لا يذكر تاريخ الغناء العربي إلا هؤلاء الذين جاءوا بما لم يأت به الآخرون، يذكر تاريخ الغناء العربي هؤلاء الذين يملكون مشروعا حقيقيا، حفروه لأنفسهم بجد وبتضحيات لا يمكن أن تكون بسيطة.. زياد الرحباني أحد هؤلاء، ويمكن أن تقول أنه في طليعتهم، زياد صناعة موسيقية ثقيلة، تربي في بيت من بيوت الإبداع، وسط كوكبة من المؤثرين الذين طالما كان لهم بصمة حقيقية، «بيت الراحبنة»، منصور وعاصي،وفي الواجهة الكبيرة فيروز، حالة مربكة لأي حالم يسعى لكسر هذا الحيز بحثا عن شكل مغاير، حالة من المستحيل أن تتمرد عليها ويكون لك مكانا وسطهم بسهولة، صحيح وجودك في هكذا مناخ ربما يعطيك ميزة ربما لا تتوفر لغيرك، محاطا بالألحان والأفكار والتحديات، لكنك أيضا سوف تجد نفسك في اختبار صعب إذا أردت أن يكون لك اسما منفردا وشكلا مغايرا. تأثر زياد ب»الرحابنة»، وبسيد درويش وبغيرهم، لكنه لا يشبه أحد، منذ بدايته، لم يشاء أن يكون إمتدادا أو ظلا،أراد أن يكون نفسه، أراد أن يعبر بحورهم إلى شواطئ أخرى، يرتاح فيها ويجد نفسه. طفل صغير في الخامسة عشر أو أكبر قليلا، ربما كان يشغل أقرانه أشياء أخرى، ربما كان من هم في عمره ينغمسون في أشياء أخرى، لكن زياد كان مهموما بالموسيقى والشعر، كان يفكر في أشياء أخرى، يبحث عن الله، يبحث عن الذات، يبحث عن الأفكار والمعان، كان منغمسا في السياسة ويحلم، كان مهموما بالموسيقى ويحلم، كان مهوسا بالناس ويحلم، في مثل هذه العمر لا يجب أن تكون كذلك عادة، لكنك لست زياد. «سألوني الناس عنك يا حبيبي»، الأيقونة الغنائية التي غنتها الكبيرة فيروز ونحفظها ونرددها حتى يومنا هذا وحتى آخر العمر، لحنها زياد الرحباني في هذا العمر، وغنتها فيروز من ألحان طفل في هذا العمر،وهي فيروز، صحيح هي الأم، لكنها لن تغامر، صحيح هي السند، لكنها لن تخاطر ولن تقدم على هكذا فعل إذ لم يكن اللحن يستحق، تاريخ فيروز وعلاقتها بمن غنت لهم يؤكد إنها لا تجامل، لحن الطفل الصغير وقتها وتفرده كان يستحق، يقول زياد عن هذه التجربة أنه لحن كلمات أخرى غير التي سمعناها وسمعها لعمه منصور الذي أعجب باللحن ورفض الكلمات،وأصر على أن يعطي الطفل الصغير كلمات أخرى تبقى. كلمات كانت تمس فيروز عن عاصي الزوج والأب الذي كان مريضا، وهو لم يفارق فيروز يوما إلا بسبب المرض، فكتب منصور، «يعز عليّ أغني يا حبيبي ولأول مرة ما بنكون سوا»، اللحن الذي أعلن عن ولادة موسيقي جديد لامع ومختلف في بيت «الرحابنة»، وكأن القدر أراد ألا تخرج شمس الإبداع من هذا البيت. نجحت سألوني الناس ونجح زياد، لكنه كان يبحث عن شيءآخر، كان يبحث عن زياد المتفرد، لا زياد المقرون بهذا البيت، فشق طريقه بعيدا وليس منفصلا عن «الرحابنة»،وأظن إن الانفصال مستحيل وغير وارد أصلا، ذهب ليقدم موسيقاه في مسرحيات كثيرة مع وبعيدا عن «الرحابنة»، ذهب ليحفر اسمه،ملحنا وموسيقيا ومؤلفا وممثلا أيضا، ذهب للسياسة وللفكاهة وللنقد، ذهب للمعارضة والرفض، ذهب للإنسان الذي أراد أن يذهب له غير عابئ بأي شيء، كان يشيد بيوتا تصر الناظرين ثم يفجرها ليبني أخرى، في كل مرة، وفي كل خطوة، كان يؤكد أنه لا يشبه أحد، لا يمشي على خطوط رسمها غيره، عاش حياته كما أراد، كما يحب، عاطفيا وسياسيا وإنسانيا وموسيقيا، لا يشبه أحد، كان ومازال يشبه فقط زياد الرحباني.. ولا أحد غيره. اقرأ أيضا: زياد الرحباني يعتذر عن عدم حضور تكريمه بمهرجان الموسيقى العربية بسبب أحداث لبنان