لطالما ارتبط فصل الربيع في أذهاننا بالاعتدال الجوي، وتفُّتح الأزهار، وتحُّسن المزاج، حتى أصبحت كلمات أغنية «الدنيا ربيع والجو بديع» رمزًا لهذا الفصل الجميل، والوقت الذى ينتظره الجميع طوال العام للتنزه والتمتع بجمال الطبيعة.. لكن فى السنوات الأخيرة، تغير المشهد تمامًا، وأصبح الربيع «مزيفا». فبدلًا من الجو المعتدل، نجد تقلبات حادة فى درجات الحرارة، ورياحًا محملة بالغبار، وموجات حر مفاجئة، وكأن الفصول لم تعد تلتزم بمواسمها! ◄ عواصف وأمطار وأتربة.. تغيرات العام كلها تجتمع في الربيع ◄ الفيروسات النفسية تنتعش بين دفء النهار وبرودة الليل ◄ التغذية المتوازنة والإجراءات الاحترازية سر الوقاية والأمر لم يعد يتوقف عند الشعور بعدم الراحة، فهذه التقلبات المناخية لها آثار صحية خطيرة، خاصة على مرضى الحساسية والربو، ما يسبب لهم نوبات شديدة تستدعى الحذر. كذلك، قد تؤثر هذه التغيرات المفاجئة على أصحاب الأمراض المزمنة، الذين يجدون صعوبة فى التأقلم مع الفروقات الكبيرة فى درجات الحرارة. تستعرض «آخرساعة» كيفية تأثير التغيرات المناخية على مفهوم الربيع، ولماذا أصبحنا نشعر وكأننا ننتقل مباشرة من الشتاء إلى الصيف دون المرور بفصل انتظرناه طويلًا، مع تقديم نصائح مهمة للوقاية من أضراره الصحية. ◄ تقلبات حادة وسريعة توضح الدكتورة إيمان شاكر، مدير مركز الاستشعار عن بُعد بالهيئة العامة للأرصاد الجوية، أن فصل الربيع يبدأ سنويا من 20 مارس ويستمر لمدة ثلاثة أشهر، ويعرف الربيع بأنه فصل انتقالي، حيث ينقلنا من برودة وأمطار فصل الشتاء إلى حرارة ورطوبة فصل الصيف، ويتميز فصل الربيع بالاعتدال فى درجات الحرارة فى معظم الأحيان. وتشير التوقعات المناخية العالمية الحديثة إلى أن هذا العام سيشهد ارتفاعًا طفيفًا فى متوسطات درجات الحرارة عن المعدلات الطبيعية بقيم تتراوح بين (1 و2) درجة مئوية، وعادةً ما يشهد تقلبات جوية حادة وسريعة، حيث تتكون المنخفضات الخماسينية ويصاحبها رياح جنوبية غربية نشطة تؤدى إلى إثارة الرمال والأتربة، والتى قد تصل لحد العاصفة على بعض المناطق وتؤدى إلى انخفاض الرؤية الأفقية على الطرق، ويصاحب ذلك ارتفاع ملحوظ فى درجات الحرارة قد يعقبه انخفاض حرارى وانخفاض ملحوظ فى درجات الحرارة، قد يصاحبه سقوط أمطار متفاوتة الشدة على مناطق من شمال البلاد. كما ينشط أحيانًا منخفض البحر الأحمر (السودان الموسمي) ويؤثر على جنوب البلاد وسلاسل جبال البحر الأحمر وسيناء، ويؤدى ذلك إلى سقوط الأمطار التى قد تصل إلى حد السيول على المناطق الجبلية. لذا، فمن الضرورى أن يكون هناك وعى أكبر بهذه التقلبات الجوية وتأثيرها الصحي، مع اتباع الإجراءات الوقائية، مثل تجنب التعرض المباشر للرياح المحملة بالغبار، وارتداء الكمامات عند الخروج، واتباع تعليمات الجهات المختصة لضمان السلامة خلال هذا الفصل المتقلب. ◄ الحذر مطلوب في هذا السياق، يوضح الدكتور أمجد الحداد، رئيس قسم الحساسية والمناعة بالمصل واللقاح، أن فصل الربيع يتميز بتغيرات جوية سريعة وحادة، حيث يمكننا أن نمر بالفصول الأربعة فى يوم واحد، إذ نشهد حرارة نهارًا وبرودة ليلًا، مع انتشار الأتربة والغبار على مدار اليوم، هذه التقلبات تؤدى إلى نشاط موسم حساسية الأنف والصدر والجلد والعين، مما يستدعى توخى الحذر، خصوصًا لدى مرضى الحساسية، كما أن الارتفاع والانخفاض المفاجئ فى درجات الحرارة على مدار اليوم يساهم فى انتشار العدوى التنفسية مثل نزلات البرد والإنفلونزا. ◄ الطقس الجوزائي ويشير الحداد إلى أن هذا الطقس يُعرف بالطقس «الجوزائي»، أى المتقلب، حيث يلاحظ أن مريض الحساسية يعانى طوال الشهر من أعراض مزعجة تشمل الزكام، والرشح، وحكة أنفية، وحساسية الصدر، وأزمات ربوية، وسعال شديد، وجفاف الجلد، وحكة جلدية، إضافة إلى حساسية العين التى تسبب الدموع والاحمرار. لذا، من الضرورى متابعة التنبؤات الجوية، وإذا كان اليوم يتسم بوجود غبار وأتربة، يُفضل تجنب الخروج من المنزل، أما فى حالة الضرورة القصوى للخروج، فيجب اتخاذ الإجراءات الاحترازية، وأهمها ارتداء الكمامة، حيث تشكل حاجزًا واقيًا ضد المسببات الهوائية مثل الأتربة وحبوب اللقاح. وبالنسبة لمريض حساسية العين، يُنصح بارتداء النظارات الواقية لحمايتها من الشمس والتراب، أما مريض حساسية الأنف، فعليه الالتزام باستخدام بخاخات الأنف، ومحلول الملح، والبخاخات التى تحتوى على نسبة بسيطة من الكورتيزون، بالإضافة إلى تناول مضادات الهيستامين كإجراء وقائي، وعن مريض حساسية الصدر، فمن الضرورى الالتزام ببخاخات حساسية الصدر الوقائية، وفى حال التعرض لأزمة ربوية حادة، يجب التوجه فورًا إلى المستشفى لإجراء جلسات أكسجين حتى تنتهى الأزمة. ◄ اقرأ أيضًا | موعد انتهاء «الشتاء».. وبداية فصل الربيع ◄ توصيات مهمة وبشكل عام، يُوصى خلال هذه الفترة بالإكثار من شرب السوائل، وارتداء الملابس القطنية المتوسطة حتى نهاية شهر أبريل، مع تجنب ارتداء الملابس الصيفية قبل هذا التوقيت، وأيضا الحفاظ على نظام غذائى صحى ومتوازن والإكثار من تناول الأطعمة الغنية بفيتامين سي، مثل البرتقال والجوافة والليمون، والابتعاد عن المواد الحافظة، والأطعمة الدسمة، والسكريات، ويجب العلم بأن ممارسة الرياضة تلعب دورًا مهمًا فى تحسين وظائف الجهاز المناعى وتنشيط الدورة الدموية، إضافة إلى ذلك، من الضرورى الابتعاد عن التدخين، والتقليل من التوتر والانفعال، لما لهما من تأثير سلبى على صحة الجهاز التنفسى والمناعة. ◄ البشرة تتضرر ومن جانبه، يشير الدكتور شريف مهدي، أستاذ مساعد الأمراض الجلدية والتناسلية بالمركز القومى للبحوث، إلى أنه مع قدوم فصل الربيع، تتعرض البشرة للعديد من المشكلات التى تختلف تبعًا لنوعها، لذلك من الضرورى اتباع بعض العادات للحفاظ على صحة الجلد خلال هذه المرحلة، ومن أهم العوامل التى تضمن نضارة البشرة هو شرب الماء بكميات كافية، فترطيب الجسم من الداخل يلعب دورًا رئيسيًا فى الحفاظ على مرونة البشرة وحمايتها من الجفاف والتقشر، ليس فقط خلال تغير الفصول، بل على مدار العام. ويجب الاهتمام بترطيب البشرة يوميًا، حيث يفضل استخدام كريم مرطب مناسب لنوع البشرة فى الصباح قبل التعرض للشمس، ثم تكراره فى المساء قبل النوم لمنح البشرة فرصة للاسترخاء والتجدد أثناء الليل، فضلا عن غسل الوجه بالماء البارد واستخدام الغسول المناسب لنوع البشرة يساعدان على تنظيف الجلد من الشوائب دون التسبب فى جفافه أو تهيجه. ومع ارتفاع درجات الحرارة فى الربيع والصيف، يصبح استخدام واقى الشمس أمرًا ضروريًا لحماية البشرة من الأشعة فوق البنفسجية الضارة، والتى قد تتسبب فى ظهور التصبغات والتجاعيد المبكرة. وبالنسبة لأصحاب البشرة الدهنية، فقد يواجهون مشكلة عدم ثبات المكياج وكريم الأساس، لذا من الأفضل تجنب وضع المكياج نهارًا والاعتماد على واقٍ جيد من الشمس. كذلك، فإن الإفراط فى غسل البشرة الدهنية أكثر من مرتين يوميًا يؤدى إلى فقدانها رطوبتها الطبيعية، ما يدفعها لإفراز المزيد من الزيوت لتعويض الفاقد، ما يؤدى إلى زيادة لمعان البشرة وظهور الحبوب. ولا يقتصر تأثير الحرارة المرتفعة على البشرة فقط، بل يمتد ليشمل فروة الرأس أيضًا، حيث يؤدى تراكم الزيوت وزيادة نسبة التعرق إلى ظهور مشكلات مثل قشرة الشعر والتهابات فروة الرأس، إلى جانب انبعاث رائحة كريهة للشعر. لذلك، من الضرورى غسل الشعر بانتظام باستخدام شامبو خفيف، وتجنب استخدام المنتجات الكيميائية أو الحرارة الزائدة للحفاظ على صحة فروة الرأس. أما البشرة الحساسة، التى تتميز بسرعة تهيجها واحمرارها عند التعرض للشمس، فتحتاج إلى عناية خاصة لتجنب تفاقم مشاكلها. لذلك، يُفضل استخدام واقٍ من الشمس مناسب لهذا النوع من البشرة، والتقليل من استخدام مستحضرات التجميل التى تحتوى على مواد كيميائية قد تتسبب فى تهيج الجلد، كما ينصح بالابتعاد عن استخدام الصابون العادي، واستبداله بغسول لطيف يتناسب مع طبيعة البشرة الحساسة. وفي الحالات التى تكون فيها البشرة ملتهبة بشدة، يمكن اللجوء إلى الكريمات الطبية التى تحتوى على مادة الكورتيزون، إلى جانب استخدام مضادات الهيستامين لتخفيف التهابات الجلد والحكة. الأطفال الأكثر عرضة من جانبها، تتحدث الدكتورة غادة شوشة، أستاذ مساعد طب الأطفال واستشارى أمراض الحساسية والمناعة والروماتيزم للأطفال، كلية الطب جامعة عين شمس، عن أن الأطفال من الفئات الأكثر عرضة لمشاكل فصل الربيع، نظرًا لتقلبات الطقس وانتشار الأتربة واللقاحات فى الهواء، لذا ينبغى الالتزام بالعلاج الوقائى اليومي، خصوصًا بخاخات الأنف والصدر التى يحددها الطبيب المعالج حسب كل حالة، والحرص على التهوية الجيدة للمنازل، مع تجنب تعرض الأطفال للأتربة أو الروائح النفاذة كالدخان، العطور، البخور، والمعطرات القوية، لما لها من دور فى تهييج الجهاز التنفسي. الحفاظ على ترطيب الجسم يعد من العوامل المهمة، خاصة فى الأيام الحارة. ويُوصى بأن يشرب الأطفال من سن 6 إلى 12 عامًا ما لا يقل عن لترين من الماء يوميًا، بينما يحتاج الأطفال الأكبر سنًا إلى 3 إلى 4 لترات يوميًا، بحسب أوزانهم وحاجتهم الصحية. كذلك، يجب إدخال الفواكه والخضراوات الغنية بفيتامين (ج) إلى النظام الغذائي، ومن الضرورى أيضًا تشجيع الأطفال على ممارسة النشاط البدني، إذ تسهم الحركة فى تحسين وظائف الجهاز التنفسى والوقاية من الانتكاسات، كما يُفضل تجنب الأماكن المزدحمة قدر الإمكان، وفيما يخص الملابس، فينبغى اختيارها بما يتناسب مع حالة الطقس، دون مبالغة فى التدفئة خلال الأيام الحارة، أو ارتداء ملابس خفيفة فى الأجواء الباردة أو الممطرة. وفى حال ظهور أى أعراض عدوى أو تزايد فى نشاط الحساسية، يجب مراجعة الطبيب على الفور لبدء العلاج المناسب.