رحلة شاقة تبدأ قبل العام الجديد ب10 شهور.. البحث عن مدرسة    الصين ترد على افتراءات وزير بإقليم "صومالي لاند": مهما فعلتم لن تستطيعوا تغيير الحقيقة    هيئة العمليات: الخيار الوحيد للعناصر المسلحة في الشيخ مقصود بحلب تسليم أنفسهم فوراً    تسلل الرعب لصفوف الجماعة.. حملة اعتقالات في تركيا لعناصر إخوانية مصرية    يورجن شولتس سفير ألمانيا بالقاهرة: برلين خامس أكبر شريك تجاري لمصر| حوار    «سيادة جرينلاند».. تدفع أوروبا إلى التكاتف ضد ترامب    منتخب مصر يختتم استعداداته لمواجهة كوت ديفوار.. وتريزيجيه يشارك في التدريبات الجماعية    العريس فر بعروسته.. بعد قتله طفلة أثناء الاحتفال بفرحه    القتل باسم الحب.. رفضها لابن عمها ينتهي بمقتل حبيبها بطل الكارتيه    الصحة توفر الأمصال العلاجية مجانًا عبر مستشفياتها ووحداتها الصحية    وزير الزراعة: سعر الكتكوت ارتفع من 8 ل35 جنيهًا وكلا السعرين غير عادل    باكستان تقترب من إتمام صفقة أسلحة وطائرات مع السودان بقيمة 1.5 مليار دولار    وزير الخارجية الفرنسي: من حقنا أن نقول لا لواشنطن    «المالية»: تحقيق فائض أولى 383 مليار جنيه خلال 6 أشهر    كأس عاصمة مصر – الثانية للأبيض.. مصطفى شهدي حكما لمباراة الزمالك ضد زد    صلاح يطارد دياز، ترتيب هدافي كأس أمم إفريقيا 2025    أمم إفريقيا - أزمات نيجيريا في البطولات الكبرى لأنهم "على دراية بالتاريخ"    خبر في الجول - الاتحاد السكندري يرسل عرضا لضم طرخات    الخطيب: نبنى بيئة أعمال تنافسية تحفز القطاع الخاص.. وتجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة    «الأعلى للإعلام» يحذف حلقة برنامج شهير لمخالفته لمعايير حماية الطفل    صرف مساعدات لأسر الضحايا.. وزيرة التضامن تتابع تداعيات حادث صحراوي المنيا    11 جثة و9 مصابين.. ننشر أسماء ضحايا حادث التصادم بصحراوي المنيا    مصرع شخص أصيب بحجر طائش أثناء مشاجرة بين طرفين بقليوب    السكوت عن الدجالين جريمة| محمد موسى يفتح النار على «دكاترة السوشيال ميديا» المزيفين    شرخ فى الجمجمة.. تفاصيل واقعة سقوط قالب طوب على طفل 14 عاما في شبين القناطر    زياد ظاظا: «يزن» يشبه جيلى.. والتمثيل حلم لم يسرقه «الراب»    بعضًا من الخوف    كتاب جديد حول «المستقبل المشفّر بين الأزمات الدولية والعملات الرقمية»    مصلحة الجمارك تطلق منظومة شكاوي الجمارك المصرية عبر الإنترنت    المهلبية بالبسكويت.. حلى سهل بطعم مميز    موعد مباراة الجزائر ونيجيريا في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 والقنوات الناقلة    كونسيساو يشيد بأداء الاتحاد في رباعية الخلود ويرفض الحديث عن الصفقات    سيدتان تقتلان سيدة مسنة لسرقة مشغولاتها الذهبية بالفيوم    الأوروبيون بين القلق والانقسام بسبب سياسات ترامب    مسؤول سابق بالبنتاجون: ترامب يعتبر نفسه رئيسًا فوق القانون    أوضاع مأساوية في جنوب كردفان... 300 ألف شخص يعانون نقص الغذاء بسبب الحصار    "أنا مش عارف أشتغل".. محمد موسى يهدد بإنهاء الحلقة بعد خناقة على الهواء    المطرب شهاب الأمير يشعل استوديو "خط أحمر" بأغنية "حد ينسى قلبه"    المطرب شهاب الأمير يفتح النار على أغاني المهرجانات: ليست فنًا حقيقيًا    نقابة الفنانين العراقيين تنعى رحيل محسن العلى    شعبة مخابز الدقهلية تؤكد التزامها بمواعيد العمل الرسمية    بث مباشر مباراة الجزائر ونيجيريا الآن في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    "الزراعة" تستعرض أنشطة معامل ومعاهد مركز البحوث خلال الأسبوع الأول من يناير    لماذا غادر النور وجه سيدنا عبد الله بن عبد المطلب بعد زواجه؟.. عالم بالأوقاف يكشف كواليس انتقال سر النبوة    أول امرأة تتقلد المنصب، المستشارة يمني بدير مساعدًا لرئيس هيئة قضايا الدولة    وزارة «التخطيط» تبحث استراتيجية دمج ذوي الإعاقة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية    دعاء لتسهيل الامتحانات.. كلمات تطمئن القلب وتفتح أبواب التوفيق    الصحة: إجراء الفحص الطبي الشامل ل 4 ملايين طالب على مستوى الجمهورية    «الرعاية الصحية» تُطلق مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر _In Egypt We Care»    الدولار يرتفع 0.8% أمام الجنيه المصري خلال أسبوع وفق بيانات «المركزي»    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    التركيبة الكاملة لمجلس النواب| إنفوجراف    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    حافظوا على وحدتكم    إعلاميون: أمامنا تحدٍ كبير فى مواجهة الذكاء الاصطناعى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يوميات الأخبار
نور الحقيقة وسراب الإلحاد..!


الفطرة السليمة تفضي إلي الإيمان،
والإيمان يقود لقيم الحق والخير والجمال
امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بالحديث عن الإلحاد والدعوة إليه.. وانتقلت هذه الأحاديث إلي الفضائيات.. وجاهر بعضهم بالإلحاد وقالوا إن الإيمان في عصر العلم خرافة!
وسرت هذه الموجة الإلحادية الشرسة ضد الأديان بين الشباب، وتداولوها في مجالسهم وهم يتساءلون عن جدوي الإيمان في عصر العلم.
وهذه الظاهرة الغريبة علي مجتمعنا لا يمكن مقاومتها إلا بالاقناع، وعن طريق العلم نفسه، لأن العلم يفضي إلي الإيمان.. والعلم ليس نقيض الإيمان.. والفهم الواعي للنصوص الدينية يقرب الناس إلي الإيمان ويقضي علي هذه الظاهرة المدمرة.. ظاهرة الإلحاد وما تقود اليه من موت الضمير وانتشار الفساد في الأرض.
والجهر بالإلحاد ليس وليد هذه الأيام ولكنه موجود منذ زمن بعيد.
فهناك من الفلاسفة من ألحد من أمثال الفيلسوف الألماني نيتشه، والذي اعتنق أفكاره الزعيم النازي هتلر الذي أشعل الحرب العالمية الثانية، والذي راح ضحيتها ملايين البشر. وقد انتهت حياة هذا الفيلسوف بالجنون.
كما نادي بالإلحاد الفيلسوف الوجودي سارتر، والذي حاول أن يزيد من عمر فلسفته فحاول ربط الفلسفة الوجودية بالاشتراكية، وماتت الوجودية كما ماتت الاشتراكية.
والماركسية كان شعارها (الدين أفيون الشعوب) فأين الماركسية اليوم؟ لقد انتهت ولم يبق منها إلا صداها التاريخي!
ولكن لماذا ظهر هذ الاتجاه الإلحادي اليوم في مجتمعنا؟
ربما يكون رد فعل للتشدد الديني الذي لا يستند إلي صحيح الدين، ولا يستند إلي عقل أو منطق، فليس هناك دين يحض علي قطع الرءوس وسفك الدماء، وليس من الإسلام في شيء ما تقوم به (داعش) من إرهاب في العراق وسوريا، من قتل الشيوخ والأطفال والشباب واضطهاد المسيحيين، والجري وراء أوهام الخلافة الإسلامية.
وما يجري علي الساحة العربية من سفك الدماء، وإهدار الدم كما نري في العراق وسوريا وليبيا شيء لا يصدقه عقل. ربما كل هذا هو الذي أفضي إلي تلك الأفكار الملحدة، مع أن الفطرة السليمة تقود إلي الإيمان، والعلم نفسه يقود إلي الإيمان.
وقد كان بعض الشعراء يجنح بهم الخيال إلي عوالم التأملات فتقفز في أذهانهم بعض اسئلة حول الوجود الإنساني، ويقفون حياري أمام لغز الوجود، فيتحدثون في أشعارهم عن هواجسهم.. وهذه الهواجس أفكار فلسفية وليست إلحادية.. مثل ما قاله الشاعر اللبناني ايليا أبو ماضي:
جئت لا أعرف من أين
ولكني أتيت
ورأيت قدامي طريقا
فمشيت
كيف جئت.. كيف أبصرت طريقي
لست أدري!
وشاعرنا كامل الشناوي يقول:
أنا.. من أنا..؟
أنا من أكون؟
وسيلة أم غاية
أنا لست أعرف من أنا
وهم يساور ملحدا فيروعه
ويخافه من كان مثلي مؤمنا
وهذه الهواجس التي تمر بعقول الشعراء والأدباء هي تساؤلات وجودية، وليست إلحادا.. إنها محاولات فنية لاكتشاف أسرار الوجود الإنساني.
وأذكر أنني جلست ذات ليلة صيفية مع أديبنا وعالمنا الكبير الدكتور يوسف عز الدين عيسي.. وهو من كبار العلماء ومن كبار ا لأدباء في نفس الوقت.. كان قد أصدر كتابا بعنوان (الله أو الطبيعة) وكان يثبت فيه أن الحياة لم تأت بالصدفة، ولكن بتدبير من الله العلي القدير، وأن العلم يؤكد هذا.
وأذكر أنني ناقشته فيما جاء بهذا الكتاب، وظل الرجل يتحدث عن العلم والنظريات العلمية التي تقود إلي الإيمان بالله، وقال لي ما ملخصه:
عندما طلب من العالم الفيلسوف سير برتراند راسل أن يذكر تعريفا للفلسفة يفهمه جميع الناس قال: إن الفلسفة ببساطة هي الجانب المظلم من العلم، فما ليس في نطاق العلم فهو في نطاق الفلسفة، وكلما اتسعت رقعة العلم انكمشت رقعة الفلسفة.
فقديما كان عدد كبير من الحقائق العلمية يعتبر داخلاً في إطار الفلسفة، إذ كان الفلاسفة يقولون إن العناصر في الكون أربعة هي: الماء والهواء والتراب والنار.
ولكن مع اتساع رقعة العلم اتضح أن العناصر نحو مائة من الممكن مشاهدتها أو اثبات وجودها فأدي ذلك إلي انكماش رقعة الفلسفة.
فالعلم حقائق ثابتة وملموسة.. أما الفسلفة فنظريات قابلة للخطأ، فما ظنوه عناصر هو في الحقيقة مركبات، فالماء مكون من عنصرين هما الأوكسجين والهيدروجين، وكذلك الهواء والتراب مكونان من عدة عناصر، وقال: الوسيلة الفعالة التي تثبت وجود الله بما لا يقبل الشك هو العلم.
وكان يري أننا نعيش عصر الغرور العلمي، فإذا سألته كيف؟ يجيب: اثبات وجود الله عن طريق العلم يحتاج إلي ذكاء وتعمق في التفكير، في حين أن انكار وجود الله دليل علي سطحية التفكير أو التخلف العقلي، وتكفي بعض الأمثلة لاثبات وجود خالق مدبر مخطط لهذا الكون بما لا يقبل الشك.
و.. يضرب أمثلة كثيرة حول أن جميع الكائنات الحية لها ذرية، وتقاوم عوامل الفناء حتي لا تزول من الوجود ومقاومة عوامل الفناء التي نجدها في جميع الكائنات الحية لا يمكن أن تحدث إلا نتيجة لتخطيط نحو هدف محدد.
ولا يمكن أن يكون عن طريق الصدفة أن تمتد من رئات الطيور أكياس من الهواء داخل عظامها الطويلة ليخف من وزنها فيساعدها ذلك علي الطيران!
إن هذا التخطيط الدقيق كما وصفه الأستاذ (جراهام كانون) الذي كان رئيسا لقسم علم الحيوان بجامعة مانشستر، وتوفي منذ سنوات قلائل تخطيط عبقري لا يمكن علي الاطلاق منطقيا أو علميا أن نعتبره وليد صدفة عمياء تتخبط في الظلام، بل هو فعل عقل مخطط جبار يعلم جيدا الهدف الذي يعمل من أجله.
وقال لي هذا العالم الكبير يومها: ولو استرسلت في الكتابة في هذا الموضوع فسوف أملأ مئات الصفحات متحدثا عن إثبات وجود الخالق عن طريق التعمق في التفكير العلمي.. ثم قال:
لا يوجد عالم حقيقي إلا ويؤمن بالله.. خالق كل شيء، ومبدع هذا الكون العظيم.
العقاد و الإيمان
كان الأستاذ عباس محمود العقاد يقول: أؤمن بالله وراثة وشعورا وبعد تفكير طويل.
فإذا سألته كيف؟
يقول: فأما الوراثة فإني قد نشأت بين أبوين شديدين في الدين لا يتركان فريضة من الفرائض اليومية، وفتحت عيني علي الدنيا وأنا أري أبي يستيقظ قبل الفجر ليؤدي الصلاة ويبتهل إلي الله بالدعاء، ولا يزال علي مصلاه إلي ما بعد طلوع الشمس فلا يتناول طعام الافطار حتي يفرغ من أداء الفرض والنافلة وتلاوة الأوراد.
وأتابع ما كتبه عملاق الفكر العربي عباس العقاد في كتابه (أنا) والذي يتحدث في فصله السادس عن إيمانه، وكيف آمن عندما رأي والده ووالدته يداومان علي الصلاة، ويقومان بأداء الفرائض الإسلامية فكان من الطبيعي أن يشب مؤمنا بالوراثة.
ثم يتحدث عن الإيمان بالشعور فيري أن الإيمان بالشعور فذاك أن مزاج التدين ومزاج الأدب والفن يلتقيان في الحس والتصور والشعور بالغيب، وربما كان »وعي الحياة»‬ شعبة من »‬وعي الكون» أو من »‬الوعي الكوني» الذي يتعلق به كل شعور بعظمة العالم وعظمة خالق العالم.. والوعي الحيوي مصدر النفس والوعي الكوني مصدر الدين.
ويقول الأستاذ العقاد:
أما الإيمان بعد تفكير طويل فخلاصته أن تفسير الخليقة بمشيئة الخالق العالم المريد أوضح من كل تفسير يقول به الماديون.. وما من مذهب اطلعت عليه من مذاهب الماديين إلا وهو يوقع العقل في تناقض لا يتنهي إلي توفيق، أو يلجئه إلي زعم لا يقوم عليه دليل، وقد يهون معه تصديق أسخف الخرافات والأساطير فضلا عن تصديق العقائد الدينية وتصديق الرسل والدعاة.
فالقول بالتطور في عالم لا أول له خرافة تعرض عنها العقول، لأن ابتداء التطور يحتاج إلي شيء جديد في العالم وحدوث التطور بغير ابتداء تناقض لا يسوغه في اللسان فضلا عن الفكر أو الخيال.
والقول بالارتقاء الدائم عن طريق المصادفة زعم يهون معه التصديق بالخرافات وخوارق العادات في تركيب الأجسام والأحياء.
والقول بأن المادة تخلق العقل كالقول بأن الحجر يخلق البيت، وأن البيت يخلق الساكن فيه، وأيسر من ذلك عقلا.. بل ألزم من ذلك عقلا أن يقول ان العقل والمادة موجودان وأن احدهما بأن يسبق الآخر ويخلقه وهو العقل، لأن المادة لا توجد من هو أفضل منها، وفاقد الشيء لا يعطيه..
فأنا أؤمن بالله وراثة
وأؤمن بالله شعورا
وأؤمن بالله بعد تفكير طويل
هذا في مجال العقيدة..
هذه فلسفة كاتب كبير، أراد أن يعرف معني الإيمان فعرف بعقله وإحساسه وشعوره.. واهتدي إلي طريق الهدي والنور.. وليس كهؤلاء الذين يرددون كلمات جوفاء لا معني لها في الفضائيات.. وهدفهم: خالف تعرف.. أو أنهم تاهوا في ظلام أفكار سخيفة لا تسمن ولا تغني من جوع.
الاعتدال الفكري
الدكتور تركي نجيب محمود مفكر فيلسوف وباحث، وليس هناك دارس للفلسفة في مصر وعالمنا العربي لم يتأثر بشكل أو بآخر بهذا المفكر الكبير، الذي أطلق عليه فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة.
وكانت لي مع هذا المفكر الكبير حوارات طويلة، ويقفز في ذهني الآن رؤيته للتطرف الذي يفضي إلي الفساد.. وما نحن فيه الآن من مشكلات سببها التطرف الأعمي والبعد عن الاعتدال.
ولو كان الدكتور زكي نجيب محمود بيننا اليوم، ورأي ما يحدث علي الساحة المصرية والعربية من أحداث، لكان تعليقه علي تلك الأحداث هو نفس ما عبر عنه عندما سألته يوما: كيف نعلم شبابنا معني الاعتدال الفكري حتي لا تجرفهم رياح التعصب؟
قال لي ما ملخصه:
أريد أن أشير إلي حقيقتين هامتين هما اللتان توضحان لنا موقف شبابنا الآن.
أما الحقيقة الأولي فهي أن التطرف موقف لا علمي وهو موقف انفعالي أكثر منه موقفا علميا.
وهو موقف سهل لا عسر فيه.
فمن السهل جدا حتي علي الطفل الصغير أن يقول إنه يستطيع أن يبلغ الشمس، أو أنه يستطيع أن يكون سلطانا علي هذه الدنيا.
والحقيقة الثانية التي أضعها بين يدي القارئ قبل الاجابة علي السؤال هي أن المتطرف في ناحية إذا أحس بفشله في التطرف الذي يتمسك به نراه يقفز إلي التطرف النقيض.
فكثيرا جدا ما رأينا المتطرف الديني إذا أراد أن يغير موقفه تطرف في الشيوعية..!
مع أن التدين والإيمان بالشيوعية نقيضان، ونحن نسأل: كيف يحدث هذا الانتقال المفاجئ من النقيض إلي نقيضه بهذه السرعة؟
والإجابة علي ذلك أن التطرف مسألة سهلة فيسهل الانتقال من تطرف إلي تطرف.
فالتوسط هو الذي يحتاج إلي معرفة.. وإلي عقل.. وإلي تحليل المواقف إلي عناصرها.. ثم هو يحتاج فضلا عن ذلك كله إلي قدرة علي ضبط الانفعال.
ونعود إلي السؤال: كيف نجعل شبابنا في موقف الاعتدال؟
وجوابي: أن ذلك يأتي نتيجة تربية عقلية مصحوبة بتحصيل معرفة غزيرة تدور حول الموضوع الذي يراد من الشباب أن يتخذوا فيه موقفا.
واستطرد:
ولكن الذي يحدث الآن أن الشباب يتلقون تعليما ضعيفا في المدارس والجامعات فلا تبرز لهم أهمية استخدام المنطق العقلي وأهمية التزود بالمعرفة العلمية قبل مواجهة الواقع بما فيه من مشكلات.
و.. ما كان أجمل الحوارات في هذا الزمن الجميل الذي ضم هذه القامات العالية في الفكر والثقافة الرفيعة والفهم المستنير للدين.
وكلمة مضيئة
يارب أهلني لفضلك واكفني
شطط العقول، وفتنة الأفكار
اسماعيل صبري
الفطرة السليمة تفضي إلي الإيمان،
والإيمان يقود لقيم الحق والخير والجمال
امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بالحديث عن الإلحاد والدعوة إليه.. وانتقلت هذه الأحاديث إلي الفضائيات.. وجاهر بعضهم بالإلحاد وقالوا إن الإيمان في عصر العلم خرافة!
وسرت هذه الموجة الإلحادية الشرسة ضد الأديان بين الشباب، وتداولوها في مجالسهم وهم يتساءلون عن جدوي الإيمان في عصر العلم.
وهذه الظاهرة الغريبة علي مجتمعنا لا يمكن مقاومتها إلا بالاقناع، وعن طريق العلم نفسه، لأن العلم يفضي إلي الإيمان.. والعلم ليس نقيض الإيمان.. والفهم الواعي للنصوص الدينية يقرب الناس إلي الإيمان ويقضي علي هذه الظاهرة المدمرة.. ظاهرة الإلحاد وما تقود اليه من موت الضمير وانتشار الفساد في الأرض.
والجهر بالإلحاد ليس وليد هذه الأيام ولكنه موجود منذ زمن بعيد.
فهناك من الفلاسفة من ألحد من أمثال الفيلسوف الألماني نيتشه، والذي اعتنق أفكاره الزعيم النازي هتلر الذي أشعل الحرب العالمية الثانية، والذي راح ضحيتها ملايين البشر. وقد انتهت حياة هذا الفيلسوف بالجنون.
كما نادي بالإلحاد الفيلسوف الوجودي سارتر، والذي حاول أن يزيد من عمر فلسفته فحاول ربط الفلسفة الوجودية بالاشتراكية، وماتت الوجودية كما ماتت الاشتراكية.
والماركسية كان شعارها (الدين أفيون الشعوب) فأين الماركسية اليوم؟ لقد انتهت ولم يبق منها إلا صداها التاريخي!
ولكن لماذا ظهر هذ الاتجاه الإلحادي اليوم في مجتمعنا؟
ربما يكون رد فعل للتشدد الديني الذي لا يستند إلي صحيح الدين، ولا يستند إلي عقل أو منطق، فليس هناك دين يحض علي قطع الرءوس وسفك الدماء، وليس من الإسلام في شيء ما تقوم به (داعش) من إرهاب في العراق وسوريا، من قتل الشيوخ والأطفال والشباب واضطهاد المسيحيين، والجري وراء أوهام الخلافة الإسلامية.
وما يجري علي الساحة العربية من سفك الدماء، وإهدار الدم كما نري في العراق وسوريا وليبيا شيء لا يصدقه عقل. ربما كل هذا هو الذي أفضي إلي تلك الأفكار الملحدة، مع أن الفطرة السليمة تقود إلي الإيمان، والعلم نفسه يقود إلي الإيمان.
وقد كان بعض الشعراء يجنح بهم الخيال إلي عوالم التأملات فتقفز في أذهانهم بعض اسئلة حول الوجود الإنساني، ويقفون حياري أمام لغز الوجود، فيتحدثون في أشعارهم عن هواجسهم.. وهذه الهواجس أفكار فلسفية وليست إلحادية.. مثل ما قاله الشاعر اللبناني ايليا أبو ماضي:
جئت لا أعرف من أين
ولكني أتيت
ورأيت قدامي طريقا
فمشيت
كيف جئت.. كيف أبصرت طريقي
لست أدري!
وشاعرنا كامل الشناوي يقول:
أنا.. من أنا..؟
أنا من أكون؟
وسيلة أم غاية
أنا لست أعرف من أنا
وهم يساور ملحدا فيروعه
ويخافه من كان مثلي مؤمنا
وهذه الهواجس التي تمر بعقول الشعراء والأدباء هي تساؤلات وجودية، وليست إلحادا.. إنها محاولات فنية لاكتشاف أسرار الوجود الإنساني.
وأذكر أنني جلست ذات ليلة صيفية مع أديبنا وعالمنا الكبير الدكتور يوسف عز الدين عيسي.. وهو من كبار العلماء ومن كبار ا لأدباء في نفس الوقت.. كان قد أصدر كتابا بعنوان (الله أو الطبيعة) وكان يثبت فيه أن الحياة لم تأت بالصدفة، ولكن بتدبير من الله العلي القدير، وأن العلم يؤكد هذا.
وأذكر أنني ناقشته فيما جاء بهذا الكتاب، وظل الرجل يتحدث عن العلم والنظريات العلمية التي تقود إلي الإيمان بالله، وقال لي ما ملخصه:
عندما طلب من العالم الفيلسوف سير برتراند راسل أن يذكر تعريفا للفلسفة يفهمه جميع الناس قال: إن الفلسفة ببساطة هي الجانب المظلم من العلم، فما ليس في نطاق العلم فهو في نطاق الفلسفة، وكلما اتسعت رقعة العلم انكمشت رقعة الفلسفة.
فقديما كان عدد كبير من الحقائق العلمية يعتبر داخلاً في إطار الفلسفة، إذ كان الفلاسفة يقولون إن العناصر في الكون أربعة هي: الماء والهواء والتراب والنار.
ولكن مع اتساع رقعة العلم اتضح أن العناصر نحو مائة من الممكن مشاهدتها أو اثبات وجودها فأدي ذلك إلي انكماش رقعة الفلسفة.
فالعلم حقائق ثابتة وملموسة.. أما الفسلفة فنظريات قابلة للخطأ، فما ظنوه عناصر هو في الحقيقة مركبات، فالماء مكون من عنصرين هما الأوكسجين والهيدروجين، وكذلك الهواء والتراب مكونان من عدة عناصر، وقال: الوسيلة الفعالة التي تثبت وجود الله بما لا يقبل الشك هو العلم.
وكان يري أننا نعيش عصر الغرور العلمي، فإذا سألته كيف؟ يجيب: اثبات وجود الله عن طريق العلم يحتاج إلي ذكاء وتعمق في التفكير، في حين أن انكار وجود الله دليل علي سطحية التفكير أو التخلف العقلي، وتكفي بعض الأمثلة لاثبات وجود خالق مدبر مخطط لهذا الكون بما لا يقبل الشك.
و.. يضرب أمثلة كثيرة حول أن جميع الكائنات الحية لها ذرية، وتقاوم عوامل الفناء حتي لا تزول من الوجود ومقاومة عوامل الفناء التي نجدها في جميع الكائنات الحية لا يمكن أن تحدث إلا نتيجة لتخطيط نحو هدف محدد.
ولا يمكن أن يكون عن طريق الصدفة أن تمتد من رئات الطيور أكياس من الهواء داخل عظامها الطويلة ليخف من وزنها فيساعدها ذلك علي الطيران!
إن هذا التخطيط الدقيق كما وصفه الأستاذ (جراهام كانون) الذي كان رئيسا لقسم علم الحيوان بجامعة مانشستر، وتوفي منذ سنوات قلائل تخطيط عبقري لا يمكن علي الاطلاق منطقيا أو علميا أن نعتبره وليد صدفة عمياء تتخبط في الظلام، بل هو فعل عقل مخطط جبار يعلم جيدا الهدف الذي يعمل من أجله.
وقال لي هذا العالم الكبير يومها: ولو استرسلت في الكتابة في هذا الموضوع فسوف أملأ مئات الصفحات متحدثا عن إثبات وجود الخالق عن طريق التعمق في التفكير العلمي.. ثم قال:
لا يوجد عالم حقيقي إلا ويؤمن بالله.. خالق كل شيء، ومبدع هذا الكون العظيم.
العقاد و الإيمان
كان الأستاذ عباس محمود العقاد يقول: أؤمن بالله وراثة وشعورا وبعد تفكير طويل.
فإذا سألته كيف؟
يقول: فأما الوراثة فإني قد نشأت بين أبوين شديدين في الدين لا يتركان فريضة من الفرائض اليومية، وفتحت عيني علي الدنيا وأنا أري أبي يستيقظ قبل الفجر ليؤدي الصلاة ويبتهل إلي الله بالدعاء، ولا يزال علي مصلاه إلي ما بعد طلوع الشمس فلا يتناول طعام الافطار حتي يفرغ من أداء الفرض والنافلة وتلاوة الأوراد.
وأتابع ما كتبه عملاق الفكر العربي عباس العقاد في كتابه (أنا) والذي يتحدث في فصله السادس عن إيمانه، وكيف آمن عندما رأي والده ووالدته يداومان علي الصلاة، ويقومان بأداء الفرائض الإسلامية فكان من الطبيعي أن يشب مؤمنا بالوراثة.
ثم يتحدث عن الإيمان بالشعور فيري أن الإيمان بالشعور فذاك أن مزاج التدين ومزاج الأدب والفن يلتقيان في الحس والتصور والشعور بالغيب، وربما كان »وعي الحياة»‬ شعبة من »‬وعي الكون» أو من »‬الوعي الكوني» الذي يتعلق به كل شعور بعظمة العالم وعظمة خالق العالم.. والوعي الحيوي مصدر النفس والوعي الكوني مصدر الدين.
ويقول الأستاذ العقاد:
أما الإيمان بعد تفكير طويل فخلاصته أن تفسير الخليقة بمشيئة الخالق العالم المريد أوضح من كل تفسير يقول به الماديون.. وما من مذهب اطلعت عليه من مذاهب الماديين إلا وهو يوقع العقل في تناقض لا يتنهي إلي توفيق، أو يلجئه إلي زعم لا يقوم عليه دليل، وقد يهون معه تصديق أسخف الخرافات والأساطير فضلا عن تصديق العقائد الدينية وتصديق الرسل والدعاة.
فالقول بالتطور في عالم لا أول له خرافة تعرض عنها العقول، لأن ابتداء التطور يحتاج إلي شيء جديد في العالم وحدوث التطور بغير ابتداء تناقض لا يسوغه في اللسان فضلا عن الفكر أو الخيال.
والقول بالارتقاء الدائم عن طريق المصادفة زعم يهون معه التصديق بالخرافات وخوارق العادات في تركيب الأجسام والأحياء.
والقول بأن المادة تخلق العقل كالقول بأن الحجر يخلق البيت، وأن البيت يخلق الساكن فيه، وأيسر من ذلك عقلا.. بل ألزم من ذلك عقلا أن يقول ان العقل والمادة موجودان وأن احدهما بأن يسبق الآخر ويخلقه وهو العقل، لأن المادة لا توجد من هو أفضل منها، وفاقد الشيء لا يعطيه..
فأنا أؤمن بالله وراثة
وأؤمن بالله شعورا
وأؤمن بالله بعد تفكير طويل
هذا في مجال العقيدة..
هذه فلسفة كاتب كبير، أراد أن يعرف معني الإيمان فعرف بعقله وإحساسه وشعوره.. واهتدي إلي طريق الهدي والنور.. وليس كهؤلاء الذين يرددون كلمات جوفاء لا معني لها في الفضائيات.. وهدفهم: خالف تعرف.. أو أنهم تاهوا في ظلام أفكار سخيفة لا تسمن ولا تغني من جوع.
الاعتدال الفكري
الدكتور تركي نجيب محمود مفكر فيلسوف وباحث، وليس هناك دارس للفلسفة في مصر وعالمنا العربي لم يتأثر بشكل أو بآخر بهذا المفكر الكبير، الذي أطلق عليه فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة.
وكانت لي مع هذا المفكر الكبير حوارات طويلة، ويقفز في ذهني الآن رؤيته للتطرف الذي يفضي إلي الفساد.. وما نحن فيه الآن من مشكلات سببها التطرف الأعمي والبعد عن الاعتدال.
ولو كان الدكتور زكي نجيب محمود بيننا اليوم، ورأي ما يحدث علي الساحة المصرية والعربية من أحداث، لكان تعليقه علي تلك الأحداث هو نفس ما عبر عنه عندما سألته يوما: كيف نعلم شبابنا معني الاعتدال الفكري حتي لا تجرفهم رياح التعصب؟
قال لي ما ملخصه:
أريد أن أشير إلي حقيقتين هامتين هما اللتان توضحان لنا موقف شبابنا الآن.
أما الحقيقة الأولي فهي أن التطرف موقف لا علمي وهو موقف انفعالي أكثر منه موقفا علميا.
وهو موقف سهل لا عسر فيه.
فمن السهل جدا حتي علي الطفل الصغير أن يقول إنه يستطيع أن يبلغ الشمس، أو أنه يستطيع أن يكون سلطانا علي هذه الدنيا.
والحقيقة الثانية التي أضعها بين يدي القارئ قبل الاجابة علي السؤال هي أن المتطرف في ناحية إذا أحس بفشله في التطرف الذي يتمسك به نراه يقفز إلي التطرف النقيض.
فكثيرا جدا ما رأينا المتطرف الديني إذا أراد أن يغير موقفه تطرف في الشيوعية..!
مع أن التدين والإيمان بالشيوعية نقيضان، ونحن نسأل: كيف يحدث هذا الانتقال المفاجئ من النقيض إلي نقيضه بهذه السرعة؟
والإجابة علي ذلك أن التطرف مسألة سهلة فيسهل الانتقال من تطرف إلي تطرف.
فالتوسط هو الذي يحتاج إلي معرفة.. وإلي عقل.. وإلي تحليل المواقف إلي عناصرها.. ثم هو يحتاج فضلا عن ذلك كله إلي قدرة علي ضبط الانفعال.
ونعود إلي السؤال: كيف نجعل شبابنا في موقف الاعتدال؟
وجوابي: أن ذلك يأتي نتيجة تربية عقلية مصحوبة بتحصيل معرفة غزيرة تدور حول الموضوع الذي يراد من الشباب أن يتخذوا فيه موقفا.
واستطرد:
ولكن الذي يحدث الآن أن الشباب يتلقون تعليما ضعيفا في المدارس والجامعات فلا تبرز لهم أهمية استخدام المنطق العقلي وأهمية التزود بالمعرفة العلمية قبل مواجهة الواقع بما فيه من مشكلات.
و.. ما كان أجمل الحوارات في هذا الزمن الجميل الذي ضم هذه القامات العالية في الفكر والثقافة الرفيعة والفهم المستنير للدين.
وكلمة مضيئة
يارب أهلني لفضلك واكفني
شطط العقول، وفتنة الأفكار
اسماعيل صبري


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.