يُعد الملك سنوسرت الثاني أحد أبرز حكام الأسرة الثانية عشرة في الدولة الوسطى، إذ ترك بصمات واضحة في التاريخ المصري القديم من خلال إنجازاته العظيمة في مجالات الزراعة، والري، والتشييد المعماري. وحكم مصر في القرن التاسع عشر قبل الميلاد، وتميز عهده بالاستقرار والازدهار الاقتصادي، فضلاً عن مشروعاته الهندسية التي أثرت في تطور البنية التحتية للدولة، ومن بين الكنوز الأثرية التي ارتبطت بعهده، طاولة عرض الكالسيت المكتشفة في مجمع هرم اللاهون، وهي قطعة أثرية فريدة تعكس براعة المصريين القدماء في النحت والتصميم. في هذا التقرير، نستعرض قصة حياة الملك سنوسرت الثاني، إنجازاته، تفاصيل هرم اللاهون، وحكاية الطاولة الملكية التي أدهشت الباحثين في علم الآثار. أولًا: من هو الملك سنوسرت الثاني؟ النسب والحكم ينتمي سنوسرت الثاني إلى الأسرة الثانية عشرة، وهي واحدة من أعظم الأسر في تاريخ مصر القديمة، التي ساهمت في تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي للبلاد، حكم مصر في الفترة ما بين 1897 و1878 ق.م، وكان ابن الملك أمنمحات الثاني، الذي ترك له دولة قوية ومنظمة. شهدت فترة حكمه نهضة زراعية كبيرة، حيث ركّز على تطوير نظام الري في منطقة الفيوم، مما ساعد في زيادة الإنتاج الزراعي ودعم استقرار الدولة، كما عُرف بكونه ملكًا سلميًا، إذ لم تُسجل حملات عسكرية كبرى خلال عهده، على عكس العديد من ملوك مصر الذين اعتمدوا على الفتوحات لتعزيز سلطتهم. اقرأ أيضا | سنوسرت الثالث.. أول من أمر بحفر قناة تربط النيل بالبحر الأحمر ثانيًا: إنجازات الملك سنوسرت الثاني 1- تطوير نظام الري في الفيوم كان الفيوم مركزًا رئيسيًا للزراعة في مصر القديمة، إلا أن الاستفادة من مياهه كانت محدودة بسبب مشاكل في تصريف المياه. أدرك سنوسرت الثاني أهمية تحسين نظم الري، فقام بحفر قنوات جديدة وتشييد سدود، مما ساعد في توسيع الأراضي الزراعية وزيادة الإنتاج الزراعي. يُعتبر هذا المشروع من أعظم إنجازاته، إذ استمر تأثيره لعدة قرون بعد وفاته. 2- بناء مدينة جديدة في اللاهون أسس الملك سنوسرت الثاني مدينة اللاهون، التي كانت مخصصة للعاملين في مجمع هرمه. تميزت هذه المدينة بتخطيطها العمراني المتطور، حيث احتوت على منازل للعمال والمسؤولين، ما يدل على اهتمامه برفاهية العاملين في المشروعات الملكية. 3- تعزيز العلاقات التجارية عُرف سنوسرت الثاني بسياسته الدبلوماسية الحكيمة، حيث عزز العلاقات التجارية مع مناطق النوبة وبلاد بونت. كان اهتمامه بالتجارة الخارجية واضحًا من خلال البعثات التجارية التي أرسلها لجلب الأخشاب، والمعادن، والأحجار الكريمة، مما دعم الاقتصاد المصري خلال فترته. ثالثًا: مجمع هرم اللاهون يعد هرم اللاهون من أهم المعالم المعمارية التي تركها الملك سنوسرت الثاني. يقع هذا الهرم بالقرب من الفيوم، ويختلف عن أهرامات الجيزة في طريقة بنائه، حيث تم تشييده باستخدام الطوب الطيني المغطى بالحجر الجيري. اقرأ أيضا | حجرة دفن الملك سنوسرت الثاني بهرم اللاهون 1- تصميم الهرم تم تصميم هرم اللاهون ليكون مقبرة ملكية متكاملة، حيث ضم مجمعًا يحتوي على معابد جنائزية ومخازن ومساكن للكهنة. وعلى عكس الأهرامات التقليدية، تم بناء المدخل الرئيسي للهرم من الجانب الجنوبي بدلاً من الجانب الشمالي، في تغيير غير مألوف في العمارة الجنائزية المصرية. 2- الاكتشافات الأثرية حول الهرم في عام 1889، قام عالم الآثار البريطاني فليندرز بيتري بالكشف عن هرم اللاهون ومحيطه، حيث اكتشف العديد من القطع الأثرية الثمينة، بما في ذلك المجوهرات الملكية وأدوات الطقوس الجنائزية. كما تم العثور على مجموعة من المقابر الملكية التي تعود إلى أفراد عائلة سنوسرت الثاني، مما أضاف المزيد من المعلومات حول هذه الفترة التاريخية. رابعًا: حكاية طاولة عرض الكالسيت 1- المواصفات الفنية للطاولة اقرأ أيضا | قبل نقله للمتحف الكبير.. حكاية «سنوسرت الأول» أقوى ملوك الأسرة الثانية عشر من بين القطع الأثرية المدهشة التي وُجدت في مجمع هرم اللاهون، طاولة عرض نادرة مصنوعة من حجر الكالسيت، وهي مادة كلسية شفافة كان المصريون القدماء يفضلونها لنحت الأواني والقطع الفاخرة. الارتفاع: 24 سم العرض: 79 سم الطول/العمق: 60 سم تعتبر هذه الطاولة مثالًا على الحرفية المتميزة في نحت الأحجار، حيث يظهر عليها سطح أملس مصقول يعكس مهارة النحاتين المصريين. 2- استخدامات الطاولة يُعتقد أن هذه الطاولة كانت تُستخدم في العروض الطقسية أو كجزء من الأثاث الملكي داخل مجمع الهرم. وربما كانت مخصصة لوضع القرابين، حيث كانت المراسم الجنائزية تتضمن تقديم العطور، والزيوت، والطعام للملك المتوفى لضمان حياته الأبدية في العالم الآخر. اقرأ أيضا | وزير الآثار يكشف النقاب عن مقبرة سنوسرت الثاني بهرم اللاهون 3- القيمة التاريخية للطاولة تمثل هذه الطاولة تحفة فريدة تعكس تقدم المصريين القدماء في استخدام الأحجار الصلبة وصقلها بطريقة متقنة. كما تبرز دور الطقوس الدينية في حياة الفراعنة، حيث كان لكل قطعة أثرية وظيفة مقدسة ضمن الطقوس الجنائزية. خامسًا: أهمية سنوسرت الثاني في تاريخ مصر يعتبر الملك سنوسرت الثاني شخصية بارزة في الدولة الوسطى، حيث ساهم في ازدهار البلاد من خلال أعماله الهندسية، وتطويره للزراعة، وإرسائه لاستقرار سياسي طويل الأمد. كما أن هرم اللاهون وما حُفظ بداخله من كنوز، بما في ذلك طاولة الكالسيت، يشكلان شهادة على عظمة هذا الملك وتأثيره في الحضارة المصرية. اقرأ أيضا | حكايات| «قصر التيه».. خزائن «يوسف» لإطعام أهل الأرض