤسسية تعاني من ضعف الشفافية والمساءلة، فقد يكون ذلك بسبب وجود علاقات أو مصالح تربطهم بالمدير، أو خوفًا من الإحراج منه، أو رغبة في تجنب التصعيد في حالة التدخل، وأحيانًا يكون الهدف فقط هو الحفاظ على مظهر الاستقرار الوظيفي، حتى لو كان هذا الاستقرار شكليًا لا يعكس الحقيقة. لكن الأخطر من الأسباب المُباشرة هو ما يمكن تسميته ب "ثقافة الصمت التنظيمي"، وهي ثقافة غير معلنة تُروج ضمنيًا داخل بعض البيئات التنظيمية، حيث يُكافأ الموظف الذي "يمشي جنب الحيط"، ويتفادى الحديث عن المشكلات، بينما يُنظر إلى صاحب الرأي أو الموقف الناقد على أنه "مُثير للشغب". هذه الثقافة لا تُولد من فراغ، بل تنمو في بيئات يغيب فيها الإنصات، ويُربط فيها الولاء بالصمت، ويُساوى فيها النقد بعدم الانتماء، ومع الوقت، تترسخ هذه القيم في البنية الثقافية للمؤسسة؛ لتتحول إلى نمط تفكير وسلوك يصعب تغييره، ويؤثر في طريقة اتخاذ القرار وإدارة الأفراد. إن ثقافة الصمت ليست فقط تعبيرًا عن الخوف، بل أحيانًا عن افتقاد الأمل في التغيير، مما يُحول الصمت إلى آلية دفاعية جماعية، تبدو هادئة في ظاهرها، لكنها تُخفي تحتها تراكمات من اللامبالاة، وانطفاء الشغف المهني، ومن ثم تحصد المنظمات نتائج الصمت الإداري، ومنها انخفاض الروح المعنوية بين الموظفين، تفشي ثقافة الخوف أو النفاق الوظيفي، تسرب الكفاءات وارتفاع معدلات الاستقالة الصامتة (الانسحاب الداخلي)، حيث يبقى الموظف في عمله جسديًا لكنه يتوقف عن العطاء أو المُبادرة. لكن حتى مع تفهم دوافع الصمت، لا يمكن إنكار أثره المدمر، فحين يسود الخوف وتُخمد الأصوات، يتضخم الظلم، ويترسخ القهر، ويشعر الظالم بالاطمئنان؛ فالصمت، مهما كانت أسبابه، يمنح الظالم مساحة أوسع، ويجعل المظلوم أكثر عزلة، وأكثر عرضة للانكسار النفسي، الصمت في بيئة العمل السامة ليس حيادًا، بل عامل صامت في صناعة الاستبداد الإداري. أن نكون صوتًا لمن لا صوت لهم ليس مجرد شعار، بل هو مسؤولية أخلاقية تتطلب وعيًا وشجاعة وفعلًا، يبدأ الأمر بإدراك أن الصمت عن الظلم ليس حيادًا، بل هو مشاركة سلبية فيه، عندما نرى زميلًا يُهمش أو يُقصى أو يتعرض لظلم، فإن تدخلنا، ولو بكلمة طيبة أو سؤال بسيط، قد يكسر جدار العزلة الذي يشعر به، لا يتطلب الأمر أن نكون أبطالًا خارقين، بل يكفي أن نتحلى بالضمير الحي الذي يرفض ثقافة "خليك في حالك"، يمكننا أن نبدأ بالدعم المعنوي، والاستماع بإنصات، ثم الانتقال إلى طرح الأسئلة، أو حتى التعبير عن وجهة نظرنا بوضوح ولكن بحكمة، عندما تتضافر هذه الجهود الفردية، تتحول إلى قوة جماعية قادرة على إحداث التغيير، لأن العدالة لا تُبنى بالصمت، بل بالشجاعة الأخلاقية التي تمنح الآخرين القوة على الكلام. في النهاية، لا يُطلب من كل موظف أن يكون بطلًا، لكن يُنتظر منه ألا يكون حجرًا في جدار الصمت، الصمت قد يكون حيلة للبقاء، لكن حين يُطول، يتحول إلى مشاركة غير مرئية في صناعة بيئة غير عادلة، العدالة لا تبنى فقط باللوائح، بل بصوت الضمير الحي، كلمة صادقة، موقف بسيط، أو حتى تعاطف إنساني، قد يُعيد لإنسانٍ ثقته، ولبيئة العمل توازنها.