منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير وبدء الهجوم علي وكر الفساد الذي كان يعشش في جميع أركان النظام السابق, أصبح كشف قضايا الفساد والتحقيق مع الفاسدين هو العنوان الأبرز كل يوم.. وما بين مئات الملايين والمليارات من الجنيهات وقف المصري يتحسر علي حال بلده بعد أن أوهمه من كانت بيدهم مقاليد الأمور أن حالها لا يختلف عن حالة المتمسك بشظف العيش بالكاد, فإذا به يصحو علي حقيقة مفزعة تدور حول جرائم سرقة ونهب وتربح من وراء ثروات البلاد والعباد يقوم بها أشخاص ما بين مسئولين ورجال أعمال, بعضهم الآن وراء القضبان ينتظر حكم القضاء, غير أن ما آلت إليه الأحوال بعد كل هذا الفساد, فضلا عن حجم الثروات المصرية التي نهبها هؤلاء, كان وراء أطروحات بقبول المصالحة مع بعض الفاسدين بشرط استرداد البلاد ثرواتها المنهوبة, وذلك بضوابط يعكف علي وضعها حاليا بمشروع القرار الذي اقترحه الدكتور يحيي الجمل نائب رئيس مجلس الوزراء بمشاركة عدد من القانونيين لعرضه علي المجلس العسكري, انطلاقا من تجربة جنوب إفريقيا عندما شكلت لجنة مثيلة عقب إعلان سقوط نظام الحكم العنصري بها, وهي لجنة المصالحة والحقيقة لتنطلق بعدها البلاد في التقدم نحو التنمية والديمقراطية, وكذلك المغرب بلجنة الإنصاف والحقيقة, غير أن هذا المقترح قوبل بانقسام شديد في الآراء حوله. وما بين موافق بحجة الاستفادة من الأموال المستردة في الانطلاق نحو المستقبل, خاصة في الوضع الاقتصادي الراهن, ومعارض يري في الحل سماحا لا يستحقه هؤلاء المفسدون الذين لوثوا الحياة, وحرموا المصريين من خيرات بلادهم, يقف القرار منتظرا الحسم, فضلا عن فقدان عبرة الردع المستقبلي لكل من تسول له نفسه المساس بالمال العام مستقبلا, خاصة أن الاقتراح نفسه كان قد عرضه بعض من يتم التحقيق معهم حاليا من مسئولين ورجال أعمال مثل أحمد عز, ومحمد عهدي فضلي, ولم يتم الرد عليه حتي الآن. القانون لا يعرف التصالح في البداية يقول الدكتور محمد ميرغني العميد السابق لكلية الحقوق جامعة عين شمس: القانون لا يعرف التصالح.. من ارتكب جريمة لابد من محاسبته وعقابه, منتقدا التفكير في التصالح في قضايا الفساد التي تمثل جرائم تم ارتكابها في حق الوطن والمواطنين الذين تجب موافقتهم جميعا قبل البدء في هذا الإجراء, الذي وصفه بالتخاذل وعدم الحسم. وأوضح ميرغني أن هؤلاء ستتم محاكمتهم أمام القضاء الذي سيحكم في حال ثبوت تورطهم برد الأموال إلي جانب العقوبة التي سيقدرها القاضي بدءا من السجن المؤبد وحتي الحبس مع وقف التنفيذ, مشيرا إلي المادة17 من قانون العقوبات التي تسمح للقاضي بدرجتين من درجات العقوبة حسب تقدير حال ارتكاب الجريمة. غير أن المستشار مختار غباشي نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية قدم رؤية مختلفة للأمر, لافتا إلي أنه في كل الأحوال ليس في الاستطاعة استرجاع جميع الأموال التي تم نهبها, خاصة التي تم تهريبها للخارج والتي وافق مجلس الوزراء أخيرا علي تشكيل لجنة قضائية لاستعادتها, مع تأكيد الإسراع في إجراءات التقاضي, وهو ما يجعل مسألة التصالح لها اعتبارها. وأوضح غباشي أن لجنة المصالحة المقترحة يجب أن تكون مدنية تضم خبراء يتم انتقاؤهم بعناية في مجالات الزراعة والأراضي, والاقتصاد, والتجارة وغيرها, مع وجود مكون قضائي وقانوني, علي أن تأتي بصلاحيات محددة تنتهي بانتهاء عملها الذي سيشمل الفترة محددة منذ عام1981 وحتي2011, علي أن يتم تحويل تقاريرها إلي النائب العام, ويكون القصد أن المصالحة تتم في المسألة المالية إذا لم ترتب ضررا, بمعني أنه في حالة كان الفساد قد تم بشكل قانوني مثلما الحال مع بيع الأراضي بسعر أقل من قيمتها الحقيقية, فإن إعلان الحقيقة ورد الأموال بما ترتب عليها من أرباح مقابل العفو هو الأنسب, مشيرا إلي أنه لابد من الأخذ في الاعتبار أن الفساد كان مستشريا في جميع الإدارات, وأننا حاليا في مرحلة انتقالية تحتاج نوعا من الحكمة في إدارتها. وحول فساد المسئولين من وزراء ورؤساء هيئات ممن أخلوا بواجبات مسئولياتهم, سواء لمصلحتهم الشخصية, أو تسهيلهم الفساد لغيرهم, أكد غباشي أن الأمر هنا منته بضرورة المعاقبة الجنائية في حق من ثبت فساده من المسئولين بتهم الإضرار العمد بالمال العام, وخيانة الأمانة, والإفساد, مطالبا بتغليظ العقوبة ليكون ذلك رادعا لغيرهم مستقبلا. مخاوف المجتمع خبراء الاقتصاد من جانبهم اتفقوا علي الترحيب بمبدأ المصالحة مقابل عودة الأموال لخزانة الدولة في ظل وضع اقتصادي حال يتطلب الإسراع بوتيرة التنمية تفاديا لتفاقم المشكلات, إلا أنه بمواجهتهم بمخاوف المجتمع والرأي العام من أن يكون ذلك بابا للفساد المستقبلي أوضح الدكتور عبدالمطلب عبدالحميد عميد مركز البحوث الاقتصادية بأكاديمية السادات للعلوم الإدارية, أن هذا الهاجس له اعتباره في ظل طوفان من الفساد يتم الإعلان عنه تباعا, غير أنه أكد أن الحلول الودية في مثل الظروف الحالية تكون أكثر فاعلية من الطرق القانونية والجنائية, مشيرا إلي أنه في بعض القضايا التي تنظرها المحاكم الاقتصادية مثل قضايا الشيكات وغيرها يتم عرض الحل الودي في مقابل إلغاء العقوبة التي يكون تقديرها وتنفيذها في الأساس لأن المتهم لم يقم بالسداد. وقال عبدالمطلب: الوقت يلعب دورا كبيرا في المرحلة الحالية ولابد من الإسراع في استعادة الأموال الضائعة وإعادة ضخها في الاقتصاد, بما يعود بالفائدة المطلوبة في ظل الظروف الراهنة, فمن المنظور الاقتصادي التصالح أكثر فائدة من انتظار نتائج التحقيقات التي ستستغرق الكثير من الوقت, خاصة أنه يتم التعامل بالقوانين العادية, بالإضافة إلي اتساع دائرة الفساد وكثرة عدد القضايا بما سيستغرق مزيدا من الوقت ليس في مصلحة الاقتصاد المصري. ولفت عبدالمطلب إلي إيجابية حالة اليقظة عند المجتمع حاليا بما يطرح أن فكر التصالح يكون في المرحلة الراهنة علي أنه فور الانتهاء من ذلك يتم وضع ضوابط صارمة مع الإصلاح الجديد في إطار المؤسسات الدستورية والدستور الجديد للبلاد, بما يكون له مردود إيجابي علي مناخ الاستثمار والتقدم الاقتصادي, مطالبا بتشكيل كيان لمكافحة الفساد دوره تتبع الحلقات الخفية وراءه, علي أن تكون مهمته الأساسية متمثلة في إجراءات فورية للمكافحة. جهاز رصد الفساد واتفق معه في المطلب الدكتور شريف دلاور الخبير الاقتصادي مقترحا أن يكون اسمه جهاز رصد الفساد مع التعامل برؤية مختلفة في عمل أجهزة الرقابة والمحاسبة مستقبلا, علي أن تتوازي مع ذلك إجراءات متمثلة في تشريعات جديدة تقضي بالشفافية الكاملة بشأن جميع المؤسسات الحكومية والخاصة, مع تفعيل ما كان يطلق عليه إقرار الثروة للأفراد, علي أن يتم تقديمه كل ثلاث سنوات متضمنا أي زيادة فيما يمتلكه, مع توضيح مصدره, ضاربا المثل بالولايات المتحدةالأمريكية التي يجرم فيها عدم الإعلان عن الأرصدة والأموال, أو أي حسابات مالية خارج أمريكا. وقال دلاور: نحن نواجه موقفا صعبا في الوقت الحالي نظرا لأن جميع قضايا الفساد الحالية تمت بالاستفادة من وضع كان قائما ومستقرا, فتخليص الأمور بالرشاوي وغيره مثلا كان ينظر له علي أنه القاعدة وليس الاستثناء, الأمر الذي يجعل المصالحة ورد الأموال أكثر جدوي مادامت لم تثبت في حق المتهم تهمة جنائية, مشيرا إلي أن المصالحة ليست مجرد أموال يستردها الاقتصاد الوطني فقط, لكن جانبا منها يأتي حفاظا علي كيانات اقتصادية يعمل بها آلاف العمال ولابد من حمايتهم وأسرهم, خاصة أن الملايين ممن ساندوا الثورة كانت مطالبهم تتمثل في العدالة الاقتصادية والقضاء علي الفقر والبطالة, والتعليم الجيد للأجيال من أجل مستقبل أفضل للبلاد. وشدد دلاور علي أن أخطر شيء علي الاقتصاد هو تعارض المصالح بين العام والخاص, في إشارة إلي رجال الأعمال المسئولين, حيث إنها مسألة محسومة طبقا للدستور والقانون الذي يمنع أي مسئول عام من الاستفادة من التعامل مع الدولة, سواء هو أو أقاربه من الدرجة الأولي قائلا: إذا كنا نتحدث عن مستقبل لمصر تسوده النزاهة والمحاسبة, فلابد من تشديد عقوبة من تثبت إدانتهم بالفساد من المسئولين ورجال الأعمال كنوع من العبرة والاعتبار للمستقبل, الذي يتطلب إدارة واعية, ورقابة مستيقظة. وحول الرؤية الاجتماعية وموقف الرأي العام من أطروحات المصالحة في قضايا الفساد التي أزعجت المجتمع يقول الدكتور أحمد حجازي أستاذ علم الاجتماع قبول المجتمع من عدمه سيتوقف علي كل حالة علي حدة, بشرط الإعلان بشفافية وصراحة ووضوح للرأي العام عن كل التفاصيل, فالمصارحة هي الطريق الأمثل للإقناع, مشيرا إلي أنه من الأفضل أن يكون التفاوض لاستعادة أكبر قدر من الأموال مقابل تقليل العقوبة, خاصة في القضايا التي تم تهريب الأموال فيها للخارج, والتي ستواجه صعوبة في استرجاعها, والاستفادة منها في دوران عجلة الإنتاج بما يعود بالخير علي المجتمع. ومن جانبه رفض الحقوقي نجاد البرعي رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان اللجنة ومبدأ المصالحة من الأساس, مؤكدا أنه نوع من الفساد, وأن إدراجه في الحياة السياسية في هذه الأوقات والتبشير به يرسي فسادا من نوع جديد. وانتقد البرعي المخاوف من الوضع الاقتصادي الحالي والدعوة للتفاوض مع الفاسدين بدعوي إنقاذه, موضحا أن ذلك نوع من البيروقراطية المصرية التي تبدو صعوبة إصلاحها قائلا: لا دخل لتسريع عجلة الإنتاج بذلك, ويذكرني بمن نهبوا البنوك, وبدلا من أن تسترد الدولة منهم الأموال تصالحت مع بعضهم وقبلت إعادة جزء من الدين فقط والعفو عنهم, وهو أمر غير مقبول, ولم يكن مجديا. وتابع البرعي: أنا مستاء جدا ويحز في نفسي أن تصدر مثل هذه الأفكار من وزارة قيل إنها وزارة الشعب, ويجب أن نسلم بأن من في الحكم الآن خذلونا, سواء بمثل هذه الأفكار, أو بالبطء الشديد في إجراءات محاكمة الفاسدين, مؤكدا أنه بالمحاكمات العادلة, وسرعة إصدار الأحكام وتنفيذها سنستطيع استرداد الأموال المنهوبة, سواء بالداخل أو بالخارج.