بيطري القاهرة تنفذ خطة تطوير شاملة تستهدف تأهيل خريجين    إطلاق الدورة الثانية من برنامج منح الزيارات القصيرة لنقل التكنولوجيا    محافظ الجيزة: رضا المواطن أولوية وخطة جديدة للنظافة والمياه والطاقة الشمسية    سعر الجنيه الذهب في الصاغة اليوم الإثنين (تحديث لحظي)    ارتفاع أسعار الحديد وانخفاض الأسمنت اليوم الإثنين 27 أبريل 2026    فرنسا: الحلول المؤقتة للأزمة الإيرانية لم تعد كافية وعلى طهران تقديم تنازلات كبيرة    المصري يخطف فوزا ثمينا من سموحة في الدوري الممتاز (صور)    خلافات ملكية منزل تشعل مشاجرة في البحيرة، والأمن يكشف ملابسات فيديو متداول    موعد انطلاق امتحانات نهاية العام الدراسي بالجامعات 2026    الأدلة الجنائية وكاميرات المراقبة تقود التحقيق في مقتل زوجين بالزقازيق    بدء حفل افتتاح مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    وزير الداخلية يبحث مع وزير الأمن والحماية المدنية المالي تعزيز التعاون المشترك    وزير الخارجية يؤكد ل«ويتكوف» أهمية الاستمرار في التفاوض لتثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب    مجلس الشيوخ يناقش تعديلات حازم الجندي بقانون التأمينات.. والنائب يدعو لفك التشابكات للحفاظ على أموال المعاشات    كما كشف في الجول - روسيا تعلن مواجهة منتخب مصر قبل كأس العالم وديا    وزير الرياضة يفتتح البطولة الإفريقية للمصارعة    أحمد حسام وعمرو ناصر يساندان الزمالك في لقاء إنبي    وقفة واجبة مع خطة الحكومة    رئيس الهيئة القبطية الإنجيلية: مبادرة «ازرع» لم تعد مجرد نشاط موسمي بل نموذج تنموي رائد    رئيس البرلمان العربي يعزي رئيس الوزراء المصري في وفاة والده    جميعهم سيدات.. أسماء مصابي حريق 5 منازل بقنا    في واقعة الفيديوهات.. الاقتصادية تقضي بعدم الاختصاص في محاكمة طليق رحمة محسن    تأجيل محاكمة 73 متهما بقضية خلية اللجان النوعية بالتجمع لجلسة 24 يونيو    محافظة القدس: اقتحامات مستمرة واعتقالات ومداهمات عنيفة شمال المدينة    نادية مصطفى تنفي شائعة وفاة هاني شاكر وتؤكد: المصدر الوحيد لأخباره أسرته أو النقابة    جيسون ستاثام يعود بالأكشن والإثارة في Mutiny.. الموعد والقصة والأبطال    هل يجب إخبار الخاطب أو المخطوبة بالعيوب قبل الزواج؟ أمينة الفتوى توضح الضوابط الشرعية (فيديو)    حكم المصافحة بعد الصلاة في الجماعة.. دار الإفتاء المصرية توضح هل هي سنة أم بدعة    الفرق بين المشروبات المهدئة والمنشطة ومتى نستخدمهما ؟    رمضان عبد المعز يروى أجمل قصة عن الثقة في الله في "لعلهم يفقهون"    سفير الصومال لدى مصر يبحث مع نظيره الجيبوتي سبل تعزيز الشراكة    تمت المراجعة// مع ارتفاع مدخلات الإنتاج وانخفاض الأسعار.. خسائر بالملايين لمزارعى محصول الفراولة    أيمن بهجت قمر يحسم الجدل حول زواجه ويعلق على شائعات السوشيال ميديا    تسليم مساعدات مالية ل30 عروسة من الأيتام وتكريم حفظة القرآن ببني سويف    قبل ما تفسخ الخطوبة.. اعرف هتخسر إيه فى مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين    الطقس غدا.. ارتفاع بالحرارة بمعدل 3 درجات وشبورة صباحا والعظمى بالقاهرة 29    محافظ البحيرة: توريد أكثر من 9603 طن قمح للشون والصوامع حتى صباح اليوم    شوارع الإسكندرية تتزين بشعار مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير قبل انطلاقه    دوري أبطال أوروبا 2025/2026 – من سيفوز، باريس سان جيرمان أم بايرن ميونخ؟    "قانون العمل الجديد والامتيازات المتاحة للمرأة" ندوة توعوية بجامعة العاصمة    وزير الصحة يشارك في افتتاح قمة الصحة العالمية بنيروبي    الأربعاء.. المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية يحتفل ب "اليوم العالمي للرقص"    محافظ الجيزة ينعى والد الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء    الصحفيين تعلن أسماء المرشحين لانتخابات شعبة محرري «الصحة»    حفل جديد لفرقة الإنشاد الديني على مسرح معهد الموسيقى العربية    التأمين الصحي الشامل ينقذ حياة طفلة بعد ابتلاع "دبوس" ودخوله إلى القصبة الهوائية    الرئيس السيسي يوجه بضرورة تقديم أقصى درجات الرعاية لأبناء الوطن في الخارج    غدا.. «العلم والإلحاد» حلقة خاصة لمعز مسعود على شاشة التليفزيون المصري    الزمالك ينعى اللواء كمال مدبولى والد رئيس الوزراء    قائد مدفعية وأحد أبطال حرب أكتوبر، محطات في حياة الراحل كمال مدبولي (بروفايل)    الصحة تطلق برنامجاً تدريبياً لتطوير فرق الطوارئ الطبية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية    محاولة اغتيال ترامب| الرئيس الأمريكي يكشف تفاصيل جديدة    أشرف نصار يكشف لليوم السابع حقيقة الصفقة التبادلية مع الأهلي لضم أسامة فيصل    مصرع شاب صدمه قطار خلال محاولته عبور السكة الحديد في العياط    ريال مدريد يشترط 60 مليون يورو لرحيل لاعبه    تأجيل إعادة إجراءات محاكمة عامل بتهمة الشروع في قتل زميله بالمعصرة    القصر العيني يُطلق استعداداته للمئوية الثانية.. اجتماع اللجنة العليا السابع يُقرّ خطط التوثيق والإعلام والشراكات الدولية    الأنبا بولا: "محضر الخطوبة" في قانون الأسرة المسيحية بصيغة جديدة ملزمة.. وشهادات وفحوصات قبل إتمامها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



آثار العتمة
نشر في الأهرام المسائي يوم 21 - 11 - 2010

نحتاج باستمرار إلي كثير من التفاهات لملء الفراغ المريب الذي يسبب زلزالا يدفعنا إلي دخول الحروب كما ندخل اي مقهي‏.‏لم تبق من الخطاطات الواضحة غير اوراق منفصلة وتعليقات متصلة بالموضوع من قريب ومن بعيد‏,‏ في ملف متنوع الأوراق‏,‏ بألوان مختلفة‏,‏ يهم
ما كتب خلال الأيام الأربعة قبل اختفاء سمير الزعفراني‏,‏ من الجمعة إلي يوم الاثنين‏,‏ وكلها تشير إلي أن الحياة المتشكلة في هذا الشارع أفرزت نصا بعنوان شارع‏..‏ آخر الملائكة‏.‏ وان اسم بشير سيف الحق‏,‏ هو بشير السيفي‏..‏ فيما باقي المحاور المحركة لهذه الحياة هي العبث والخراب والملائكة دون تأويل‏..‏ حياة خالية من التأويل‏(‏ صفر تأويل‏).‏
عاد بشير إلي الحديث عن موضوع جديد بعد استنفاد حكاياته عن السرير‏,‏ شارحا كما تعود‏,‏ في المقهي لاصدقائه‏,‏ وهو ما سيستكمله لاتباعه في شارع الملائكة‏,‏ وتحديدا حينما جمع الحكماء الخمسة وأخبرهم انه سيعلن لأتباعه ومريديه بداية بحثه عن تاريخ الضحك المغربي في ألف سنة‏..‏ وذلك من خلال الاشتغال علي عينات من الجماجم‏,‏ مستخدما طريقة علمية وحديثة‏.‏
يوم الأحد شاع الخبر‏.‏
الشيخ البشير دخل في رموز ربانية ستشرح غموض مرحلة ألف سنة من تاريخ الشعب المغربي‏,‏ فاشتغلت الآلة وتكلم الدكتور طويلا‏,‏ كما جمع العيساوي‏,‏ في حلقاته المسائية بالساحة الكبري‏,‏ عموم رواده علي حديث الضحك وما ينوي البشير التنقيب عنه‏.‏
انتبه الناس‏,‏ وكأنهم لأول مرة يكتشفون شيئا يملكونه‏,‏ وهم عنه غافلون‏,‏ فبدأوا يجربون ما يملكون من ضحكات في كل الأوقات‏,‏ تتحول في أحايين كثيرة إلي نهيق ونعيق وبكاء وعويل وصراخ‏.‏
بعد زوال يوم الاثنين‏,‏ وهو بالمقهي‏,‏ وبعدما دخن شقوفا عامرة بأجود الكيف من يد العيساوي وحمو‏..‏ صرح بأن البحث في تاريخ الضحك المغربي‏,‏ لا يكلف عناء كبيرا لان عقودا عدة مشتتة في كل القرون السابقة‏,‏ خالية تماما من الضحك‏,‏ فيما هناك عقود أخري عرفت مايشبه الضحك‏,‏ أما الضحك المعبر عن الفرح والأمل فقليل ونادر وجزء كبير من هذا النادر نتيجة وهم‏.‏
يوم الثلاثاء خرج‏,‏ علي غير عادته باكرا‏,‏ محاطا بحمو وبنطور‏..‏ فوق دراجته الهوائية إلي الحقول‏,‏ بمعاول يحفرون بحثا عن قبور وآثار جديدة‏...‏ ولم يعودوا إلا قبيل غروب الشمس بقليل‏..‏ توجهوا نحو المقهي حيث جاءهم حمو بخبز مليء بمرق الكرشة‏..‏ فوجدوا سميرا مقتعدا يكتب كما يفعل مصطفي الخمري نفس الشيء في الركن الآخر‏.‏
يوم الأربعاء لم يعد هناك ضحك بالمرة‏.‏
في الواحدة ظهرا‏,‏ وقف العيساوي لاهثا أمام الانهماك العبثي لبشير رفقة حمو وبنطور وهم يحفرون صرخ في وجوههم‏.‏
الضحك هو اللي فينا آبنادم لقد خطفوا الزعفراني لم يعد هناك حفر أو ضحك او موضوع‏.‏
لم يعرف أحد لماذا اختطفوه‏,‏ وهو عائد في منتصف النهار من أمام باب المقهي‏,‏ وقف ثلاثة رجال غلاظ‏,‏ نزلوا من سيارة ايركات بيضاء‏,‏ بدون آية علامة تشير إلي هويتها‏,‏ وقبضوا علي سمير بعدما كلموه بعنف‏,‏ وشرعوا في جره إلي السيارة وهو يصرخ محاولا التملص منهم‏,‏ ولما خرج رواد المقهي للدفاع عنه‏,‏ واجههم واحد من الثلاثة بأنهم شرطة سرية‏,‏ وأخرج بطاقة صغيرة لم يظهر منها سوي خطين‏,‏ أحمر وأخضر وصورة بالألوان أدخلوه بقوة وانطلقوا في اتجاه المعتقل‏.‏
المشهد قديم لأنه صارخ‏(‏ او صامت‏,‏ فلن يغير من المعني شيئا‏)‏ يتفكر في ما مضي‏,‏ كهل فقد اناته‏,‏ وترك البجع يتناوب مع غياب البحر لاجتراح ما تبقي من عمر المشهد‏.‏
رصيف واسع ممدود خال من حركاته‏,‏ يتفكر بدوره في عزلته التي طالت في خوابيها المعتقة‏.‏
إحساس عميق جدا لا حدود لقعره أبدا‏,‏ ابحث بكل ايادي الحقيقية والمتخيلة‏,‏ فلا أجد أرضا‏,‏ أجد فقط شيئا هلاميا تتقزز له النفس‏.‏
سمير طوير الجنة
ليست هناك اوراق او وثائق تضيء فترة اعتقال سمير الزعفراني‏,‏ كما انه حينما أفرج عنه‏,‏ لم يمض وقت طويل علي موته في حادث سيارة‏,‏ حامت حولها شكوك شبه أكيدة‏.‏
ولم يبق من شيء يمكن البحث فيه سوي ما خلفه خلال الأربعة أيام‏.‏
إنه‏,‏ فعلا‏,‏ أمر محير‏,‏ ولا علاقة له بتدبير في الحكاية‏,‏ لأن جميع الاوراق والمسودات والخطاطات لا تحتوي علي إفادة صريحة او غير صريحة تفسر ما وقع لسمير‏,‏ اللهم تلك الإشارة اليتيمة التي وردت في الخطاطة الأولي حول إشكال سياسي من غير إضافة‏.‏
عدت إلي نسيان كل ما أعرف عن سمير‏,‏ لأبحث من جديد عنه غير متأثر بما علمت وسمعت من قبل‏,‏ فذهبت إلي بني ملال مسقط رأسه‏.‏
ركبت الحافلة من المحطة الرئيسية‏,‏ ولم تنطلق إلا في الساعة الرابعة والنصف‏,‏ بعد عذاب في ليل صاهد يدفع بنبوءاته إلي فجر عجول حافلة بطيئة اختارت الطريق الأطول‏,‏ خلال أربع ساعات مررنا فيها من مدن خريبكة ووادي زم‏,‏ وأبي الجعد وقصبة تادلة‏..‏ حتي إني فكرت في نسيان الأمر برمته‏.‏
لم أستطع وفي فندق غير مسمي أو مصنف قريب من عين أسردون حجزت لثلاث ليال‏,‏ ثم بدأت في نفس اليوم‏,‏ بعد السادسة مساء‏,‏ في البحث والسؤال‏,‏ من خلال بعض العناوين والأسماء منطلقا من إفادات بعض جيرانه وأصدقائه في العمل علمت بحقائق جديدة عرفتني علي شخصية جديدة لا علم لنا بها خلال إقامة امتدت إلي ثلاثة أسابيع‏,‏ نصفها تنقلات خارج مدينة بني ملال‏,‏ خصوصا في الضواحي بالقصيبة وزاوية الشيخ وخنيفرة وعين اللوح‏,‏ ولا أعرف لماذا كان الحديث مع الجميع‏,‏ وبدون استثناء‏,‏ متعة حتي هيئ لي في لحظات أنني أسأل عن شخص عاش منذ قرنين سالفين‏,‏ لأن حجة سؤالي عنه أني كنت صديقا حميما له بالدر البيضاء‏,‏ وجئت لأعزي عائلته وأصدقاءه في وفاته‏,‏ مع الإشارة إلي اعتقاله والحادثة المدبرة‏,‏ حتي تكون هذه الإخباريات الأولية المركزة طعما للحديث عن سمير وحياته‏,‏ وهو ما أتاح لي جمع أخبار جديدة‏,‏ ووثائق سلمها لي بعض اصدقائه وصديقاته‏,‏ لم تسعف في إزالة كثير من الغموض الذي لا يزال في حاجة إلي تنقيب حقيقي وليس بحثا روائيا يتم فيه التعمار بأي كلام‏.‏
خيط واحد بسبعة الوان
عاش يتيما في الملجأ‏.‏
عثروا عليه كما هو مقيد في سجلات خاصة وهو ابن حوالي سنتين ونصف بأحد الأسواق الراقية بمدينة بني ملال‏,‏ ضائعا‏,‏ يحملق بعينين بريئتين لا تنظر إلي القدر الجديد‏,‏ ولم يفهم أحد هل تم التحلي عنه إراديا من طرف أم عازبة أم من طرف أبويه‏,‏ كما سجل تقرير الشرطة أم انه ليس من المدينة‏,‏ قتل أبواه وترك الطفل لمصيره‏,‏ كما ستخمن إحدي العاملات النقابيات بالملجأ‏.‏
حينما بلغ الثامنة عشرة من عمره‏,‏ خرج من الملجأ ليتمم دراسته الجامعية بمراكش‏,‏ ويعمل بالموازاة حتي يضمن لهذه الفترة دخولا إضافية عاش اربع سنوات بالحي الجامعي مثل امير متنكر‏,‏ له علاقات واسعة مع طلبة من مختلف التخصصات ومع الأساتذة ايضا‏,‏ ولم يسمع احد انه كان منتميا إلي فصيل طلابي أو يروج ويدافع عن آفكار معينة‏,‏ كما لم يمارس قط أي نشاط ثقافي‏,‏ موظفا قدراته الأدبية في كتابة بعض القصائد والنصوص الوصفية‏.‏
اشتهر بوجدانياته التي سببت له الكثير من المشاكل مع طلبة آخرين‏,‏ فقد كانت له موهبة الاستقطاب السريع‏,‏ إذ جل الطالبات يكلمهن ويضحك معهن‏,‏ ويتواعد مع من يريد‏,‏ ساعده في ذلك ذكاؤه الدراسي واحترام المدرسين له‏,‏ فهو يخوض نقاشات طويلة وعميقة ومثيرة‏.‏
كانت هذه النقطة عابرة‏,‏ ولا تهمني في بناء الرواية كثيرا‏,‏ ولكنني فكرت فيها باعتبارها احتمالا‏,‏ كما فكرت ان ابحث في اتجاه جملة عابرة سمعتها بالمقهي من السيد النشبة‏,‏ وهو مخبر قديم بدون تاريخ قال معقبا علي اختطاف سمير‏,‏ بأن امره عجب‏..‏ كيف للشرطة السياسية ان تخطف شخصا نظيفا مثل الصباح ثم قال‏:‏ الأمر فيه كيد له علاقة بالنساء‏!!‏ ألا يكون سمير قد خطف قلب حبيبة شخص أصبح فيما بعد مسئولا كبيرا أمنيا فتحين الفرصة انتقاما لحبه القديم المغتصب مثل هذا التفكير هو حماقة بالتأكيد‏!‏ ولكنه راودني‏.‏
كيف تكون جميع المعلومات التي حصلت عليها تحفر نفقا واحدا نحو سلطة الوجدان عند سمير أثناء مرحلة دراسته الثانوية أو الجامعية أو خلال عمله بالمحافظة العقارية التي التحق بها مباشرة عقب حصوله علي شهادة الإجازة‏.‏
ولكن عشرات الحكايات الوجدانية‏,‏ بل المئات منها ولا نكاد نعثر ولو علي واحدة‏,‏ تتحدث عن فاطمة جسري التي أحبها بسرية تامة‏,‏ علي الرغم أنهما درسا معا بالثانوية قبل ان تتجه‏,‏ هي لدراسة القانون إلي جانبه بنفس الجامعة حيث اتجه إلي شعبة الاقتصاد‏.‏
هل كان هذا الحب حقيقة أم وهما؟‏...‏ ولماذا احتفظ به لوحده؟ وكيف درسا معا؟ وانتقلت فاطمة لتشتغل محامية بمدينة سلطات‏,‏ ثم بعد خمس سنوات سينتقل إلي نفس المدينة‏,‏ وقد شاع أنه انتقال تأديبي والحقيقة انه لم يكن سوي طلب إرادي للانتقال‏.‏
إنها فاطمة جسري
في يوم رجوعي من بني ملال‏,‏ وأنا علي متن الحافلة‏,‏ حوالي الساعة السادسة صباحا‏,‏ كان بالي مشوشا‏,‏ أبحث عن أي سبب لأرمي عني حكاية الزعفراني جلست بمقعدي وأنا أرتب جلوسي‏,‏ استرخاء وتمهيدا لنوبات متقطعة من النوم‏...‏ تقدم وجلس إلي جانبي شاب له شنب مثير‏,‏ لم أدرك انه جزء من اللباس الرسمي لمهمة عجولة التفت إلي بسرعة قال لي‏:‏ عرفت انك تبحث عن أجوبة في حياة سي سمير الله يرحمه خذ هذه الرسالة‏,‏ إنها له‏,‏ وبخط يده ثم انسحب فاسحا الطريق لركاب مازالوا يتوافدون علي الحافلة التي بدا سائقها يضغط علي دواسها المزعج
اغمضت عيني وفتحت الرسالة‏,‏ وفي خاطري قرأت‏:‏
كالضباب‏..‏ بل كالأبخرة النفاذة برائحة الحنين‏,‏ ومذاق قاس يسري في الجسد واللحظة لا يستقر في مكان‏..‏ لا يتحرك في اتجاه واحد وإنما يتخايل آن سريانه‏,‏ ويتأمل‏..‏ أو كالذي يتأمل ثم يندفع‏,‏ ويبدو أنه يتبدد ليمحي لكنه توهم توحي به الأبخرة التي تستعيد رائحتها ومذاقها وأصواتها الروحانية الناسخة لأغراسها الأزلية في شغاف سريرية‏.‏
بل ما بينه وبين المشبهات إدراك لا مسافة‏,‏ ذوبان لا مرآة‏,‏ صراع محموم لا تشابه وتماثل أو انسجام‏,‏ والمشبهات هيئات له فقط‏.‏
انه روح المطلق المخصبة بالمتناقضات‏,‏ روح في هيئات لا محدودة‏,‏ وأشكال سرعان ما تضيق وتتمزق‏.‏ كأن هذه الروح‏,‏ وهي تحيا وتنمو‏,‏ لا يكفيها شكل واحد غير هيئة البداهة المتشكلة من بداهات‏.‏
لماذا العين هي السبيل الأول لهذا التشكل؟
لماذا العين تلتقط ثم ترسم جسورها البخارية نحو روح البداهة؟
لم يكن شيئا مألوفا‏,‏ ربما كان حلما يتكرر ولا يأتي إلا سريعا مثل وحي عزيز‏.‏ ربما صار حلما يتيما لن يتكرر لأن الله اختار أن يهب كل كائن هذه التجربة‏,‏ مرة واحدة في حياته‏.‏ ربما لم يكن شيئا مألوفا بالتأكيد‏.‏
حينما نظرت إليها بشكل خاطف‏,‏ كأني سعيت إلي التقاط الكل في الجزء الزمني الأصغر‏.‏ ربما باطني يلتمع كأقدار تاريخية اختزنت نقطة نور روحاني‏.‏ نقطة واحدة تكفي كي تكون ذخيرة لألف عام‏,‏ كلما تقدم العمر تضاعفت وصارت تكبر وتتقوي‏.‏
كما لو أنها تحولات تتموج‏,‏ قادتني لتحديد ذلك النور الملتقط والذي هرع متسابقا مع نفسه لم يعرف ماذا يقدم أو يؤخر‏,‏ لأنه كل مرن‏,‏ لن يفكر في البحث عن منافذ للعبور إلي توأمه‏,‏ نوري الباطني الذي كان مقيدا بدواخلي‏,‏ فذابت سلاسله لحظة عناقه والنور الهروع‏,‏ لحظة ساخنة ألهبت كل الزوايا الباردة والمهملة‏,‏ وأفرجت عن مشاعر برية غافية‏,‏ وحشية لم تعرف تشذيبات تحرف من استطالاتها الطبيعية والحرة‏.‏
ها وجهها الدائري‏,‏ أم خجلها الفاضح في احمرار‏...‏ يتراقص علي بشرة بيضاء‏,‏ اختلست بياض غيوم صيفية‏,‏ أم نظرتها من عينين بكريتين لم تعرفا بعد الكحل الرباني الذي يختط جسر المحبات اللامتناهية‏,‏ أم الماء الزلال‏..‏ يندلق من مقلتين تفوران بماء البراءة والطهارة والقدسية‏.‏
لم يكن لابتسامتها المتحفظة أو الطليقة أن تتأتي دون تناسق بين دائرية الوجه ونظراته المرهونة لوفاء الملائكة فقط‏.‏
الإحساس صوت من أصوات البداهة‏,‏ وهو شكل واحد للحب‏,‏ وتجلياته التي يهفو إليها‏.‏
هل الحب هو الوهم الأوحد والأقدم في هذا الوجود؟ قلت لها‏.‏ لكنها لم ترد أن يكون سؤالي مفتتح حوارنا‏.‏
هل الوهم هو الحب الوحيد في حياتنا؟ قالت
ألا يجوز أن يكون الوهم هو الشكل والهيئة التي تربط أزمتنا‏,‏ ماضيها بحاضرها بمستقبلها؟
‏***‏
انتهيت من قراءتها‏,‏ ثم فتحت عيني‏,‏ وكانت الحافلة قد أخذت طريقها‏.‏ أحسست بالضجر‏,‏ وهو ما قادني إلي اعتبار كل ما علمته أيضا كان مجرد توهيمات وأكاذيب‏,‏ والرسالة منه‏,‏ لإخفاء شيء آخر غير معلوم أو غير مجهول‏.‏
لماذا يبدأ خطابه بكلمة مثل‏:(‏ كالضباب‏),‏ أين ضاع المشبه‏,‏ ولماذا يختار تشبيهه بالضباب الذي يسير في السماء ولا يعرف أين ومتي سيصبح مطرا؟
لماذا يحتاج الكلام إلي تفسير دائما‏,‏ ويحتاج الصحو إلي اغفاءات؟ كل شيء يحتاج إلي نقيضه ليستمر‏,‏ وأنا أجد التفسير نقيضا لكل الكلام الخام‏.‏ ليس هناك شيء خام أبدا‏..‏ كل كلامنا هو تفسير للجملة الأولي الاعتباطية السائبة‏,‏ الجموحة‏...‏ لتقييد المعاني بالألفاظ‏.‏
نسيت أمر الرسالة‏,‏ وشردت أنظر إلي شساعة الحقول‏.‏
تذكرت شيئا مهما‏,‏ كنا في حاجة إلي بطل‏.‏ العيساوي استنفد زمنه وزمن غيره‏,‏ من بقي إذن؟ بشير‏,‏ هو دمية في يد كل الرواة‏,‏ بقي سمير الزعفراني وهو شخصية تحتاج إلي نقد ثقافي‏,‏ كونها تخبيء أسرارا تهم الحكاية‏,‏ أساسا‏,‏ وليس النقد الحكائي‏.‏ تذكرت‏,‏ ثانيا شيئا غير مهم ويتعلق باكتشاف طريف‏,‏ ينبني علي كون الحكاية برمتها تأخرت في التعبير عن روايتي‏,‏ وعبرت عن نفسها وعن شخصياتها‏,‏ وهذا خطأ فادح سقطت فيه‏,‏ ثم ان صوغ الفكرة التي ظلت في ذهني وسعيت إلي تشييدها تكمن في رصد حالة البلاد والعباد والنفس في أقل عدد من الصفحات‏,‏ وبأقل قطرات الحبر‏,‏ وضمن حيل وألغاز يختلط فيها العجيب بالمعطي البوليسي‏,‏ بالسرد الواقعي‏,‏ بسرود مقطعية‏,‏ يتداخل عبرها الحكي بالنقد‏.‏
لم أعرف كيف انزلقت وانحرفت عن بناء هذا التصور الذي أتبناه‏,‏ وخلاصته أن سمير الزعفراني قتل في سيارة مفخخة‏.‏ قيل‏..‏ في نشرة أخبار الواحدة ظهرا انها كانت لانتحاري شن هجوما بالقرب من احدي السفارات الأوروبية الصديقة‏..‏ وقبله كان أبوه الداودي الزعفراني‏,‏ في سنة‏1973,‏ قد اتهم بقلب النظام وحكم عليه بالاعدام رميا بمائة رصاصة ورصاصة‏.‏ أما جده محمد الزعفراني‏,‏ والذي عرف بوطنيته ومقاومته للاستعمار‏,‏ فإنه وجد في اليوم السابع من إعلان استقلال البلاد‏,‏ مقتولا ومرميا في وادي أبي رقراق بين مدينتي الرباط وسلا‏.‏
كل هذا‏,‏ ولا نريد أن نفهم أن اتهام سمير بالإرهاب هو مسألة تؤكد تيمة التكرار في الحياة‏,‏ في القاتل والمقتول‏,‏ في الأساليب والأسباب ودوران الحياة علي الخواء‏,‏ تطحن الزمان‏,‏ ولا يسمع إثره سوي الثرثرة‏.‏
موسيقي غامضة مصاحبة للنهاية
دقات عميقة من طبل دائري كبير‏.‏ دقات عن قرب‏,‏ تسمع ثم تتباعد‏,‏ وتختلط مع دقات نفس الطبل وسط ماء البحر‏,‏ وهي رخية متموجة وثقيلة‏.‏
رعشات متنوعة تفتتح نقرات أصبع رجولي علي خيط غليظ من كمنجة بلا عمر‏.‏
كأنها خيط رقيق انفلت من شجي الروح‏,‏ كأنها رقرقات وارتعاشات ساخنة‏,‏ كأنها دفء مذاق الزمان‏,‏ وجه الاحتمال الأبدي المصحوب بهرولة طفل يتيم في حقول الذرة‏.‏
أحسن سمير‏,‏ كما تخيلته‏,‏ بانتعاش لذيذ وثمل وهو يتذكر غضبها المتناثر مثل الريش‏,‏ يوم جاءت وارتمت علي صدره‏,‏ وكان الظلام ينظر إليهما بامتنان وهو يعض علي شفتيه‏.‏
أحس بشير‏,‏ كما تخيلته‏,‏ بانقباض وهو يتذكر أن الأوهام توجد فوق الأرض‏,‏ والحقائق تسبح في السماء وتغوص في باطن الأرض‏.‏
العيساوي روح كل الأوراح‏.‏
آثار العتمة تكسو الضوء وتخفيه ليخرج الجميع إلي الحياة‏,‏ يعيشونها فتتحول دون إرادتهم إلي حكايات خالصة لا تصلح أن تعاش‏.‏
روائي مغربي‏:‏ صدرت له خمس روايات هي‏(‏ مساء الشوق‏)‏ و‏(‏زمن الشاوية‏)‏ و‏(‏رائحة الجنة‏)‏ و‏(‏ مجازفات البيزنطي‏)‏ و‏(‏ لا أحد يستطيع القفز فوق مظلة‏).‏
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.