مقارنة الإنسان نفسه بالغير لا تجلب سوى الشعور بالتعاسة، لأن كل إنسان على وجه الأرض لديه شىء لا تملكه ويعرف شيئًا لا تعرفه كانت واحدة من أسعد الصدف فى حياتى أننى وجدت نسخة فنلندية منى، صديقة مولودة فى نفس اليوم والشهر والسنة واسمها يبدأ بحرف الميم مثلى ومعناه باللغة الفنلندية «محاسن» أى جمع حسن وهو كل شىء مبهج مرغوب فيه! تعرفت عليها منذ ست سنوات أثناء إحدى الدورات الدراسية وأصبحنا صديقتين على الفور، وهى دائما متفائلة ومبتسمة، ومثل الملايين فى أنحاء العالم اعتقدت أن السبب وراء تصنيف فنلندا المستمر كأسعد بلد فى العالم أن فنلندا بلد غنية ومتقدمة والحياة فيها مريحة لهذا، فالناس سعداء. ومنذ عامين تقريبًا فكرت جديًا فى قرار تعلم اللغة الفنلندية من أجل الهجرة يومًا ما إلى فنلندا حينما يعود أصدقائى إليها عملًا بنصيحة «من جاور السعيد يسعد». وتحدثت مع صديقتى وأصدقائها الذين رحبوا بى بشدة، واتفقنا أن أعلمهم اللغة العربية مقابل أن يعلمونى اللغة الفنلندية وبدأنا بالفعل فى تعليم بعضنا البعض التحيات والسلامات والكلمات البسيطة! وبينما نتبادل الأحاديث اكتشفت أن صديقتى الفنلندية وكل معارفها ينتمون أيضًا لنفس الطبقة الاجتماعية التى أنتمى إليها «طبقة الناس الشقيانة» أولئك الناس الذين يعملون ويدرسون ثم يعملون ويدرسون، حياتهم رحلة مستمرة من محاولات تحسين ظروفهم، ولكنهم فى النهاية طبقة المكافحين الذين يرون فى العلم فرصة لتحسين واقعهم وأنفسهم، والغريب أننى لم أسمع شخصًا فنلنديًا واحدًا يشكو من أى شىء ودائمًا ما يكون الحديث من منطلق طرح المشكلة والبحث عن أفضل الحلول المتاحة، هذا طبعًا على العكس منى، حيث إننى قد أشكو من نفس الشىء عدة مرات وأحيانًا أشكو من أشياء حدثت فى الماضى!! المهم أننى بعد فترة بدأت أشكو من صعوبة اللغة الفنلندية التى اتضح لى أنها واحدة من أصعب لغات العالم والنحو فيها معقد للغاية مثل اللغة العربية، حيث توجد الضمائر فى نهايات الأسماء وهناك نوع من التعقيد اللغوى، ولم يندب أصدقائى صعوبة اللغة العربية ولكنهم أكدوا أنها لغة جميلة وثرية ولكن تحتاج وقتًا طويلًا لدراستها! مصر جنة مشمسة بينما كنا نتبادل الحديث عن الماضى والذكريات اكتشفت للمرة الأولى كم كنت محظوظة فى طفولتى، حيث عشت فى الشمس بينما عاش أصدقائى فى الثلوج.. من يعيش فى الثلج والظلام يرى نعمة الشمس بشكل مختلف تمامًا عن الذى اعتاد على العيش فى ضوئها، لأن الأخير لن يفهم ما معنى الاكتئاب الذى يصيب الإنسان نتيجة غياب الشمس، الأمر أشبه بمن تعمل كليته بشكل جيد ويشعر بالنعمة، ولكن شعور الإنسان بالنعمة التى يفتقدها شىء آخر، حيث يدرك الإنسان قيمة الشىء المفقود بشكل مضاعف، وبالرغم من ذلك لا يندب الفنلنديون حظهم على اكتئاب الشتاء والكثيرون منهم مصابون به! المفتاح السحرى للسعادة وذات مرة طلبت من خمسة أصدقاء فنلنديين نصيحتهم لأى شخص ليكون سعيدًا طوال الوقت مهما حدث، وقد جاءت مجموعة من النصائح البسيطة القادرة على منح الحياة بعدًا آخر من الراحة وقد اتفقوا جميعا أن مفتاح السعادة وسر رضا الفنلنديين عن حياتهم هو أنهم «يثمنون ويقدرون النعم التى يمتلكونها»، ولاستخدام هذا المفتاح السحرى هناك مجموعة من الأفكار الجانبية التى اقترحوها. قاعدة الثلاثة أشياء حينما تشعر بالاكتئاب وتحس أن حياتك مظلمة فكر فى ثلاثة نعم موجودة فيها، حينما تبدأ فى العد ستجد أن النعم كثيرة وسيلمع عقلك لأن كل إنسان على هذه الأرض فى فيض من النعم، وجود الأبناء، الأصدقاء، نعمة البصر، نعمة السمع، نعمة المحبة إلى آخره.. ما يحدث حرفيًا فى العقل هو أن شعور القلق والتوتر والمشاعر السلبية سيحل محلها شعور الامتنان وهو إحساس بالراحة والرضا، لا يمكن للإنسان أن يكون ممتنًا وراضيًا وفى ذات الوقت مكتئبا، لأن المخ يمشى فى مسار واحد! البعد عن سخافة المقارنات يطبق الفنلنديون فى حياتهم المثل الأمريكى الشهير «أسخف شىء فى الدنيا هو المقارنات» فمقارنة الإنسان نفسه بالغير لا تجلب سوى الشعور بالتعاسة، لأن كل إنسان على وجه الأرض لديه شىء لا تملكه ويعرف شيئًا لا تعرفه وبالتالى انظر إلى حياتك، اعرف تفاصيل النعم التى فيها، انظر إليها وعدها ولا تنس أن تشكر الله عليها. لا ترهق نفسك بإسعاد الآخرين لأنك ستخسرهم سيقول لك أى شخص فنلندى الحقيقة بشكل واضح، ليس هناك داع للمجاملات الفارغة ولا الكلمات المعسولة، ولن يضغط أحدهم نفسه ليرضيك ولن يطلب منك أن ترهق نفسك لأجل خاطره وهكذا تزيد معدلات الثقة بين الفنلنديين وتقل خيبة الأمل، لأن أحدًا لن يعطيك وعودًا خادعة تسبب لك لا حقًا ضررًا عاطفيًا. انظر للمواقف من كل الوجوه أحيانًا مثلًا نشعر بالحزن بسبب موقف أو معتقد معين، ولكن ماذا لو عكسنا القصة؟ ماذا لو فكرنا فى الآخر ووضعنا نفسنا بدلًا منه؟ ماذا لو عكسنا القصة رأينا نفس الموقف بشكل مختلف؟ تبدو هذه بديهيات يعرفها كل سكان العالم تقريبا وتمتلئ بها الثقافات، ولكن فقط السعداء هم من يطبقونها. السيطرة على المخ تفكير الإنسان هو الذى يحرك التفاعلات الكيميائية فى مخه، فمثلًا إذا فكر الإنسان فى موقف حزين أو مخيف ما يحدث هو أن المخ يستجيب بإفراز هرمونات الحزن أو الخوف، ومخنا لا يميز بين الواقع وما نفكر فيه، فموقف الخوف هو موقف خوف بالنسبة للمخ، ولكن العقل هو الذى يحدد هل هذا الخوف منطقى أم لا؟ وما درجة الخطورة فيه؟ وبالتالى تستحق أفكارنا مراجعة دائمة. سى سو Sisu هو مفهوم مميز فى الثقافة الفنلندية وأقرب كلمة مصرية له فى رأيى كما فهمت هى «المعافرة» أو «المثابرة» فنتيجة قسوة الطقس وتحديدًا فى الشتاء- ولنا أن نتخيل أن الشمس فى أيام الصيف فى فنلندا تظهر على شكل نور وتختفى فى الثانية ظهرا مثلًا- كان عليهم أن يجدوا القوة والطريقة للتعامل مع الظروف الجوية القاسية المهددة للحياة. بعد تلك المناقشة العميقة اكتشفت أننا فى مصر عشنا طفولة حقيقية ولعبنا فى الشوارع واستمتعنا بالبحر وليالى الصيف وليالى الشتاء، فشتاؤنا القارس هو حلم صيف بديع ومثالى لأى فنلندى! قلت لهم ضاحكة: كل هذه الأفكار موجودة فى الثقافة المصرية، ولكن لسبب ما نتجاهلها ونختار الأجواء الحزينة فحتى فى الأغانى السعيدة كثيرًا ما نبدأها ب»يا ليل يا عين» لنعبر عن السهر والدموع وأحيانًا نضيف ال «آه» الشهيرة من أجل إضفاء نكهة الوجع! من أقدم ذكريات طفولتى ذات مرة حينما كنت أبكى وأشكى لجدتى فطلبت منى أن أفكر فيما فى يدى وألا أصبح مثل «الندابة» وهى سيدة كانوا يستأجرونها فى الجنازات لتبكى وتولول على رحيل المتوفى الذى لن يفعل صراخها وبكاؤها عليه أى شىء، ولكنها كانت وظيفة على أية حال وانقرضت يا للأسف على حظى! وأضفت: كانت جدتى بشرتها شديدة البياض وحكيمة، من يدرى ربما كانت مهاجرة فنلندية! بكل جدية قالت صديقتى: ممكن جدًا لأن الفنلنديين قديمًا كانوا فى منتهى الفقر ومعدمين وكانوا يهاجرون إلى أى مكان يمكن أن يكون فيه طعام أو شمس.. قلت لها: آه طبعا كل شىء فى الكون جائز، ولكن بصراحة المسافة من فنلندا إلى إيتاى البارود بعيدة حبتين!.