طقس اليوم: مائل للبرودة نهارا شديد البرودة ليلا على أغلب الأنحاء.. والعظمى بالقاهرة 19    وزير الدفاع الباكستاني: لقد نفد صبرنا والأن الحرب مفتوحة مع أفغانستان    أحمد هيكل: شركة القلعة تعرضت ل حرب ضارية.. هناك من حاول إفلاسنا متعمدا على مدار 11 عاما    استمرار توقف الملاحة والصيد بميناء البرلس لليوم الرابع بسبب سوء الأحوال الجوية    أحمد عبد الحميد: فقدان والدي وابنتي «قلمين» علّموني معنى الدنيا.. مكنتش أعرف الابتلاء    عراقجي: تقدم دبلوماسي جديد يقترب بإيران والولايات المتحدة من اتفاق محتمل    تصل إلى 12 مليون دولار، زيادة كبيرة في جوائز كأس الكونفدرالية    نتواصل بلا كلمات ونفهم بقلوبنا، "تربية بنات" بالأزهر تدعم طالباتها من ذوات الاحتياجات الخاصة (فيديو)    إعادة تشغيل مطار سوهاج الدولي بعد تطوير شامل ورفع كفاءة متكاملة    مفتي الجمهورية من جامعة دمياط: نصر أكتوبر نقل الأمة من الانكسار إلى أفق التمكين    أحمد عبد الحميد: والدي رفض «الواسطة» في الفن.. وأول رمضان من غيره صعب    تارا عبود: مشاركتي في مسلسلين بموسم رمضان 2026 كانت تحديًا كبيرًا    فتاوى القوارير| حكم تناول العقاقير لمنع نزول الحيض بهدف الصيام    تأملات في اسم الله «الوهاب» ودعوة لحسن الظن بالله واليقين بعطائه    لتزيين حلوياتك، طريقة عمل صوص الفراولة    مايا مرسي: الدولة لا تغض الطرف عن العنف ضد المرأة    من وصايا «سيد قطب» إلى قتل المدنيين.. تصاعد درامي لرسائل العنف في «رأس الأفعى»    أحمد عبد الحميد: إسماعيل ياسين حظه أكتر من موهبته    اللجنة المصرية تواصل تنفيذ حملتها لإفطار مليون صائم للأشقاء الفلسطينيين    حادث دهس ومحاولة هرب بالشارع السياحي بكرداسة | صور    برعاية تركي آل الشيخ.. «الترفيه» السعودية وMBC مصر توقعان عقد إنتاج مشترك    سقوط أمطار وانخفاض ملحوظ في درجات الحرارة بدمياط    فيديو | تفاصيل مشاجرة داخل مسجد بقنا.. خلافات قديمة بين «ولاد العم»    صور أقمار صناعية كشفت الخطة الكاملة.. كيف أبطلت الصين عنصر المفاجأة الأمريكي في حرب إيران؟    مفيد للضغط المرتفع وخطر على هؤلاء، خبير تغذية يحذر من تناول الكركديه في السحور    أذكار الصباح يوم الجمعة وفضلها وأفضل ما يُقال في هذا اليوم المبارك    دعاء الليلة التاسعة من شهر رمضان.. نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    منتخب مصر يخسر أمام مالي في تصفيات كأس العالم لكرة السلة    مستقبل وطن يطلق حملة «إفطار مسافر» بمحطة مصر في الإسكندرية    للمرة الأولى.. جراحة توسيع الصمام الميترالي بالبالون في مستشفيات جامعة قناة السويس    حادث مروع في جمصة.. مصرع شخص بعد سحبه داخل ماكينة ري بالدقهلية    ضبط 6 متهمين في مشاجرة بالشوم أمام مسجد بقرية في نجع حمادي بقنا    انطلاق سهرات الأوبرا الرمضانية بثلاث فعاليات مميزة في القاهرة والإسكندرية    لقاء سويدان تداعب كمال أبو رية على الهواء    إخلاء سبيل المتهمين في واقعة الاعتداء على سيدة ب«شومة» وإلقائها في ترعة بكفالة 2000 جنيه    أسطول الصمود العالمي يعتزم الإبحار مجددا نحو غزة بأكثر من 100 سفينة    كرة سلة - منتخب مصر يخسر من مالي في افتتاح تصفيات كأس العالم 2027    تريزيجيه وزيزو يشاركان فى مران الأهلى الجماعى استعداداً لمباراة زد    إصابة محمد شكرى بكدمة فى مشط القدم واللاعب يغيب عن مباراة الأهلى وزد    يايسله يتجاوز إنجاز جروس ويدخل تاريخ الأهلى فى الدورى السعودى    أول تعليق من لقاء سويدان عن حقيقة ارتباطها بأحمد عز    التجربة الثالثة.. ديميكليس مدربا ل ريال مايوركا    أخبار 24 ساعة.. الأوقاف تفتتح 35 مسجدًا جديدا اليوم ضمن خطتها لإعمار بيوت الله    مصدر أردني: إعداد خطة بديلة عن شراء المياه الإضافية من إسرائيل    كريستال بالاس يتأهل لثمن نهائى دورى المؤتمر الأوروبى لأول مرة فى تاريخه    مجلس جامعة المنيا يهنئ محافظ المنيا بتجديد ثقة القيادة السياسية ويؤكد استمرار التعاون المشترك    إنتاج 12 طنًا من الأسماك بمحطة تحضين الخاشعة ومفرخ المنزلة ضمن خطة دعم وتنمية الثروة السمكية    بعد اقتراحه بخصم 200 جنيه من طلاب المدارس الخاصة لبناء منشآت تعليمية جديدة.. قصة الصعود الغامض ل "ملياردير التعليم" نبيل دعبس.. ولماذا رفضت الكويت الاعتراف بشهادة مؤسساته؟    الجيزة الأزهرية تطلق برامج تدريبية في الحاسب الآلي والذكاء الاصطناعي    تموين شرق تضبط 6.5 أطنان سكر ناقص الوزن بالإسكندرية    رد ناري من لقاء سويدان على شائعات السحر.. فيديو    وزير الكهرباء: إعادة هيكلة القطاع وفصل الإنتاج عن التوزيع لتعزيز الشفافية وتحسين الخدمة    مواعيد مباريات دور ال 16 من دوري أبطال آسيا للنخبة    فوز القناة وتعادل الترسانة، نتائج مباريات الخميس في دوري المحترفين    الصحة: فحص أكثر من 719 ألف مولود ضمن مبادرة الكشف المبكر عن الأمراض الوراثية منذ انطلاقها    حملة تضليل متعمدة قبل الانتخابات بساعات، نقابة المهندسين بأسيوط تنفي شائعة وفاة رئيسها    توسيع الصمام الميترالى بالبالون وتقنية الشنيور بمستشفيات جامعة قناة السويس    الرئيس السيسي يجري اتصالًا هاتفيًا بشيخ الأزهر للاطمئنان على صحته    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يعقوب الشاروني حكايات جدتي فتحت لي نوافذ الكتابة للأطفال

هو أحد رواد أدب الأطفال في مصر والعالم العربي‏,‏ ولد عام‏1931‏ ودرس القانون‏,‏ وتدرج في مناصب القضاء حتي وصل لمنصب نائب رئيس هيئة قضايا الدولة‏(‏ رئيس محكمة‏
‏ عمل دراسات مختلفة في القانون والاقتصاد‏,‏ وأخذته الحياة الأدبية من القانون والاقتصاد ليعمل كمتخصص في أدب الطفل‏,‏ ويتقلد عددا من المناصب مثل‏:‏ رئيس المركز القومي لثقافة الطفل‏,‏ ومدير عام الثقافة الجماهيرية‏,‏ ومستشار وزير الثقافة لشئون الطفل‏..‏ سافر لفرنسا لدراسة أساليب العمل الثقافي بين الجماهير‏,‏ وحصل علي العديد من الجوائز أهمها جائزة الدولة الخاصة بالأدب سنة‏1960,‏ وأفضل كاتب أطفال عام‏1982,‏ وأفضل كاتب أطفال عن مجموع مؤلفاته عام‏1998,‏ وعام‏2003‏ حصل عن كتابه أفضل الحكايات الشعبيةعلي الجائزة الكبري لمعرض ابولونيا الدولي لكتب الأطفال بإيطاليا‏..‏ تاريخ حافل ومجموع أعمال يصل الي‏400‏ كتاب‏..‏ إنه يعقوب الشاروني الذي كان للأهرام المسائي هذا الحوار معه‏.‏
النشأة والتكوين
قلت له بداية أود لو أعطيتنا نبذة عن مرحلة النشأة والتكوين الملامح والبدايات كيف كانت وما هي المؤثرات التي ساهمت في تشكيل وجدانك ؟
‏**‏ قال ولدت في القاهرة في العاشر من فبراير عام‏1931,‏ وكنت الخامس بين تسعة أخوة‏,‏ خمسة ذكور وأربع إناث‏0‏ وقد نشأت في بيت به مكتبة كبيرة حيث كان والدي يهوي القراءة‏,‏ لكن الحقيقة أنني تأثرت كثير ا بأخي الأكبر الدكتور يوسف الشاروني الذي يكبرني بست سنوات‏,‏ والذي التحق بكلية الآداب قسم الفلسفة وعلم النفس بجامعة القاهرة‏,‏ وفي نفس العام كنت في السنة الرابعة الابتدائية‏,‏ استعد لأول امتحان في حياتي‏,‏ وهو امتحان الابتدائية‏0‏
وأضاف كنا نعيش في منزل كبير يمتلكه الوالد بمنطقة مصر القديمة‏,‏ تحيط به حديقة واسعة‏,‏ يظلل جانبا منها كرم عنب‏0‏ وأتاح لي هذا البيت المتسع‏,‏ أن تكون لي منذ طفولتي المبكرة غرفة خاصة‏,‏ وهو ما سمح لي بممارسة هواياتي في حرية‏,‏ وكان من أكثر ما أعتز به في غرفتي‏,‏ دولاب خشبي سميته‏'‏ مكتبتي‏'‏ وكانت أهم مصدر لما فيه من كتب‏,‏ وما أشتريه من سوق الكتب المستعملة علي سور الأزبكية الشهير‏,‏ بجوار ميدان العتبة في وسط القاهرة‏0‏ كان ذلك يحدث عادة وأنا في طريق العودة من دار الكتب‏,‏ فقد كنت معتادا أن أذهب إليها في يوم العطلة الأسبوعية‏,‏ بميدان باب الخلق‏,‏ أقرأ فيها الكتب غير المسموح باستعارتها
‏,‏ ومن أهم ما أذكره أنني قرأت في دار الكتب كتاب‏'‏ العيون اليواقظ في الحكم والأمثال والمواعظ‏'‏ لمحمد عثمان جلال‏0‏
وأستدرك قائلا أتاحت الحديقة الواسعة حول البيت‏,‏ الاحتكاك المباشر والدائم بالطبيعة‏,‏ فكنت ألعب مع أخوتي وأبناء الجيران الصغار‏,‏ ومن أهم ما أذكره من تلك الألعاب‏,‏ الأرجوحة العالية التي كانت عبارة عن حبل يربطه أخوتي الكبار في الفروع العالية لشجرة من شجرتين من أشجار السنط‏,‏ ثم يجلس الواحد منا فوق منتصف الحبل‏,‏ ويدفعه أحد الأخوة‏,‏ فيطير في الهواء إلي ارتفاع عشرة أمتار‏0‏ وكذلك الصعود فوق تكعيبة العنب‏,‏ للبحث عن العناقيد المختفية بين الأغصان‏0‏
ما بين النيل وحصن بابليون
وأضاف كان منزلنا يقع في منتصف المسافة بين النيل من الناحية الغربية‏,‏ وبقايا حصن بابليون المجاور لمحطة قطار‏'‏ مار جرجس‏'‏ ولعل هذا القرب الدائم من نهر النيل‏,‏ جعلني أدرك عمق إحساس أهل مصر الدائم منذ آلاف السنين وارتباطهم القوي بشريان حياتهم الرئيسي‏,‏ خصوصا وأن فصلي في مرحلة الروضة كان يشبه مظلة من النباتات علي شاطئ النيل تطل علي مجراه‏,‏ وفيما بعد كان مبني مدرستي الابتدائية والثانوية يطل أيضا علي مجري النيل‏0‏
ويأسف الشاروني قائلا إن اتساع القاهرة حرم الكثير من الأطفال من مشاهدة النيل ولو مرة في حياتهم‏0‏
وأضاف كثيرا ما ذهبت إلي مسجد عمرو بن العاص والي كنيس بن عزرا داخل دير مار جرجس لذلك شعرت منذ طفولتي أنني أعيش في منطقة تاريخية عريقة‏,‏ اجتمعت فيها الأديان الثلاثة متجاورة علي امتداد مئات السنين‏,‏ تظللها الروابط القوية بين أهل المنطقة كلهم‏,‏ مهما اختلفت دياناتهم‏0‏
علي طريقة مونتسوري
وقد التحقت في مرحلة الحضانة والروضة بالمدرسة الإنجليزية التي كانت موجودة في ذلك الوقت علي الناحية الشرقية لفرع النيل الصغير‏,‏ بالقرب من كوبري الملك الصالح‏0‏ ومع أن ذلك يرجع إلي عام‏1934,‏ فقد كانت تلك المدرسة تسير وفقا لمناهج مونتسوري التربوية والتي تعمل علي تنمية مختلف ملكات وحواس الطفل‏,‏ وتؤكد ضرورة اعتماد الطفل علي نفسه‏,‏ مع تنمية كل جوانب شخصيته‏0‏ وكانت مديرة المدرسة آنسة إنجليزية‏,‏ غير متزوجة‏,‏ أعطت المدرسة كل اهتمامها‏,‏ وعملت بأمانة بل وبتشدد أحيانا لتطبيق مبادئ وأساليب الدكتورة مونتسوري‏0‏ ومن هي مونتسوري هذه؟‏!‏
أجاب قائلا‏:‏ مونتسوري مربية إيطالية وطبيبة وصاحبة طريقة أصبحت مشهورة في العالم كله لتربية طفل ما قبل المدرسة‏,‏ وأهم مظاهر طريقتها‏,‏ تأكيد حرية الطفل في الحركة‏,‏ وتحسين الإدراك الحسي بالتدريب‏,‏ وتحسين تناسق الحركات بالألعاب‏,‏ وكان المعلم علي طريقتها مجرد مرشد ومراقب بعد أن يوفر للطفل المواد التعليمية الأساسية‏0‏
جدتي وحكاياتها
‏*‏ تقول إن الجدة هي الأصل أو الشجرة التي أنت أحد فروعها القصصية‏,‏ كيف ولماذا ؟
‏**‏ قال يعقوب الشاروني‏:‏ كانت جدتي تعيش معنا في المنزل بالقاهرة‏,‏ ولما كانت لا تستطيع السير لتقدمها في السن‏,‏ فكنت كثيرا ما أجلس بجوارها‏,‏ أستمع منها إلي مختلف الحكايات الشعبية‏,‏ وعلي وجه خاص إلي حكايات‏'‏ عقلة الأصبع‏'‏ أو‏'‏ نص نصيص‏'‏ التي شغلتني كثيرا في مرحلة الطفولة‏,‏ وقد جعلتني أؤلف من خلالها قصصا أبطالها هذا الفتي الصغير الذي لا يزيد حجمه علي أصبع الإبهام‏,‏ ومن بين الحكايات التي لا ينساها‏,‏ حكاية كتبتها فيما بعد لمسرح المدرسة‏,‏ ثم حولتها إلي مسرحية للعرائس‏,‏ وفي النهاية استوحيت فكرتها لكتابة قصة طويلة باسم‏'‏ خاتم السلطان‏'‏ ثم نشرتها ضمن سلسة المكتبات الخضراء للأطفال بدار المعارف‏,‏ وصدرت طبعتها الثامنة‏,‏ وهو ما يعني أنه تم بيع‏70‏ ألف نسخة منها‏0‏
أيام في شارونة
‏*‏ وهل هناك مؤثرات أخري ساهمت في بناء ذاكرة الفنان والأديب يعقوب الشاروني ؟
‏**‏ قال نعم‏00‏ كان هناك عامل آخر ترك أثرا كبيرا في تكوين شخصيتي واهتماماتي‏,‏ ذلك لأنني مولود بالقاهرة‏,‏ غير أنني كنت أذهب كل صيف لمدة شهرين أو ثلاثة‏,‏ في العطلة الصيفية‏,‏ إلي قرية والدتي‏'‏ جزيرة شارونة‏'‏ علي شاطئ النيل الشرقي المقابل لمدينة مغاغة أحد مراكز محافظة المنيا‏,‏ حيث كنت أعيش هناك في بيت جدي لوالدتي‏,‏ ذلك لأن جدي لوالدي والذي كان يعيش في نفس الجزيرة‏,‏ كان قد توفي قبل ولادتي بسنوات‏0‏
ويتذكر الشاروني كان جدي أحد القلائل النادرين في القرية‏,‏ الذين يمتلكون مكتبة صغيرة‏,‏ ويحرص علي مطالعة جريدة الأهرام ظهر كل يوم‏,‏ ويشتريها له العائدون من مغاغة بعد أن يعبروا النيل مع الفجر للبيع والشراء‏,‏ ويعودون إلي جزيرتهم عند الظهر أو مع العصر‏0‏
ويتذكر أيضا انه وجد في مكتبة جده نسخة من كتاب‏'‏ ألف ليلة وليلة‏'‏ طبعة الهند‏,‏ وقد بدأت في قراءتها في العطلة الصيفية التي أعقبت نهاية امتحانات نهاية العام للسنة الثانية الابتدائية‏,‏ والغريب أن يعقوب الشاروني يقول لك بصراحة لقد أحببت حياة القرية أكثر من المدينة‏0‏ ولعل ذلك يرجع إلي جو الحرية الذي كان يتيحه له عدم التقيد بمواعيد الدراسة‏0‏
‏*‏ وما الذي تبقي حيا في الذاكرة إلي اليوم من سنوات المدرسة‏,‏ وهل كان مدرسوك وراء نجاحك المستمر ؟
‏**‏ قال‏:‏ النجاح لا يأتي فجأة‏..‏ بدأ معي هذا الأمر عندما كنت في‏3‏ ابتدائي 9‏ سنوات‏,‏ في إحدي حصص الأستاذ‏'‏ عبد الحق‏'-‏ مدرس اللغة العربية‏-‏ تعمدت الجلوس منزويا بأحد الأركان في آخر الفصل حتي لا ينتبه إلي ويسألني‏.‏ بينما كان يراجع بعض المقررات‏,‏ كنت أضع أوراقا علي قدمي وأكتب‏,‏ وفجأة وجدته فوق رأسي يسألني بحدة‏:‏ ماذا تفعل؟‏!!‏ فأجبته بثقة‏:‏ أكتب‏,‏ فرد‏:‏ وماذا تكتب؟ أجبته بجرأة‏:‏ رواية‏.‏ وعلي عكس المتوقع من أنه سيقوم بتمزيق أوراقي قبل أن يلقيها من النافذة‏;‏ وجدته يطلب مني علي سبيل السخرية بطريقة أضحكت زملائي في الفصل أن أقرأ عليهم بعضا مما كتبت‏..‏ فرحا ومستغلا الفرصة التي لن تتكرر وقفت وبدأت القراءة‏,‏ أنهيت فقرة كاملة وإذ بكل من بالفصل صامتين‏,‏ وأخذ يربت علي كتفي قائلا‏:‏ اجلس يا بني فتح الله عليك‏,‏ ولتكمل روايتك‏.‏ أعتبر أن هذه أول جائزة أخذتها في حياتي‏..‏ مدرس اللغة العربية طلب مني استكمال روايتي بدلا من الدرس‏.‏
الحقوق كلية الوزراء
إذن لماذا دخلت كلية الحقوق وليس كلية الآداب ؟
‏**‏ الشاروني‏:‏ حبي للكتابة والقراءة مسألة قديمة جدا في حياتي‏,‏ ولكني دخلت كلية الحقوق‏(‏ كلية الوزراء‏)‏ عام‏1948;‏ لأن كان أيامها كل الوزراء يتخرجون في هذه الكلية‏,‏ الوزير كان سياسيا يفهم في كل شيء وإلي جانبه وكيل أول الوزارة الذي ينفذ سياسة الوزارة‏,‏ لذا دخلت كلية الحقوق علي أمل أن أصبح وزيرا‏,‏ وكان أمامي توفيق الحكيم الذي تخرج في‏'‏ الحقوق‏'‏ وعمل وكيلا للنيابة‏,‏ وأرسله والده لفرنسا للحصول علي الدكتوراه‏,‏ فترك القانون واتجه للأدب والفن‏.‏ وكما ذكر في كتابه‏'‏ عصفور من الشرق‏'‏ عن يومياته في باريس أنه كان يعاكس جارته فكان يصطاد السمك من حوض الأسماك في شرفتها التي تقع أسفل شرفته‏.‏
في الطريق للوزارة التحقت بالسلك القضائي بينما في داخلي‏'‏ أديب‏',‏ واختاروني لهيئة قضايا الدولة‏;‏ حيث العمل مرهق للغاية يستغرق وقت الإنسان كله‏;‏ لأنك تعمل في قرابة‏250-300‏ قضية‏,‏ تضعها في رأسك‏..‏ تشغل بالك ليل نهار‏,‏ تراكم المعلومات من هنا وهناك كنحلة تجمع الرحيق‏;‏ وإن لم تفعل ذلك فلن تكون قاضيا عادلا‏.‏ والقاضي عند كتابته المذكرة النهائية للقضية‏,‏ فإن ما بها من معلومات قد جمعت علي مدار شهور وربما سنوات استمرت خلالها جلسات القضية‏,‏ وهذا ما يحدث تماما في العمل الأدبي‏..‏ تنشغل به بصفة مستمرة‏,‏ تتراكم معلوماتك حتي تجد الهيكل المناسب الذي تبني عليه عملك وتقوم عليه عقدة العمل الروائي‏..‏ ما ينفعش تيجي تقول أنا ها كتب قصة النهارده‏.‏
زمان كان بيقول لك عشان تبقي شاعر احفظ‏10.000‏ بيت شعر وأنساهم وبعدين ابدأ اكتب‏,‏ شغل القضاء كان يستغرق كل الوقت ولم تتوافر المساحة لقراءة الأدب أو الإنتاج الأدبي إلا بحدود‏,‏ صحيح أنا دخلت الحقوق عشان الكلية دي اللي بتطلع الوزرا‏,‏ بس ده ما كانش طموحي‏,‏ طموحي كان أبقي زي توفيق الحكيم‏.‏ أنا بدأت باب الفن من المسرح وليس الكتابة للأطفال‏,‏ فكنت رئيس فريق المسرح في المدرسة الثانوية‏,‏ وفي الجامعة انضممت لفريق المسرح‏,‏ وكان من بين زملائي حمدي غيث‏,‏ وفي عام‏1950‏ كنت أكتب قصصا للأطفال لنفسي‏,‏ ولم أكن أتصور أنني سأنشرها فليس هناك من يهتم بهذا الأدب حينها‏;‏ واستمرت كتاباتي للمسرح حتي حصلت علي جائزة الدولة لعامي‏1960‏ و‏1962,‏ ثم شاركت في مسابقات أخري ولم أحصل علي جوائز‏,‏ في عام‏1960‏ حصدت المركز الأول متفوقا علي‏'‏ علي أحمد باكثير‏'‏ الذي حصل علي المركز الثاني‏;‏ بينما في عام‏1962‏ جاء‏'‏ محمود دياب‏'‏ في المركز الثاني‏;‏ مما أكد موهبتي خاصة أن تلك المسابقات كانت تتم في نطاق من السرية والحيادية‏.‏ وأهمية المسابقات أنها تجعلك تعرف مكانك مقارنة بالآخرين‏,‏ وتركز طاقاتك لهدف محدد ألا وهو الفوز بينما ينافسك الآخرون‏,‏ أيضا المسابقات تجعلك تخرج أفضل ما لديك مع التزامك بميقات زمني محدد‏.‏
عملت قاضيا بروح الأديب
وقال‏:‏ جرت العادة أن يتنقل القاضي من محكمة لأخري‏,‏ ويترك قضاياه التي تعب فيها ودرسها شهورا لقاض آخر‏,‏ هنا شعرت أن كل هذا المجهود يضيع وأنني أتركه لشخص آخر‏,‏ وهو ما لا يحدث مع أدبي الذي يبقي ولا يذهب لآخر‏.‏ وهنا فكرت في ترك سلك القضاء عام‏1959;‏ رغم أني كنت أصغر من عمل أمام المحكمة الإدارية العليا في تاريخ الحكومة‏,‏ وكنت من أنجح المحامين حيث كنت أعمل في القانون بروح الأديب‏..‏ أجمع معلومات وأقرأ كتبا‏,‏ ذات مرة طلب مني أحد القضاة الانتظار بعد الجلسة ليسألني عما قلته في مرافعتي ومصادره‏,‏ فأخبرته أني أحرص علي القراءة والبحث ومطالعة الجديد هنا وهناك‏,‏ وكنت أجد الحكم في اليوم التالي بحسب وجهة النظر التي ترافعت بها‏,‏ مما قرب عملي القضائي لعملي الأدبي‏.‏
‏*‏ وهل صحيح إن جمال عبد الناصر قال لوزرائه‏:‏ مين فيكم منتج قد توفيق الحكيم؟
‏**‏ الشاروني نعم قالها فقد كان‏'‏ عبد الناصر‏'‏ من المؤمنين بأهمية الأدب ودوره في الحياة‏,‏ وكان محبا لتوفيق الحكيم الذي كان يعمل رئيسا لدار الكتب آنذاك‏,‏ وقرأ له‏'‏ عودة الروح‏'‏ التي نالت إعجابه‏,‏ وبعد قيام الثورة كان قانون التطهير ينص علي فصل غير المنتجين من الموظفين‏,‏ واقترح وزير التربية والتعليم فصل توفيق الحكيم من دار الكتب‏;‏ لأنه غير منتج‏.‏ فعقد‏'‏ عبد الناصر‏'‏ اجتماعا لمجلس الوزراء‏,‏ وأخبرهم عن مذكرة وصلته من وزير التربية والتعليم تقترح فصل توفيق الحكيم لأنه غير منتج‏,‏ ثم سأل وزراءه‏:‏ مين فيكم منتج قد توفيق الحكيم؟‏!‏ وأصدر في اليوم التالي قرارا بفصل هذا الوزير‏.‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.