لتوفير أقصى درجات الأمان.. تطوير شبكة الطرق الداخلية بمدينة أبوزنيمة بجنوب سيناء    متطرفون إسرائيليون يتسللون إلى جنوب لبنان ويطالبون بالاستيطان    بمشاركة مصطفى محمد.. نانت يسقط أمام إعصار باريس سان جيرمان    هاتريك كومان يقود النصر لنهائي دوري أبطال آسيا 2    السيطرة على حريق بورشة نجارة في السلام    تزامنا مع بدء التوقيت الصيفي.. تقديم عروض الأوبرا بالسابعة والنصف مساء بداية من الجمعة    محمد الكحلاوي: سعيد بتكريمي وأتمنى للثقافة الوصول بمكانة مصر وقوتها الناعمة لآفاق عالمية    رئيس فنلندا يدعو لإصلاح النظام الدولي وإلغاء الفيتو    «الأخبار»تحاور محافظى سيناء فى ذكرى تحرير «أرض الفيروز»    اللواء د. إسماعيل كمال محافظ جنوب سيناء:المدن الجديدة.. معركة بناء لا تقل ضراوة عن معارك التحرير    تعرف على القيمة التسويقية للزمالك وبيراميدز قبل لقاء الغد    عمر مرموش على مقاعد البدلاء في تشكيل مانشستر سيتي أمام بيرنلي    فليك يعلن تشكيل برشلونة لمواجهة سيلتا فيجو في الدوري الإسباني    جامعة القاهرة تشارك بوفد طلابي في محاضرة الرئيس الفنلندي ب"الأمريكية" (صور)    تأجيل محاكمة المتهمين بقتل "سيدة منية النصر" بالدقهلية ل13 يونيو (صور)    ارتفاع طفيف بدرجات الحرارة، الأرصاد تعلن حالة الطقس المتوقعة غدا الخميس    محافظ مطروح يعتمد عقود تقنين نهائية لأراض بمدن المحافظة    الاستئناف تتسلم ملف إحالة شخصين بتهمة الاتجار في الألعاب النارية بالقاهرة    غياب الثقة.. هو السبب    الأمن يضبط "بلطجى الزجاجات" بالمرج بعد فيديو الاستغاثة    هل الدعاء يُغير القدر؟!    هل إكرامية عامل الدليفري تعتبر صدقة؟ أمين الفتوى يجيب (فيديو)    جهود وزارة الداخلية وقضية النقاب ومصلحة المجتمع    الاعتماد والرقابة الصحية: اعتماد 13 منشأة صحية وفق معايير جهار المعترف بها دوليا    وزير الخزانة: إنشاء خط لمبادلة العملات سيكون مفيدا لكل من الإمارات والولايات المتحدة    سلاف فواخرجي توجه رسالة مؤثرة للمصريين.. ماذا قالت؟    مهرجان القاهرة السينمائي يدعم فيلم «أبيض وأسود وألوان»    محمد التاجي يخضع لعملية جراحية    البابا تواضروس لوفد الكنائس الفرنسية: للمحبة دور كبير في إيقاف العنف والحروب    انطلاق مباراة المصري أمام إنبي في مجموعة التتويج بالدوري الممتاز    محكمة القاهرة الاقتصادية تبرئ الفنانة بدرية طلبة من تهمة سب الشعب المصري    حزب الله يستهدف موقعاً للمدفعية الإسرائيلية في بلدة البياضة جنوبي لبنان    نائب وزير الصحة يترأس اجتماع لجنة الأجهزة التعويضية.. تبسيط الإجراءات وتسريع الصرف في صدارة الأولويات    وزارة الصحة: مصر تحتفل بعامها الثاني خاليةً من الملاريا وأرقام الربع الأول تُعزز المكانة العالمية    فتح باب التقديم في مسابقة شغل 25 وظيفة سائق بالمتحف المصري الكبير    بخصومات تصل إلى 30%، دار الكتب والوثائق تحتفي باليوم العالمي للكتاب    توقيع مذكرة تفاهم بين مكتبة الإسكندرية والمركز القومي للبحوث الجنائية    الداخلية تكشف تفاصيل تغيب سيدة وطفلتها في البحيرة    وفد وزارة التربية والتعليم يتفقد مدارس التكنولوجيا التطبيقية والتعليم الفنى بأسيوط    دعم فني لطب بيطري القاهرة استعدادا للمنافسة على جائزة التميز الحكومي    خالد الجندي: زوال الأمم مرتبط بالفساد والظلم.. والقرآن الكريم يربط بشكل واضح بين الظلم والهلاك    مجلس النواب يوافق نهائيا على مشروع قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية    هيئة التأمين الاجتماعي تكشف حقيقة توقف صرف معاش شهر مايو 2026    اقتحام واسع للأقصى، 642 مستوطنًا يدخلون تحت حماية الاحتلال    بالصور.. قافلة طبية لعلاج المرضى الأولى بالرعاية بمركز ملوى    إعلام النواب توصي بتعديل تشريعي لتحويل الهيئة الوطنية للإعلام إلى هيئة عامة خدمية    جامعة العريش تُتوِّج «الأم المثالية على مستوى الكليات لعام2026»    وزيرة التنمية المحلية: استرداد وإخلاء 13 قطعة أرض بقيمة 2.2 مليار جنيه    دعم الضحايا أولوية.. رسائل إنسانية في اليوم العربي لمكافحة الإرهاب    وزنه 5 أطنان وارتفاعه 240 سم.. تفاصيل العثور على تمثال أثرى ضخم بالشرقية.. فيديو    الأمم المتحدة: العنف بغزة يسجل أعلى مستوى أسبوعي منذ الهدنة في أكتوبر الماضي    شيخ الأزهر يحذر من خطورة تسليع التعليم ويؤكد: لا لعزل الأبناء عن ماضي أمتهم    العريش تخوض تصفيات "المسابقة القرآنية الكبرى" بأكاديمية الأوقاف الدولية    الداخلية تصادر 15 طناً وتضرب أباطرة التلاعب بأسعار الخبز    مواعيد مباريات الأربعاء 22 أبريل - برشلونة ضد سيلتا فيجو.. ومانشستر سيتي يواجه بيرنلي    وزيرا «الصحة» و«النقل» يبحثان تطوير سلاسل الإمداد الدوائي ودعم الجهود الإنسانية لغزة    هيئة بحرية بريطانية: سفينة حاويات تعرضت لإطلاق نار من الحرس الثوري الإيراني مما تسبب في أضرار جسيمة    للمباراة الخامسة على التوالي.. تشيلسي يتعثر ويقع في فخ الهزيمة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في الرد علي دعاة الدولة الدينية
الحلقة السادسة

النبي‏([)‏ أخرج اليهود من المدينة لأسباب سياسية وطنية في المقام الأول تمتع مواطنو المدينة في عهد النبي بكامل حقوقهم بغض النظر عن معتقداتهم
بنو النضير‏:‏ فلما كانت السنة الثالثة من الهجرة أقبلت قريش
بجموع كثيرة تريد الهجوم بها علي المدينة‏,‏ فأخذ يهود بني
النضير يكيدون للمسلمين‏,‏ ويظهرون العداوة والبغضاء لهم‏,‏ وقد طلب النبي صلي الله عليه وسلم منهم أن يقرضوا أموالهم لله ليجاهد بها في سبيله‏,‏ وهم يؤمنون به كما يؤمن المسلمون به‏,‏ وقريش مشركة تعبد الأوثان والأصنام‏,‏ فقالوا له‏:‏ تزعم أن ربنا يستقرض أموالنا‏,‏ وما يستقرض إلا الفقير من الغني‏,‏ فإن كان ما تقول حقا فإن الله إذن فقير ونحن أغنياء‏.‏ فأنزل الله فيهم لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير
حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق
الآية 181‏ من سورة آل عمران‏.‏
وهكذا أبي اليهود أن يساعدوا النبي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏بشئ من أموالهم‏,‏ مع أن المعاهدة التي أخذوها علي أنفسهم تقضي عليهم بذلك‏.‏
وقد أصيب المسلمون في هذه الغزوة‏(‏ غزوة أحد‏)‏ بما أصيبوا به‏,‏ فأظهر بنو النضير الشماتة فيهم‏,‏ وأظهروا ما كانوا يخفونه من العداوة والبغضاء‏,‏ وأخذوا يطعنون في النبي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ ويشككون في نبوته بما حصل للمسلمين من الهزيمة في هذه الغزوة‏,‏ وكانوا يقولون لمن يجلس إليهم‏:‏ ما محمد إلا طالب ملك‏,‏ ما أصيب بمثل هذا نبي قط‏,‏ أصيب في بدنه‏,‏ وأصيب في أصحابه‏.‏
وبهذا نقض بنو النضير عهدهم مع المسلمين‏,‏ ولم يقوموا لهذا الوطن الذي آواهم بواجب الدفاع عنه‏,‏ فصار من حق المسلمين أن يجلوهم عنه‏,‏ كما أجلوا بني قينقاع من قبلهم‏,‏ ليعطوا غيرهم من اليهود درسا جديدا‏,‏ يعلمهم المحافظة علي العهود‏,‏ ويذكرهم بما يجب عليهم تجاه هذا الوطن الذي يجمعهم جميعا‏.‏
أرسل النبي صلي الله عليه وسلم إليهم محمد بن مسلمة الأنصاري‏,‏ أن اخرجوا من هذه البلاد فلا تجاورونا فيها‏,‏ وقد أجلتكم عشرا‏,‏ فمن رئي منكم بعد ذلك ضربت عنقه‏.‏
فلما بلغهم محمد بن مسلمة ما أرسل به إليهم هموا بالخروج‏,‏ وقد عرفوا ما حصل لبني قينقاع من قبلهم‏,‏ ولكن عبد الله بن أبي أرسل إليهم‏:‏ لا تخرجوا من دياركم‏,‏ وأقيموا في حصونكم‏,‏ فإن معي ألفين من قومي يدخلون حصونكم‏,‏ ويموتون عن آخرهم‏.‏
فاغتروا بقول عبد الله بن أبي‏,‏ وأرسلوا إلي النبي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):‏ إنا لن نخرج من ديارنا‏,‏ فاصنع ما بدا لك‏.‏
وكانوا ينزلون بوادي بطحان بظاهر المدينة‏,‏ علي ميلين أو ثلاثة منها‏,‏ فسار النبي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة‏,‏ ولم يتحرك عبد الله بن أبي لمساعدتهم‏,‏ فلما يئسوا منه أرسلوا إلي النبي أن يجليهم ويكف عن دمائهم‏,‏ وأن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا آلة الحرب‏,‏ فأجابهم إلي ما طلبوا‏,‏ فخرجوا من واديهم فقصد بعضهم خيبر فنزل بها‏,‏ وقصد بعضهم أذرعات فنزل بجوار بني قينقاع‏.‏
بنو قريظة
بقي في المدينة من اليهود قبائل بني قريظة وهذا يدلل علي أن النبي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ لم يخرج بني النضير ومن قبلهم بني قينقاع لأنهم يهود ولكن لأنهم خانوا العهد الذي وقعوا عليه مع المسلمين‏,‏ وكان ما حدث لهم اقل جزاء لخيانة العهد في تلك الحقبة من الزمن‏.‏
الأمر هنا يتعلق بالخيانة الوطنية‏,‏ ولا علاقة له بالاختلاف الديني‏,‏ اليهود فرطوا في وطنهم‏,‏ وخانوا عهد المواطنة‏,‏ وأحلوا لأنفسهم أن يتآمروا ضد مصلحة الوطن الذي يضم الجميع‏:‏ مسلمين ويهود ومشركين‏.‏ وكل محاولة لتقييم موقف النبي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ علي أساس ديني‏,‏ تهدر حقيقة أن الموقف النبوي كان وطنيا لا دينيا‏.‏
كان زعماء بني النضير قد عملوا علي إثارة قريش وقبائل العرب علي المسلمين‏,‏ وقد أعماهم الحقد علي المسلمين من جراء ما حدث لهم‏(‏ الإجلاء عن المدينة‏)‏ إلي الحد الذي باعوا فيه دينهم‏,‏ فلما قدموا علي قريش ودعوهم إلي حرب النبي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ قال لهم القرشيون‏:‏ يا معشر يهود‏,‏ إنكم أهل الكتاب الأول‏,‏ وأهل للحكم علي ما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد‏,‏ أفديننا خير أم دينه؟ فقال يهود بني النضير بل دينكم خير من دينه‏(‏ د‏.‏ عبد المتعال الصعيدي‏:‏ نفسه ص‏90).‏
وهذه أكبر فضيحة حدثت لليهود عبر التاريخ‏,‏ لأن دين محمد هو التوحيد‏,‏ ودين قريش هو الشرك‏,‏ ودين اليهود هو التوحيد لا الشرك‏,‏ فكيف يحكمون بأن دين الشرك خير من دين التوحيد‏,‏ وقد أخذ الله عليهم هذا‏:‏ ألم تر إلي الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدي من الذين آمنوا سبيلا في الآية 51‏ من سورة النساء‏.‏
ثم حكم بأن هذا منهم ردة عن دينهم‏:‏ تري كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون‏(80)‏ ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون‏(81)[‏ المائدة‏:80‏ 81]‏ والمراد بالنبي في الآيتين موسي عليه السلام‏,‏ والمقصود بما أنزل إليه‏,‏ هي التوراة‏.‏
اشتد الخطب علي المسلمين حين علموا بنقض بني قريظة عهدهم‏,‏ ووقعوا في رعب شديد‏,‏ حتي قال بعض المنافقين‏:‏ كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسري وقيصر‏,‏ وأحدنا اليوم لا يأمن علي نفسه أن يذهب إلي الغائط‏.‏
وهنا تدارك الله المسلمين برحمته‏,‏ وهدي زعيما من زعماء المشركين إلي الإسلام‏,‏ وهو نعيم بن مسعود الآشجعي‏,‏ فأتي إلي النبي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ في السر‏,‏ وأخبره بإسلامه وطلب إليه أن يأمره بما شاء‏,‏ فقال له النبي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ إنما أنت فينا رجل واحد‏,‏ فخذل عنا إن استطعت‏,‏ فإن الحرب خدعة‏(‏ د‏.‏ عبد المتعال الصعيدي‏:‏ نفسه ص‏94).‏
فسار نعيم بن مسعود إلي بني قريظة‏,‏ وكان لهم نديما‏,‏ فلما رأوه رحبوا به‏,‏ وعرضوا عليه الطعام والشراب‏,‏ فأخبرهم أنه جاءهم لغير هذا‏,‏ وأنه يخاف عليهم إذا حاربوا محمدا أن تتركهم قريش وليس لهم طاقة به‏,‏ وأنه يري أن يأخذوا رهنا من أشرافهم تكون ثقة بأيديهم قبل أن يحاربوا معهم‏,‏ وقد استحسنوا ما أشار به عليهم‏,‏ فأمرهم بكتمان اتصاله بهم‏.‏
ثم سار إلي قريش فأخبرهم بأن بني قريظة ندموا علي نقض عهد محمد‏,‏ وأنهم يريدون أن يرضوه بأخذ سبعين من أشرافكم ليكونوا رهنا عندهم‏,‏ ثم يقدموهم إليه لقتلهم‏,‏ وطلب منهم أن يكتموا ما حدثهم به‏.‏
فلما أرسلوا إلي بني قريظة يدعونهم إلي القتال طلبوا منهم أن يعطوهم رهنا‏,‏ حتي لا يتركوهم ويذهبوا إلي مكة‏,‏ فاعتقدوا صدق ما أخبرهم به نعيم بن مسعود عنهم‏,‏ ولم يجيبوهم إلي ما طلبوا من الرهن‏,‏ فلم يجيبوهم أيضا إلي ما طلبوا من القتال‏,‏ وفسد ما بينهما بهذه الحيلة البارعة‏.‏
وقد قام النبي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بعمل أبرع من عمل نعيم بن مسعود‏,‏ حين أمكنه أن يأتي بزعيمين من زعماء الجيش المحاصر‏:‏ وهما عيينة بن حصن والحارث بن عوف‏,‏ ليعرض عليهما صلحا منفردا علي أن يقطعهما ثلث ثمار المدينة‏,‏ وعلي الرغم من فشل الصفقة لا عتراض قادة الأنصار عليها‏,‏ فإن عيينة والحارث رجعا إلي قريش بعد أن قاما بهذه الخيانة يملأهما القلق والخوف من أن تكون قريش قد علمت بأمرهما‏,‏ فضعف ذلك من ثقتهما في قريش فانفرط عقد الأحزاب وهموا بالانصراف عن المدينة دون قتال‏.‏
السلوك السابق كله ينم عن وعي الرسول بالدنيا وما يحكمها من قواعد وأعراف‏,‏ فالحرب خدعة‏,‏ والحرب النفسية وسيلة مأمور بها‏,‏ والإيمان الديني العميق لا يعني التواكل والاستسلام للقدر‏,‏ والمبادئ المثالية لا تعيش في المطلق‏,‏ ذلك أنها وليدة الاحتكاك بالواقع والتفاعل معه‏.‏
كان جرم بني قريظة أشد من جرم بني قينقاع وبني النضير‏,‏ لأنهم ارتكبوا ما يسمي في التاريخ الحديث بجريمة الخيانة العظمي لوطنهم الذين يعيشون في كنفه ولمواطنيهم الذين يربطهم بهم عهد أمان‏,‏ فلم يمهلهم النبي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ شيئا بعد رحيل قريش‏,‏ فقال لأصحابه‏:‏ لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة‏.‏ فحاصروهم خمسا وعشرين ليلة‏,‏ إلي أن طلبوا أن ينزلوا من حصونهم علي مثل ما نزل عليه بنو النضير‏,‏ فأبي النبي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ إلا أن ينزلوا علي حكمه من غير قيد ولا شرط‏,‏ فرضوا بذلك‏,‏ وقد مشي في أمرهم رجال من الأوس‏,‏ لما كان بينهم من الحلف قبل الإسلام‏,‏ وطلبوا من النبي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ أن يعاملهم بمثل ما عامل به بني النضير‏,‏ فأبي أن يجيبهم إلي هذا‏,‏ ولكنه رأي من السياسة والحكمة أن يجعل الحكم فيهم لسعد بن معاذ سيد الأوس‏,‏ فحكم سعد فيهم بأن تقتل رجالهم‏,‏ دون نسائهم وأطفالهم‏,‏ وهذا هو حكم الخيانة العظمي في كل الشرائع القديمة والحديثة‏(‏ د‏.‏ عبد المتعال الصعيدي‏:‏ نفسه ص‏95).‏
وهكذا انتهت معاهدة المسلمين ويهود المدينة بهذه الكوارث التي حلت بهم‏,‏ لأنهم لم يخلصوا لها حين عقدها‏,‏ وقد طاولهم النبي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ ما استطاع مطاولتهم‏,‏ وأخذهم بنقض العهد قبيلة بعد قبيلة‏,‏ ليعطي من بقي منهم مهلة لمراجعة أنفسهم‏,‏ ولكنهم لم يرتدعوا وآثروا الاعتداء والخيانة تلو الخيانة حتي أخذوا جزاء ما فعلوا كاملا‏.‏
ثالثا‏:‏ المنافقون‏:‏
لم يكن النبي محمد عليه الصلاة والسلام مجرد حاكم‏,‏ وإنما كان رسولا نبيا يأتيه وحي من السماء ويقوم بنشر دينه داخل حدود دولته وخارجها‏,‏ وكان المنافقون هم عنصر المعارضة ضد حكومة النبي‏,‏ وكانوا يعارضون الإسلام دينا ويعارضون سلطة النبي وسياساته‏,‏ وقد منعهم خوفهم من التمرد المسلح ضد الدولة وكانوا أضعف جدا من القيام بثورة فاكتفوا بالكيد والتآمر ثم يقسمون بأغلظ الأيمان ببراءتهم مما يفعلون‏,‏ وتمتعوا في مسيرة التآمر تلك بالحرية الهائلة التي كفلها لهم القرآن في القول وفي الفعل ضد الدولة التي يعيشون في كنفها ويعملون ضدها‏.‏
واكتفي القرآن بالرد علي مكائدهم وادعاءاتهم وفضح تآمرهم مع التنبيه المستمر علي النبي والمسلمين بالإعراض عنهم والاكتفاء بما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة
وكانت حرية الرأي تصل بالمنافقين إلي سب المؤمنين ووصفهم بالسفهاء ولا يرد عليهم إلا بالقرآن‏:‏
وإذا قيل لهم آمنوا كما أمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون‏,‏ البقرة‏:13]31/2.‏
وكان يحلو لهم الاستهزاء بالمؤمنين خصوصا في أوقات الاستعداد للحرب‏,‏ فمن يتطوع بالصدقة يصفونه بالرياء إذا كان غنيا ويتندرون عليه إذا كان فقيرا‏,‏ بينما هم يمسكون أيديهم عن التطوع بالمال والتطوع للقتال‏:‏ الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم‏97/9.‏
وكان النبي علي الرغم من كل هذه السلوكيات يستغفر للمنافقين ويطلب لهم الهداية فنزل قوله تعالي‏:‏ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين‏:80/9.‏
وكانوا اذا سئلوا عن هذا الاستهزاء بالقرآن أجابوا باستخفاف أنهم يلعبون ولم يكن النبي‏(‏ وهو الحاكم الأوحد للمدينة‏)‏ يتخذ معهم أي إجراء‏,‏ ويأتي الوحي يخبرنا بذلك ويثبت كفرهم ولكن يجعل عقوبتهم من لدن الله تعالي ان شاء‏:‏ ولئن سألتهم ليقولن انما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون‏(65)‏ لا تعتذروا قد كفرتم بعد ايمانكم ان نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين‏(66)65/9:.66‏ وكانوا يقيمون مجالس علنية للاستهزاء بالقرآن‏,‏ وكان يحضرها بعض المسلمين بحسن نية‏,‏ ونزل القرآن يحذر المسلمين من حضورهم لتلك المجالس‏,‏ ومع ذلك كان بعضهم يحضرها‏,‏ فنزل قوله تعالي‏:‏ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتي يخوضوا في حديث غيره إنكم اذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا‏140/4‏
تقصد النبي‏(‏ ص‏)‏ بالأذي‏:‏
واختصوا النبي بكثير من الأذي القولي مع أنه الحاكم السياسي والرسول صاحب الوحي‏.‏
فقد كان النبي مأمورا بإقامة الشوري‏,‏ وكان لأجل هذا يستشير الناس جميعا ومن بينهم المنافقون فلما رأوا ذلك أتهموا بأنه أذن أي يعطي أذنه لكل من هب ودب‏,‏ وأشاعوا هذا القول الساخر عن النبي فنزل قوله تعالي يدافع عن النبي‏:‏ ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن قل اذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم‏61/9‏
فالله تعالي هو الذي يدافع عن النبي ويصفه بأنه يثق بالمؤمنين ورحمة لهم ويتوعد من يؤذي النبي بعذاب أليم‏,‏ أما سلطة النبي كحاكم فلا مجال لها هنا في ذلك المجتمع الحر الذي يكفل للمعارضة كل الحرية في أن تقول ما تشاء‏(‏ حتي لو كانوا من المنافقين‏),‏ فقط نهاه الله تعالي عن طاعتهم ولكنه أمره بأن يدع آذاهم‏:‏ ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل علي الله‏48/33‏
وفي غير الشوري كانوا يلمزون النبي اذا حرمهم من الصدقة وهم غير مستحقين لها لكونهم اغنياء وكانوا يحتجون عليه ويطاردونه بأقوالهم‏:‏ ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن اعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها اذا هم يسخطون‏.‏
‏9/.58‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.