فتح باب التصويت أمام المواطنين للإدلاء بأصواتهم في انتخابات الإعادة بمجلس النواب بالمنيا    أسعار الخضراوات والفواكه بكفر الشيخ اليوم.. الطماطم ب8 جنيهات    اسعار اللحوم اليوم السبت 3يناير 2026 فى مجازر وأسواق المنيا    استقرار أسعار الذهب في مصر اليوم السبت    أسعار الدولار داخل البنوك المصرية اليوم السبت    أسعار البيض اليوم السبت 3 يناير    أخبار مصر: مدبولي في الأقصر، مؤشرات قيام أمريكا بعمل عسكري كبير، قصة سيدة المنوفية التي حاولت إلقاء أطفالها أمام القطار    غارات شرقي دير البلح وخان يونس وإطلاق نار شرق غزة    انفجارات تهز العاصمة الفنزويلية وتحليق مكثف لطائرات حربية    الليلة الحاسمة في أمم إفريقيا 2025.. تونس تبحث عن النجاة ومالي تترقب ضحية جديدة    كثافات متحركة، حالة المرور اليوم في القاهرة والجيزة والقليوبية    عاجل- طقس شديد البرودة يسيطر على البلاد اليوم السبت مع شبورة كثيفة وفرص أمطار خفيفة    حصاد 2025، خط نجدة الطفل يستقبل 585 ألف مكالمة    السيطرة على حريق محل ملابس أسفل عقار سكني في شبرا الخيمة    محاكمة 49 متهما بخلية الهيكل الإداري بالعمرانية.. اليوم    وفاة والد المطرب الشعبى عمرو أبوزيد وتشييع جنازته من مسجد السيدة نفيسة    استقرار أسعار العملات العربية في بداية تعاملات اليوم 3 يناير 2026    أبوريدة يوجه تعليماته بإرسال مستحقات فيتوريا .. «أخبار اليوم» تواصل إنفراداتها وتكشف كواليس وأسرار معركة لوزان    «الشبكة» من المهر وردها واجب عند «الفسخ»    التأمين الصحي في عهد الرئيس السيسي.. تعظيم سلام    فلسطين.. آليات الاحتلال تطلق النار على مناطق جنوب قطاع غزة    الإفتاء: الصيام في شهر رجب مستحب ولا حرج فيه    أردوغان يعلن عزمه إجراء محادثات مع ترامب حول أوكرانيا    عميد حقوق المنصورة: لا صحة لما تداول حول مجاملة ابن رئيس الجامعة    صيانة ثلاجة وراء نشوب مشاجرة بين مهندس وفني بالطالبية    مملكة البحرين تبدأ عضويتها غير الدائمة بمجلس الأمن    مجدي الجلاد: مصر تعزل تحركات إسرائيل في الصومال عبر دبلوماسية ذكية    فعاليته تجاوزت ال90%، الكشف عن لقاح ثوري يقضي على سرطان الجلد وهذا موعد طرحه رسميا    عاجل.. "تنظيم الاتصالات": احتمالية تأثُر بعض الخدمات يوم 3 يناير نتيجًة لأعمال صيانة    «بالدموع والآهات».. أحمد سعد يحتفل بعيد ميلاد تامر عاشور بطريقة ساخرة (فيديو)    أمم إفريقيا - المجبري: المنافسة الحقيقية تبدأ من هذه المرحلة.. ومن المهم تحليل مباريات مالي    لحظات رعب داخل منزل بدمنهور.. تسريب غاز يُصيب أسرة كاملة بالاختناق    المخدرات حولت الابن إلى قاتل    نائب محافظ كفر الشيخ يشهد ختام الدوري الرياضي لمراكز الشباب    قضية اللاعب رمضان صبحي تضع المدارس الدولية في مأزق    عمرو يوسف النجم الأكثر إيراداً في 2025    حكاية أغنية رفضها «سامو زين» وكانت سر نجاح فضل شاكر    د. نادين حسني: هدفي علاج الأمراض من جذورها لا تسكين أعراضها| حوار    إيران فوق بركان.. مظاهرات الداخل وتهديدات الخارج تضع نظام الفقيه في ورطة    مطلقات يواجهن حيل الأزواج.. للهروب من حقوقهن    رفع الإشغالات وتكثيف النظافة بمحيط اللجان الانتخابية بمدينة العياط بالجيزة    لانس يحقق فوزا ساحقا على تولوز ويعزز صدارته في الدوري الفرنسي    لأول مرة.. توسيع للمريء باستخدام البالون لمسن بمستشفى كفر شكر بالقليوبية    كيف تحمي صحتك بأطعمة الشتاء؟    ننشر مواقيت الصلاه اليوم السبت 3يناير 2026 فى المنيا    عبدالملك: الزمالك بحاجة لثورة في الفريق    تنظيف كنيسة المهد استعدادًا لاحتفالات عيد الميلاد المجيد حسب التقويم الشرقي    إيبارشية القاهرة الكلدانية تحتفل بعيد مار أنطونيوس الكبير    الشاعر شعبان يوسف ل العاشرة: 2025 شهد حراكا ثقافيا ملموسا رغم التحديات    ثلاثي البريميرليج يتنافس على ضم مهاجم ريال مدريد    بعد حكم حبس رمضان صبحي.. عمرو أديب: اشتراط مؤهل الأب لدخول بعض المدارس الدولية حرام    نتيجة حلقة اليوم من برنامج "دولة التلاوة"، مفاجأة بخروج هذا المتسابق (فيديو)    سلوت قبل مواجهة فولهام: ترتيبنا الحالي عادل.. ونسعى لصناعة الفارق    المصل واللقاح: شتاء 2026 سيكون عنيفا من حيث الإصابة بالأمراض التنفسية    غدًا.. 667 ألف ناخب يحسمون جولة الإعادة لانتخابات النواب بالدائرة الثالثة في الفيوم    أذكار مساء الجمعة.. سكينة للقلب وتجديد للإيمان مع ختام اليوم المبارك    الأقصر تعلن جاهزيتها لماراثون انتخابات النواب فى جولة الإعادة بإسنا والقرنة وأرمنت    استعدادات مكثفة في مساجد المنيا لاستقبال المصلين صلاة الجمعة اليوم 2يناير 2026 فى المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ننشر نص كلمة «شيخ الأزهر» في افتتاح ندوة «الإسلام والغرب.. تنوع وتكامل»
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 22 - 10 - 2018

h5 data-ft="{" tn":"c"}"="" id="js_1e" - القرآن يعلمنا أن «التعارف» هو قانون العلاقات بين الأمم والشعوب
- الشرق كأديان وحضارات ليست له أية مشكلة مع الغرب
- انفتاح الأزهر على المؤسسات الدينية الكبرى في أوروبا أقوى دليل على إمكانية التقارب بين الشرق والغرب
- جامعة الأزهر تعتز بدراسة التراث الإسلامي بجانب المناهج التعليمية الغربية الحديثة
- الباحث عن الحقيقة والمؤهل لاكتشافها هو دائما: إما مشكور وإما معذور
- مناهج الأزهر بأصالتها وانفتاحها الواعي (تصنع العقل) الأزهري المعتدل في تفكيره وسلوكه
- المسلمون الذين يوصفون بالعنف والوحشية هم دون غيرهم ضحايا هذا «الإرهاب الأسود»
- تعقب أسباب الإرهاب ليس محله الإسلام ولا الأديان وإنما الأنظمة العالمية التي تتاجر بالأديان والقيم والاخلاق
رحب فضيلة الإمام الأكبر د.أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين، الاثنين ٢٢ أكتوبر، بكل الحضور في الندوة الدولية «الإسلام والغرب.. تنوع وتكامل» التي ينظمهما الأزهر الشريف بالتعاون مع مجلس حكماء المسلمين، بمركز الأزهر الدولي للمؤتمرات بمدينة نصر.
وقال خلال ترحيبه بهم: «مرحبا بكم في مصر المحروسة ملتقى الحضارات وحاضنة العلوم والثقافات، ووادي النيل وأرض الأهرامات وبلد الأزهر الشريف أقدم المعاهد العلمية وشيخ الجامعات.. حللتم أهلا، ونزلتم سهلا.. طبتم».
وأضاف شيخ الأزهر أن كلمته اليوم وضعته في حالة تشبه حالة المضطر للحديث في موضوع مكرور، فقد قيل فيه كلام كثير، وصدرت بيانات وتوصيات لا يستهان بقدرها في الدعوة إلى الحوار بين الحضارات، وضرورة الالتقاء على أمر جامع بينها من أجل إنقاذ عالمنا المعاصر من مخاطر الصراع والسلام المتوتر، وحروب الأمس الباردة، وحروب اليوم الملتهبة
وجاء نص كلمته كالتالي:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
السادة أعلام المنصة!
الضيوف الأعزاء!
الحفل الكريم!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ومرحبا بكم في مصر المحروسة ملتقى الحضارات وحاضنة العلوم والثقافات، ووادي النيل وأرض الأهرامات وبلد الأزهر الشريف أقدم المعاهد العلمية وشيخ الجامعات.. حللتم أهلا، ونزلتم سهلا.. طبتم وطابت رحلتكم وطاب مقامكم.
وشكرا من الأزهر الشريف ومؤسساته، لاستجابتكم الكريمة للمشاركة في هذه الندوة الدولية من ندوات الحوار بين الشرق والغرب، والتي أرجو أن تأتي ندوة مثمرة متميزة في مناقشة أمر العلاقة بين الإسلام والغرب، مناقشة تتأسس على المصارحة والمكاشفة، وتأخذ في الحسبان الظروف القاسية التي تعاني منها شعوبنا هنا في الشرق، وتحتاج إلى تفكير الحكماء وتدبير العقلاء من أمثالكم.
السيدات والسادة!
فكرت طويلا في الكلمة التي ينبغي أن أسهم بها في ندوتنا هذه، ووجدتني في حالة تشبه حالة المضطر للحديث في موضوع مكرور، فقد قيل فيه كلام كثير، وصدرت بيانات وتوصيات لا يستهان بقدرها في الدعوة إلى الحوار بين الحضارات، وضرورة الالتقاء على أمر جامع بينها من أجل إنقاذ عالمنا المعاصر من مخاطر الصراع والسلام المتوتر، وحروب الأمس الباردة، وحروب اليوم الملتهبة. ورغم هذه الجهود المشكورة من حكماء الغرب والشرق، إلا أن الطريق لا يزال وعرا، وأن جهدا أكبر يجب أن يبذل، وقد تأملت هذه المفارقة اللامنطقية بين الواقع والمأمول، وبدا لي أن السبب قد يعود إلى وجود عقبات على طريق الحوار، وأن الاشتغال بالتركيز على هذه العقبات: تشخيصا وعلاجا ربما كان أجدى وأكثر اختصارا لهذا المشوار الطويل.. ومن هذا المنظور تأتي كلمتي التي أسهم بها في هذه الندوة، والتي سأوجزها فيما يشبه الخواطر والتأملات وأحلام اليقظة أيضا.
وأول ما أود تأكيده -أمام حضراتكم-في هذا الشأن هو اقتناعي بأن الشرق: أديانا وحضارات ليست له أية مشكلة مع الغرب، سواء أخذنا الغرب بمفهومه المسيحي المتمثل في مؤسساته الدينية الكبرى، أو بمفهومه كحضارة علمية مادية، وذلك من منطلق تاريخ الحضارات الشرقية ومواقفها الثابتة في احترام الدين والعلم أيا كان موطنهما وكائنا من كان هذا العالم أو المؤمن..
وما أظن أن هذه القضية بحاجة إلى البرهنة والاستدلال، فحضارة الأندلس في قلب أوروبا قديما، وانفتاح الأزهر الشريف على كل المؤسسات الدينية الكبرى في أوروبا حديثا، والتجاوب الجاد المسؤول من قبل هذه المؤسسات الغربية -أقوى دليل على إمكانية التقارب بين المجتمعات الإسلامية في الشرق والمجتمعات المسيحية والعلمانية في الغرب، وأن هذا التقارب حدث ويمكن أن يحدث؛ وليس أمره كما قال الشاعر «كيبلنج»: «الشرق شرق والغرب غرب، وأبدا لن يلتقيا».
وهنا أتذكر بحوثا حديثة لبعض الغربيين المختصين بقضية الحوار الإسلامي المسيحي، يستدعون فيها تاريخ النمط الأندلسي بثقافاته الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلامية، للاهتداء بهذا الأنموذج في رسم خارطة لمسار الحوار الجاري حاليا، وتصميم «إطار نظري وتطبيقي لقواعد هذا الحوار وأغراضه الأساسية»، وبخاصة بعد ما بذلت جهود غربية معاصرة جاوبتها جهود شرقية لدفع مسيرة الحوار بين الإسلام والغرب، في مقدمتها: قرارات مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965)، وزيارة البابا بولس السادس لبعض الدول العربية وعلى رأسها دولة فلسطين، وإعلان الأمم المتحدة تبني مشروع تحالف الحضارات عام 2004م، والذي شجع على عقد مؤتمرات حوار عالمية في الغرب والشرق، وكذلك زيارة البابا فرنسيس لمصر (في أبريل الماضي)، ومشاركته في افتتاح مؤتمر الأزهر العالمي للسلام، وتبادل الزيارات بين الأزهر ورئيس أساقفة كانتربري، ومجلس الكنائس العالمي في جنيف والكنيسة البروتستانتية بألمانيا، وقد شعر هؤلاء المختصون بما يشعر به كل مهموم بقضية «السلام الضائع»، من المصاحب والمتاعب التي تقف حجر عثرة في طريق الجهود المبذولة محليا ودوليا، وتباعد بينها وبين النتائج المحدودة التي تتمخض عنها هذه اللقاءات..
ومما يؤكد اقتناعي بأنه لا مشكلة للشرق أو الإسلام مع الغرب واقعنا الذي نعيشه بحلوه ومره، وخيره وشره، منذ انفتحت أبواب المسلمين على الغرب في القرنيين الماضيين وحتى اليوم؛ فمنذ ذلك الحين والمسلمون يعتمدون شيئا غير قليل من حضارة الغرب في حياتهم نظريا وعمليا، وهذه مدارسنا وجامعاتنا، بل مدارس أطفالنا الأجنبية التي يتحدثون فيها –بكل أسف- الإنجليزية والفرنسية والألمانية بأفضل مما يتحدثون العربية، التي هي لغة أمهاتهم وآبائهم وأوطانهم. أقول: هذه المؤسسات التعليمية تلقن أبناءنا من المواد العلمية والأدبية كثيرا مما يتلقنه الطلاب الأوربيون في جامعاتهم الغربية.. وهذه جامعة الأزهر، الجامعة الوحيدة التي تعتز بدراسة التراث الإسلامي جنبا إلى جنب المناهج التعليمية الغربية الحديثة في كليات الطب والهندسة والصيدلة والعلوم والزراعة وغيرها - هذه الجامعة بها كلية لتعليم اللغات الأجنبية، وتدريس آدابها في أقسام علمية مختلفة، ويتردد في ردهاتها أسماء رواد الأدب الغربي بمدارسه المتنوعة، بل أذهب بعيدا لأقول «إن أقسام الأدب العربي في جامعاتنا تدرس لطلابها العرب: مسلمين وغير مسلمين، كل المذاهب النقدية المعروفة في الغرب، وكذلك أقسام الفلسفة تدرس طلابها كل مذاهب الفلسفة الغربية.. بل أذهب إلى أبعد من ذلك حين أقول إنني درست الفلسفة في كلية أصول الدين في ستينات القرن الماضي على شيوخ أجلاء.. درسوا في جامعات أوروبا ونالوا شهاداتهم العليا على أيدي أساتذة أوربيين، وقد غرسوا في نفوسنا احترام هؤلاء الأساتذة، وتوقيرهم والاعتراف بفضلهم حتى وإن اختلفنا معهم».. وهذه السماحة التي حرص شيوخنا على تأديبنا بها، لم تكن انعكاسا لما تعلموه في أروقة جامعات الغرب بقدر ما هي انعكاس لفلسفة الإسلام في تواصله مع الآخر: تأثرا وتأثيرا.. فهذا هو الفيلسوف المسلم «ابن رشد» الذي تعرفه جامعات الغرب وتعرف فضله على أوروبا في القرون الوسطى، يؤصل في نص بديع، لا أمل من التذكير به، في ضرورة النظر العقلي ومشروعية انفتاح المسلمين على ثقافات الآخرين، وضرورة الاستفادة من جهود السابقين عليهم، في كل العلوم، بما فيها علوم الفلسفة، التي هي أخطر العلوم مساسا بالعقائد والأديان.. يقول ابن رشد في هذا النص: «يجب علينا إن ألفينا لمن تقدمنا من الأمم السالفة نظرا في الموجودات (....) أن ننظر في الذي قالوه من ذلك، وما أثبتوه في كتبهم: فما كان منها موافقا للحق قبلناه منهم، وسررنا به، وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه، وحذرنا منه، وعذرناهم».
والذي يقوله «ابن رشد» في هذا النص لا يقوله تجملا للذات ولا مجاملة للآخر، وإنما يكشف فيه عن أصل ثابت من أصول الإسلام في الحث على البحث عن الحقيقة، وشكر من يكتشفها وعذر من يخفق في اكتشافها، وهذا ما نحفظه عن ظهر قلب عن نبي الإسلام ﷺ من أن المجتهد الذي يصيب الحق له أجران من الله تعالى: أجر مشقة البحث وأجر اكتشاف الحق. والمجتهد الذي لا يصيب الحق في اجتهاده له أجر واحد هو أجر عناء البحث ومكابدته، فالباحث عن الحقيقة، والمؤهل لاكتشافها هو دائما في فلسفة الإسلام: إما مشكور وإما معذور، ولا أظن أن معادلة أخرى تبلغ من السماحة مع الغير ما تبلغه هذه المعادلة.
ومن يشرفنا منكم –أيها السادة الضيوف الفضلاء-بزيارة لكلياتنا الأزهرية العريقة في حي الأزهر القديم يرى معهدا لتعليم طلابنا الذين هم شيوخ المستقبل، اللغات الأوربية، وإعداد المتفوقين منهم للدراسات العليا في جامعات أوروبا، وهذا المعهد يشترك في إدارته والإشراف عليه المركز الثقافي البريطاني، والمركز الثقافي الفرنسي، ومعهد جوته الألماني، تحت مظلة مشيخة الأزهر الشريف..
هذه هي مناهج الأزهر بأصالتها وانفتاحها الواعي على الحكمة أنى وجدت، هي التي (تصنع العقل) الأزهري المعتدل في تفكيره وسلوكه، والقادر دائما على التكيف مع العصر وإشكالاته ومعطياته.
وأمر آخر قد يخفى على كثيرين في أمر العلاقة بين الشرق والغرب؛ هو أن كثيرا من المظاهر الثقافية والحضارية الأوروبية متغلغل اليوم في عمق ثقافتنا الشرقية، في شتى ميادينها السياسية والتعليمية والاجتماعية والفنية، وأن الاختلاف بين الثقافتين يكاد يكون محصورا في مجال الدين والعقيدة وما يرتبط بهما من قيم وتقاليد تاريخية وثقافية، لا مفر منها لأي شعب من الشعوب، أو أمة من الأمم تحرص على ثقافتها وتحميها من العدوان والذوبان والاندثار..
السيدات والسادة!
لعلكم تتفقون معي، بعد هذا السرد، في أن سؤالا مشروعا يفرض نفسه هنا وهو: أين هذا الإسلام المنغلق على نفسه، والمحبوس في ماضيه، والذي يشكل أتباعه خطرا ماحقا على حضارة الغرب ومنجزاته الكبرى في علوم الكون والإنسان؟! وأين شعب من شعوب المسلمين يملك مصنعا واحدا من مصانع أسلحة الدمار الشامل، أو مصدرا واحدا من مصادر القوة العنيفة الرادعة ويمكن أن يقال عنه أنه يرعب القوى الدولية، التي تتمتع –بكل أسف- بحرية لا سقف لها، في أن تقول ما تشاء، وتفعل ما تريد، وتلوح بعصاها الغليظة لكل من يعارضها، أو يجرؤ على التفكير في مراجعتها!!
إن المشكلة –فيما أعتقد-وقد أكون مصيبا وقد لا أكون، تكمن في هذه القوة العالمية التي يملؤها الشعور بالغطرسة وبحق السيطرة على الآخرين وتسخيرهم لتحقيق مصالحها ومنافعها الخاصة، انطلاقا من الشعور بأنها الحضارة الأرقى والأنقى، وصاحبة الحق المطلق في سيادة الشعوب وقيادتها..
وهذه هي عين الذرائع التي تذرع بها الاستعمار القديم وبرر بها انقضاضه على مقدرات الشعوب وثرواتها.
وأنا –أيها السادة الفضلاء!- ممن يؤمنون بتعارف الثقافات، وتكاملها وتعاونها، تعلمت ذلك من القرآن الكريم الذي حفظت منه منذ الطفولة أن «التعارف» هو قانون العلاقات بين الأمم والشعوب، وذلك في الآية التي يعرفها المسلمون وغير المسلمين في الشرق والغرب، وهي قوله تعالى: ▬يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير♂[الحجرات: 13]، كما تعلمته في دراستي للتراث العقلي عند المسلمين وتلاقحه مع ثقافات اليونان والهند والفلسفات الدينية في العصر الوسيط.
ولم يكن يخطر بالبال يوما أن القرن العشرين قرن التقدم الحضاري، والرقي الإنساني، وقرن حقوق الإنسان، ومواثيق السلام الدولية.. سوف ينتهي بظهور نظريات ومذاهب تمهد للحروب بين الشعوب وتبرر الصراع بين الحضارات، وقد قرعت أسماعنا طويلا نظرية الصراع الطبقي التي ما لبثت أن تهاوت وذهبت أدراج الرياح، و «نظرية نهاية التاريخ»، ونظرية «هنتنجتون» في صراع الحضارات، وهي نظريات ترتد أصولها إلى أطروحات عنصرية خالصة، في مقدمتها: أطروحة ماكس فيبر العالم السسيولوجي والاقتصادي الألماني (1864-1920م) الذي مضى على رحيله اليوم قرابة قرن كامل من الزمان.. هذا العالم أسس لنظريته بدعوى تقول: إن «مقارنة الحضارة الغربية بغيرها من الحضارات البشرية، تثبت تفرد الحضارة الغربية بخصائص فريدة في نوعها، لا يوجد لها نظير بين سائر الحضارات الأخرى، وأن خصائص الحضارة الغربية لم تعرفها أية ثقافة إنسانية أخرى خارج ثقافة الغرب»
ثم جاء المستشرق الشهير الإنجليزي الأصل: «برنارد لويس»، ليؤكد في كتابه: «الإسلام»، أنه أول من أطلق فكرة: [صدام الحضارات] عام 1957م، غداة تأميم مصر لقناة السويس بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وتعرض الشعب المصري لحرب العدوان الثلاثي عام 1956م.. وقد عاد لويس لهذه الفكرة مرة أخرى عام 1990م، وهو بصدد الحديث عن العالم العربي والإسلامي ليؤكد من جديد أن أمر الغرب حيال الإسلام هو أمر صدام حضارات حقيقي وتاريخي، وأن صدام الغرب لهذا الدين بالذات ولحضارته من بين سائر الحضارات الأخرى هو –فيما يقول-: «رد فعل على خصم قديم لتراثنا اليهودي والمسيحي»، ثم يقول: «إن صدام الحضارات هو مظهر مهم للعلاقات الدولية الحديثة».
السيدات والسادة!
أرجو ألا يفهم من كلامي أني أنحي باللائمة كلها على الغرب وحضارته، ففي الشرق أيضا عيوب وسلبيات، أسهمت في تأكيد ظاهرة الخوف من الإسلام التي انتشرت مؤخرا بين جماهير الغرب، ومن أخطر هذه العيوب هو هذا الصمت المريب عن الإرهاب الذي مكن للحركات السياسية المسلحة من الربط بين الإسلام وبين جرائمها الإرهابية، وإطلاق أسماء دينية على منظماتها، استقطبت بها كثيرا من الشباب والشابات الذين غرهم هذا المظهر الديني الخادع.. حتى استقر في أذهان الغالبية من الأوروبيين والأمريكان أن العنف والإسلام توأمان ورضيعا لبان لا يفارق أحدهما الآخر إلا ريثما يلتصق به من جديد.
حتى بات من الصعب توضيح الحقيقة للغرب والغربيين، وأن هذا الدين مختطف بالإكراه لارتكاب جرائم إرهابية بشعة على مرأى ومسمع من أهله وذويه والمؤمنين به، وأن المسلمين الذين يوصفون بالعنف والوحشية هم –دون غيرهم-ضحايا هذا «الإرهاب الأسود»، وأن تعقب أسباب الإرهاب، والبحث عن علله القصوى ليس محله الإسلام ولا الأديان السماوية، أما محله الصحيح فهو الأنظمة العالمية التي تتاجر بالأديان والقيم والأخلاق والأعراف في أسواق السلاح والتسليح وسياسات العنصرية البغيضة والاستعمار الجديد.
شكرا لحسن استماعكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.