في قلب القاهرة القديمة، تتجسد في كل زقاق وشارع حكايات تعود لقرون مضت، تُعيد إحياء ذاكرة مصر العريقة، من بين هذه الأماكن، يبرز "حمام الملاطيلي" أو "حمام مرجوش" كأحد المعالم التراثية التي حافظت على وجودها رغم تغير الزمن. يعتبر حمام الملاطيلي أو "حمام مرجوش" تحفة تراثية، تنقل لنا عبق الماضي وروح الحياة الشعبية في مصر القديمة، وهو جزءاً حياً من التراث المعماري والثقافي، حيث يشهد على تاريخ طويل من الاهتمام بالراحة والنظافة والترفيه، ورغم مرور الزمن وتغير أساليب الحياة، إلا أن هذا الحمام يظل شامخاً ليحكي لنا قصة ممتدة عبر الأجيال، تبرز فيها قيم التعاون والمودة بين الناس، وتسلط الضوء على جمال العمارة الإسلامية وعراقة الثقافة الشعبية في مصر. هذا الحمام الذي يقع في 40 شارع أمير الجيوش، الذي يمتد من ميدان باب الشعرية وصولاً إلى شارع المعز لدين الله، يعتبر تحفةً تاريخيةً تعكس جمال وعراقة الحمامات الشعبية المصرية التي كانت جزءاً لا يتجزأ من حياة الناس في تلك الحقبة. في أحد شوارع القاهرة القديمة، يتجلى حمام مرجوش، المعروف أيضاً بحمام الملاطيلي، كتحفة معمارية وشاهد حي على تاريخ طويل من العادات الشعبية التي عاشها المصريون عبر القرون. فإنه يجذب الزوار والسياح الذين يسعون لاكتشاف جوانب مختلفة من تاريخ مصر وتراثها، وتشهد على صمود تقاليد تعود لقرون مضت، وتستمر في نسج تفاصيلها بين جدران هذا المكان التراثي العريق. * موقع وتاريخ حمام الملاطيلي ومكانته بين الحمامات الشعبية يقع حمام الملاطيلي في شارع أمير الجيوش، وهو أحد الشوارع الحيوية التي تربط بين ميدان باب الشعرية وشارع المعز لدين الله. أنشأه الوالي إسماعيل باشا في عام 1870م (1194ه)، ليكون بذلك شاهداً على تاريخ طويل من الفن المعماري الذي يجسد روعة العمارة الإسلامية، إلا أن الحمام كان له وجود أقدم، حيث عرف في البداية باسم "حمام سويد"، والذي يعود بناؤه إلى عز الدين معالي من سويد، وفقاً لما ذكره المؤرخ المقريزي في خططه. * من أوقاف إبراهيم جلبى إلى تجديد السيد الملط بقي الحمام لسنوات ضمن أوقاف إبراهيم جلبى، الذي حافظ على بقاء هذا المعلم الثقافي حتى جاء السيد الملط ليجدد الحمام ويعطيه طابعاً جديداً، مما أدى إلى تغيير اسمه إلى "حمام الملاطيلي"، ورغم مرور العقود وتوالي الأجيال، لا يزال الحمام يعمل حتى يومنا هذا، ويحمل اسم "حمام مرجوش" نسبةً إلى شارع أمير الجيوش، مستمراً في تقديم خدماته للسكان والمحبين للتراث. * تصميم ومعمار الحمام يحمل حمام الملاطيلي ملامح معمارية مميزة، تعكس طراز الحمامات الشعبية التقليدية في القاهرة. يتكون الحمام من عدة غرف وأقسام، منها غرف تبديل الملابس، وغرفة الاستحمام الساخنة التي تزدان بالبخار، وغرف التبريد، وصالة كبيرة مزينة بالأقواس الحجرية والزخارف الإسلامية، التصميم الداخلي يعتمد على توزيع الحرارة والرطوبة بأسلوب يتناسب مع مختلف فصول السنة، ليحقق راحة الزائرين ويعزز من تجربة الاسترخاء التي توفرها هذه الحمامات التقليدية. * أهمية الحمامات الشعبية في حياة المصريين القدماء تعتبر الحمامات الشعبية جزءاً أساسياً من تاريخ الحياة اليومية للمصريين، حيث كانت تتجاوز كونها مكاناً للاستحمام والنظافة، لتكون ملتقى اجتماعياً يجتمع فيه الناس لتبادل الأحاديث والاسترخاء، كان لهذه الحمامات مكانة خاصة، حيث اعتبرت نوعاً من الرفاهية ووسيلة للاعتناء بالصحة الجسدية والنفسية، مما جعلها جزءاً مهماً من ثقافة المجتمع. * الحمام وارتباطه بالتراث الشعبي يظل حمام الملاطيلي جزءاً من التراث الشعبي المصري، حيث حافظ على روح المكان وأصالته عبر الزمن. ففي قلب هذا الحمام، لا تزال تتردد أصداء الأحاديث والضحكات، وتتناقل قصص الأجيال التي مرت من هنا. يحتفظ الحمام بجماله القديم وسحره المميز، مما يجعله وجهة محببة لكل من يسعى للاستمتاع بتجربة تاريخية فريدة تأخذ الزائر إلى حقب قديمة من الزمن. * استمرار الحمام وعلاقته بالحاضر على الرغم من التطورات الحديثة واختلاف الأساليب المعيشية، إلا أن حمام الملاطيلي يظل قائماً، يقدم خدماته التقليدية لمحبي التراث وعشاق الثقافة الشعبية. ويعد الحمام اليوم من الوجهات التراثية التي تروي قصصاً عن العادات والتقاليد القديمة، وتجذب السياح والزوار الباحثين عن الأصالة والعراقة. * ذكر الحمام في السينما والأدب اكتسب حمام الملاطيلي شهرة إضافية في الثقافة الشعبية بعد أن أخرجه المخرج صلاح أبو سيف في فيلمه الواقعي الشهير "حمام الملاطيلي" عام 1973، وهو من بطولة محمد العربي، ويوسف شعبان، وشمس البارودي. يمثل الفيلم جزءاً من حركة الواقعية في السينما المصرية، ويعكس بعضاً من القيم الاجتماعية والتحديات التي واجهها المجتمع المصري آنذاك، وقد ساهم في تسليط الضوء على الحمامات الشعبية كجزء من الحياة الاجتماعية. * انتشار الحمامات في القاهرة عبر التاريخ ذكر المؤرخ المقريزي في "خططه" أن الخليفة العزيز بالله الفاطمي كان أول من بنى الحمامات العامة في القاهرة، ومنذ ذلك الوقت انتشرت الحمامات بشكل سريع حتى بلغ عددها في عهده ألف ومائة وسبعين حماماً. كانت هذه الحمامات تقسم بين الرجال والنساء، حيث يفتح البعض منها للرجال قبل الظهر وللنساء بعده، وازدهرت هذه الحمامات كأماكن للاسترخاء والنظافة وأيضاً كملتقيات اجتماعية تجمع أفراد المجتمع بمختلف طبقاته. * الحمامات الشعبية وأثرها على الثقافة المصرية تُعد الحمامات الشعبية جزءاً من تراث المصريين، حيث تجاوز دورها الأساسي في النظافة الشخصية إلى كونها ملتقيات اجتماعية تجمع بين الناس للتواصل وتبادل الأحاديث. لعبت الحمامات دوراً مهماً في تعزيز الروابط الاجتماعية وإتاحة الفرصة للناس للاستمتاع ببيئة هادئة وأجواء استرخاء مميزة. وإلى يومنا هذا، يظل حمام الملاطيلي أحد الشواهد الحية على هذه العادات والتقاليد التي شكلت جزءاً من الثقافة الشعبية.