كتبت: دينا يحيى الأدغم في ظلّ احتدام المنافسة الاستراتيجية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وتصاعد النفوذ الصيني في تايوان وبحر الصين الجنوبي، يُعاد طرح فكرة تأسيس «ناتو آسيوي»، وهي الفكرة التي أثارها مساعد وزير الدفاع الأمريكي إيلي راتنر ،حيث تمثّل ملامح استراتيجية أمريكية جديدة، تحاول ترجمة سياسات الردع الجماعي إلى سياقات شرق آسيوية. ترتكز الولاياتالمتحدة على علاقات دفاعية ثنائية مع دول مثل اليابان، كوريا الجنوبية، أستراليا، والفلبين. لكن، وفقًا لرؤية راتنر، فإن هذا النموذج لا يكفي لمُواجهة تصعيد الصين العسكري، وهو ما تطرق إليه راتنر في مقاله المنضور في «فورين أفيرز»، حيث أشار إلى أهمية تأسيس ميثاق دفاعي، يضم اليابان والفلبين وأستراليا، وصولًا إلى كوريا الجنوبية ونيوزيلندا، ويستند إلى التزامات مُتبادلة واستعدادات دفاعية مُتزامنة. اقرأ أيضًا| لا مزيد من المجانية| ترامب يفرض على أوروبا معادلة «الحماية مقابل الدفع» وفي دائرة نقاشية ضمت عدد من الباحثين الغربيين، سلطوا الضوء على تحديات لا يمكن تجاهلها أمام نجاح هذا التحالف، تتمثل في: - التشابك الاقتصادي العميق بين الدول الآسيوية المقترحة والصين، خاصة وأن معظمها يعتمد على السوق الصيني بشكل واسع، ما يُضعف الحماسة لأي تصعيد مُحتمل. - غياب الإجماع السياسي بين الدول المُشاركة، حيث تختلف أولوياتها الدفاعية والإقليمية، كما أن بعضها يتبع سياسات خارجية أكثر حيادية تجاه الصين. - الخشية من سباق تسلح إقليمي قد يفتح بابًا لاضطرابات دبلوماسية وميدانية تهدد أمن المنطقة. بناء على ذلك، يقترح بعض الباحثين تبنّي «صيغة مرنة» للتحالف، ترتكز على تبادل المعلومات الأمنية، والتعاون اللوجستي والتقني، دون التورط في التزامات قانونية صارمة كتلك الموجودة في «الناتو» الأوروبي. الدفاع الأوروبي بعيدًا عن المظلّة الأطلسية في محاولة لعدم استنساخ التجربة الأوروبية، تراهن الولاياتالمتحدة على أن المشهد الآسيوي، يتميز بتنوع سياسي وثقافي، وهياكل أمنية غير متجانسة، وهنا تبرز ضرورة تقاسم الأعباء العسكرية، وتجاوز النموذج الأحادي الذي يجعل واشنطن القائد والممول الوحيد لأي تحالف. ومع قيام بعض الدول بالفعل بتحديث ترساناتها الدفاعية، كالفلبين واليابان، فإن واشنطن ترى فرصة لتعميق التعاون وتحويل «الفرقة الرباعية» (The Squad) إلى كيان دفاعي راسخ. كل هذه التحركات تُقرأ في بكين على أنها محاولة لتطويقها استراتيجيًا، خاصة وأن بكين تعتبر هذا التحالف تهديدًا مُباشرًا لنفوذها الإقليمي، وقد يؤدي إلى زيادة التوترات في بحر الصين الجنوبي وفي تايوان. من هنا، فإن الصين قد ترد عبر تعميق تحالفاتها الدفاعية والاقتصادية مع دول مثل روسيا وإيران، وتفعيل مبادرات موازية مثل «الحزام والطريق»، من أجل تعزيز توازن الردع في آسيا. هذا يقودنا إلى ما نشره موقع «سي إن بي سي»، حول توجه إدارة ترامب نحو إعادة النظر في مفاهيم التحالفات الدولية. ترامب شكّك علنًا في فعالية «الناتو»، وطلب من أعضائه رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي، كما لمّح مرارًا إلى خفض التواجد العسكري الأمريكي في أوروبا، وقد انعكس ذلك على الداخل الأوروبي، حيث بدأت دول مثل ألمانيا وفرنسا بإعادة تقييم العلاقة مع الولاياتالمتحدة، وظهر توجه لتعزيز البنية الدفاعية الأوروبية بعيدًا عن المظلّة الأطلسية التقليدية. توتر سياسي متزايد بين ضفتي الأطلس ووفقا لما ذكره موقع «دوتش ويل» الألماني في يونيو الماضي، عقدت قمة الناتو بلاهاي، حيث وافق الحلفاء على زيادة الإنفاق الدفاعي بشكل غير مسبوق. ورغم وصف ترامب هذا الالتزام ب«الانتصار العظيم»، أبدت دول مثل إسبانيا اعتراضًا، مُؤكدة أن الأوضاع الاقتصادية لا تسمح بتعهدات كهذه. تصريح رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز بأن «السياسة التجارية تُدار من بروكسل وليس من مدريد" يعكس تحفظًا أوروبيًا متزايدًا على الاندفاع الأمريكي. في المقابل، هدّد ترامب بإجراءات عقابية على مدريد إذا لم تلتزم بالرفع، ما يعكس توترًا سياسيًا متزايدًا بين ضفتي الأطلسي. وأشارت صحف أوروبية إلى أن قمة الناتو خضعت بالكامل لنفسية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في محاولة لتفادي انفعالاته أو انسحابه منها، ما اعتبره بعض القادة إذلالًا سياسياً. بالتزامن مع ذلك، حمل تقرير السلام الألماني لعام 2025، الذي أعدّته معاهد بحثية مرموقة، حمل لهجة متشائمة غير مسبوقة. جاء فيه أن الشراكة التقليدية مع الولاياتالمتحدة بلغت نهايتها، وأن مستقبل الناتو بات محل شك حتى بين الدول الأوروبية نفسها. وذهب التقرير إلى التحذير من «عدوى سلطوية» تنتقل من الولاياتالمتحدة إلى أوروبا، في ظل سياسات داخلية تُقوّض استقلال القضاء وحرية الجامعات ومبادئ القانون الدولي. واقترح التقرير، ضرورة أن تتهيّأ أوروبا للعمل دون الناتو، عبر بناء قدرات دفاعية مشتركة داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما ما يزال بعيدًا سياسيًا وتنظيميًا. اقرأ أيضًا| خطة ترامب لإيصال السلاح لكييف على حساب «الناتو».. تفاصيل السياسة الأمريكية بين التناقض والاستقطاب تشير بعض التسريبات إلى أن واشنطن تحت إدارة ترامب، بدأت تتبنى مقاربة مغايرة تجاه أوكرانيا، حيث أُلقي باللوم على كييف، في مقابل مطالبات بتقليص الدعم العسكري المفتوح الذي قد يُفضي إلى تفاقم الأزمة. أما في الشرق الأوسط، فإن العلاقة الأمريكية الأوروبية تُواجه كذلك تصدعًا، خصوصًا في ملف البحر الأحمر ومواجهة الحوثيين، حيث تتخذ واشنطن موقفًا هجوميًا مقارنة بالموقف الدفاعي الأوروبي. وفي ظل انتقادات دولية مُتزايدة، دعا باحثو السلام إلى وقف توريد الأسلحة إلى إسرائيل، خاصة مع تجاوزها حدود الدفاع المشروع، بحسب التقرير. كما طالبوا ألمانيا بالاعتراف، على المدى المتوسط، بالدولة الفلسطينية، مُؤكدين أن الحل الدائم لا يتنافى مع أمن إسرائيل. كل هذه التحولات تشير إلى أن العالم يشهد مراجعة شاملة لمفاهيم الأمن والدفاع، ف"الناتو الآسيوي" ليس مجرد مشروع عسكري، بل انعكاس لتغيّر المواقف الأمريكية من التحالفات، واستجابة للفراغات التي تخلفها سياسات متقلبة. وبين طموح الردع الجماعي وهاجس الانفراد بالمصالح، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف ميثاق الشراكة الدولية، سواء عبر الأطلسي أو عبر المحيط الهادئ. وفي النهاية، فإن نجاح فكرة «الناتو الآسيوي» لن يتحدد فقط في مقرات وزارة الدفاع الأمريكية، بل في قدرة واشنطن على بناء تحالفات قائمة على إرادة سياسية مشتركة، ورؤية استراتيجية طويلة المدى، تحترم مصالح الدول المشاركة وتُراعي التوازنات الإقليمية المعقدة. اقرأ أيضًا| كيف تمد الصين نفوذها في مياه آسيا دون طلقة واحدة؟