هل أصبحت القيم الليبرالية التي تؤمن بها أغلب دول أوروبا في خطر الآن.. تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي في اعقاب الاسفتاء الذي اجري هناك تشير كلها إلي ان الليبرالية أحد عوامل تفكك هذه الدول. هذه النظرة يتبناها الكثير من المفكرين ومنهم ستيفن والت أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفرد الأمريكية الذي يري ان العالم مقبل علي فترة تسير فيه الديمقراطيات التي كانت قوية إلي الهشاشة وان ماحدث في بريطانيا مؤخرا بداية لانهيار النظام العالمي الليبرالي فخلال التسعينيات اعتقد الكثير من المفكرين أن الأنظمة السياسية الليبرالية ستكون موجة المستقبل وستشمل معظم أنحاء العالم. فقدهزمت امريكا وحلفاؤها الديمقراطيون الفاشية ثم الشيوعية واعتقدوا ان هذه الافكار ستختفي في نهاية التاريخ. وبدا الاتحاد الأوروبي تجربةً جريئة في السيادة المشتركة التي ابعدت الحرب عن معظم دول أوروبا. ويعتقد الليبرالي روجر كوهين الكاتب بصحيفة نيويورك تايمز أن قوي التفكك اصبحت علي الطريق وأن الأسس التي قام عليها العالم بعد الحروب تهتز حالياً... وقد حذر الكتاب الأبيض الصادر عن المنتدي الاقتصادي العالمي في أبريل الماضي من أن النظام الليبرالي في العالم يواجه تحديات من العديد من القوي في العالم وبالتحديد النظم الحكومية المستبدة والحركات الأصولية المعادية للليبرالية. هذه المخاوف مفهومة في دول مثل روسيا والصين والهند وتركيا وحتي في امريكا.. حيث تقع هذه الشعوب امام خيارين إما الاستبداد أو الحنين إلي زعيم قوي يتخذ سياسات جريئة تجرف السخط الحالي. ووفقاً للخبير الديموقراطي لاري دايموند، فقد انهارت الديموقراطية في 27 دولة حول العالم في الفترة من عام 2000 إلي عام 2015 في حين أن العديد من الأنظمة الاستبدادية القائمة أصبحت أٌقل انفتاحاً، وشفافية، واستجابة لمواطنيها. وفي الوقت الذي صوتت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي.. تتجه دول مثل بولندا والمجر وإسرائيل إلي سياسات غير ليبرالية كما ان احد الأحزاب السياسية الرئيسية في أمريكا علي وشك انتخاب مرشح رئاسي يشجب علنا التسامح الذي يعتبر أساسيا في المجتمع الليبرالي ويؤكد علي معتقدات عنصرية ونظريات مؤامرة لا أساس لها ويشكك في فكرة وجود سلطة قضائية مستقلة ويري ستيفن والت ان المشكلة الأولي لليبرالية هي ان المدافعين عنها بالغوا في بيع المنتج. فقد اشيع انه إذا استمر سقوط الطغاة وعقدت الكثير من الدول انتخابات حرة ودافعت عن حرية التعبير فسوف ينتشر الازدهار وأي خلافات سياسية عالقة سيتم احتوائها بسهولة في إطار نظام ليبرالي. لكن اثبت الوقع ان هذا التصور لم يكن صحيحاً. فالأمور لم تسر علي نحو سلس فقد تعرضت بعض الجماعات في المجتمعات الليبرالية للضرر نتيجة لبعض التطورات دفعتها إلي رد فعل معاكس. كما ارتكبت النخب في العديد من الدول الليبرالية أخطاء كبيرة مثل فرض اليورووغزو العراق وأفغانستان والأزمة المالية عام 2008. هذه الأخطاء وغيرها ساعدت في تقويض شرعية نظام ما بعد الحرب الباردة وفتحت الباب لقوي غير ليبرالية. في الوقت نفسه واجهت جهود نشر نظام عالمي ليبرالي أيضًا معارضة متوقعة من قادة وجماعات تعرضوا لتهديد مباشرمنها كما نسي الليبراليون أيضا أن المجتمعات الناجحة تتطلب أكثر من المؤسسات الرسمية للديمقراطية. فهي تعتمد أيضاعلي التزام واسع وعميق بالقيم الأساسية للمجتمع الليبرالي وأبرزها التسامح. فقدت أظهرت الأحداث في العراق وأفغانستان وأماكن أخري عديدة إن كتابة الدستوروتشكيل الأحزاب السياسية وإجراء انتخابات حرة لن ينتج نظام ليبرالي إلا إذا تبني الأفراد والجماعات في المجتمع أيضًا المعايير الليبرالية. وهذا التبني لا يمكن أن يتطور بين عشية أو ضحاها أو أن يتم حقنه من الخارج وبالتأكيد لا يمكن نشره بالطائرات بدون طيار والقوات الخاصة وغيرها من ادوات العنف. وكان من الواضح ايضا أن ليبراليي ما بعد الحرب الباردة استهانوا بدور القومية وغيرها من أشكال الهوية المحلية بما في ذلك الطائفية والعرقية والقبلية وافترضوا أن هذه الروابط سوف تختفي تدريجيًا. لكن تبين أن عديد من الناس في كثير من الأماكن يتمسكون بهذه الروابط التقليدية أكثر مما يهتمون بالحرية. وقد يعتقد الغرب أن القيم الليبرالية صالحة للتطبيق عالمياً ولكن الحقيقة ان هناك قيم أخري تتغلب عليها. مثل الهوية الوطنية والتاريخ وغيرها..وتظهر في الأفق مع أي تغير اجتماعي سريع وغير متوقع خاصة عندما تضطر المجتمعات إلي دمج واستيعات آخرين من خلفيات مختلفة وفي فترة قصيرة. يمكن لليبراليين التحدث عما يريدوه من قيم التسامح ومميزات التعدد الثقافي ولكن الحقيقة هي أن مزج الثقافات في بوتقة واحدة ليس أمراً سهلاً علي الإطلاق الحقيقة كما يري ستيفن والت هو أن المجتمعات الليبرالية عرضة للاختطاف من قبل مجموعات أو أفراد يستغلون الحريات ذاتها التي تقوم عليها المجتمعات الليبرالية كما اثبت المرشح الجمهوري دونالد ترامب علي مدار العام الماضي (ومن قبله جان ماري لوبان في فرنسا وأردوغان في تركيا وكيرت فيلدرز في هولندا)وهناك حركات سياسية في تلك الدول لا تؤمن بالديمقراطية إلا بالقدر الذي يحقق لها المصالح الحزبية دون اقتناع كامل بما تعنيه أفكار الليبرالية والتسامح والانفتاح.