محافظ الفيوم يستقبل وفد مجلس إدارة نادي القضاة للتهنئة بتجديد ثقة القيادة السياسية    طلاب الجامعة الأمريكية بالقاهرة يجهزون 6000 كرتونة مواد غذائية خلال رمضان (صور)    رئيس جامعة مدينة السادات: نعمل على تنفيذ خطط التطوير وفق جداول زمنية محددة    رئيس الوزراء: تكليفات بمتابعة الأسواق ميدانيا للتأكد من توافر السلع بأسعار مناسبة    فرامل طوارئ.. بريطانيا توقف إصدار تأشيرات الدراسة لمواطنى 4 دول    أكثر من 9000 مواطن أمريكي عادوا خلال الأيام القليلة الماضية من الشرق الأوسط    أرتيتا يرد على سلوت بعد تقليله من أهمية الكرات الثابتة بالبريميرليج    برشلونة يكشف عن إصابة كوندي وبالدي    الرياضية: مدافع أهلي جدة يغيب عن الدربي    كاف يعلن توقيت وموعد مباراتي بيراميدز الجيش الملكي في دوري أبطال أفريقيا    أدوية منتهية الصلاحية ب "الملايين".. الداخلية تضرب مافيا السموم الدوائية    الصحفيين تفتح باب التقدم لمسابقة يحيى زهران للإخراج الصحفي    عروض بالعرائس والأراجوز للأطفال داخل محطة مترو جامعة القاهرة    محافظ الوادي الجديد تتابع التجهيزات النهائية بمستشفى الداخلة الجديد    محافظ الدقهلية: 1341 مواطنا استفادوا من القافلة الطبية المجانية بقرية أبو جلال    «هاشم» يعلن آلية جديدة لربط مخرجات البحث العلمي باحتياجات الصناعة    ذا أثليتك: رودريجو لعب وهو مصاب بقطع جزئي في الرباط الصليبي منذ 2023    الرئيس السيسي يؤكد الأهمية القصوى للحفاظ على أرصدة استراتيجية آمنة من المنتجات البترولية    الحبس عامين لعامل بالإسكندرية تعدى على والده بالضرب    رحيل فارس البلاغة.. أحمد درويش من الكتّاب إلى مدرجات الجامعة    قناة عبرية: اغتيال رحمن مقدم قائد العمليات الخاصة بالحرس الثورى الإيرانى    حجز طالب قتل زميله بعدة طعنات فى مصر الجديدة 24 ساعة لإجراء التحريات    الصحة: إغلاق 34 منشأة نفسية مخالفة وتكثيف حملات الرقابة لحماية حقوق المرضى    الجيش السوري يعزز انتشاره على طول الحدود مع لبنان والعراق    إيران تحذر الدول الأوروبية من دعم الهجوم الإسرائيلي-الأمريكي على طهران    باستخدام أوناش المرور.. رفع 37 سيارة ودراجة نارية متهالكة    قبول استنئاف عاطل وتخفيف الحكم إلي المشدد 3 سنوات في حيازة المخدرات بالازبكية    النائب العام يحيل 6 متهمين للمحاكمة لتلقيهم أموالًا من الجمهور بزعم توظيفها    وزير الخارجية يستقبل رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة    الري: التوجيه باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال الآبار الجوفية المخالفة    طلب إحاطة ل مدبولي ووزير الرياضة بسبب نقص مراكز الشباب بالإسكندرية    الأحد.. قصور الثقافة تطلق ثالث فعاليات مشروع "مقتطفات حرفية" بالإسكندرية    بيان عاجل بشأن نقص السلع التموينية بعد صرف منحة التموين    شريف فتحي: لا توجد إلغاءات في الحجوزات السياحية ومصر تنعم بالأمن والاستقرار    أيمن زهري: خبرة السكان والهجرة تعزز رؤية القومي لحقوق الإنسان    نائب وزير الصحة تعقد اجتماعًا لمتابعة مؤشرات تنمية الأسرة ومستهدفات القضية السكانية    فتح باب تلقي أعمال مسابقة يحيى زهران للإخراج الصحفي    الحلقة الأخيرة من كان ياما كان.. هل يعود الكدوانى لطليقته يسرا اللوزى؟    انعقاد الملتقى الثاني للطلاب الوافدين عن «دور المرأة في تنمية الوعي المجتمعي»    تحالف مؤسسي لدعم الطفولة المبكرة وبناء جيل المستقبل    مرموش يقترب من الرحيل عن مانشستر سيتي.. صراع إسباني محتمل لضمه في الصيف    «مصر السيادي» يدعو بنوك الاستثمار للتقدم بعروض لإدارة طرح 20% من «تأمينات الحياة»    جيل جديد في المجلس القومي لحقوق الإنسان.. محمد جمال عثمان نموذجًا    محافظ الإسكندرية ووزير النقل يتابعان الموقف التنفيذي لمشروع تطوير ترام الرمل    وزيرا الصحة والتعليم العالي يبحثان إدراج المستشفيات الجامعية في منظومة التأمين الصحي الشامل    الطيران الإسرائيلى يبدأ موجة غارات على طهران    مصر تكثف اتصالاتها مع وزراء خارجية السعودية والإمارات وعمان وسوريا لمتابعة التطورات الإقليمية    موعد أذان المغرب فى اليوم الرابع عشر من شهر رمضان بالمنوفية    عمرو سعد: "أنا الأعلى قيمة تسويقية في العالم العربي ومش شايف صراع ولا منافسة"    رمضان.. زاد المسيرة    تسمم أسرة بالغاز داخل منزلهم بعزبة المصاص في المنيا    «مفتاح العودة».. «صحاب الأرض» يغلق حكايته بوثائقي عن رحلة نجاة أطفال غزة للعلاج في مصر    رئيس قطاع المعاهد الأزهرية يهنئ الإمام الأكبر بعد فوز طلاب الأزهر بجائزة دبي للقرآن    بين الانقسام والهروب.. الدولة تقترب من «رأس الأفعى»    نجوم «دولة التلاوة» يواصلون إحياء الليلة الرابعة عشرة في المساجد الكبرى    "الإهمال الطبي " سياسة ممنهجة لقتل الأحرار .. استشهاد المعتقل إبراهيم هاشم بعد اعتقالٍ امتد 11 عامًا    الزمالك يفوز على البنك الأهلي في دوري المحترفين لكرة اليد    إيفرتون يحقق فوزا ثمينا أمام بيرنلي في الدوري الإنجليزي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دولة الإخوان أوراق من دفتر دعاة الدولة الدينية
الفتاوي الصادمة للجماعة بمنع بناء الكنائس ومصادرة حرية الاعتقاد للمسيحيين والسخرية من عقائد غير المسلمين‏!‏ بقلم‏:‏ عبد الرحيم علي

حكم بناء دور العبادة للأقباط‏:‏ ثلاثة أسئلة عن الرأي الإسلامي في مجموعة من القضايا التي تتعلق بغير المسلمين حملها العدد رقم‏56‏ من مجلة الدعوة لسان حال الجماعة‏,‏ أجاب عنها جميعا الشيخ محمد عبدالله الخطيب مفتي الجماعة في القضايا الشرعية والسياسية‏,‏ أول هذه الأسئلة كان عن حكم بناء الكنائس في ديار الإسلام‏,‏ ويجيب مفتي الإخوان إن حكم بناء الكنائس في ديار الإسلام علي ثلاثة أقسام‏:‏
الأول‏:‏ بلاد أحدثها المسلمون وأقاموها‏...‏كالمعادي والعاشر من رمضان وحلوان‏...‏ وهذه البلاد وأمثالها لا يجوز فيها إحداث كنيسة ولا بيعة‏,‏ والثاني‏:‏ ما فتحه المسلمون من البلاد بالقوة كالإسكندرية بمصر والقسطنطينية بتركيا‏..‏ فهذه أيضا لا يجوز بناء هذه الأشياء فيها‏.‏ وبعض العلماء قال بوجوب الهدم لأنها مملوكة للمسلمين‏,‏ والثالث ما فتح صلحا بين المسلمين وبين سكانها‏.‏ والمختار هو إبقاء ما وجد بها من كنائس وبيع علي ما هي عليه في وقت الفتح ومنع بناء أو إعادة ما هدم منها‏.‏
المفهوم من الفتوي‏,‏ في غير لبس‏,‏ أن البلاد التي أحدثها المسلمون وأقاموها لا تتسع لغير المسلمين‏,‏ والمغالطة الأولي أن الأحياء المصرية المشار إليها قد بناها المصريون جميعا‏,‏ مسلمين ومسيحيين‏,‏ وأن حقوق المواطنة التي يقرها الدستور المصري لا تحول دون إقامة المواطن المصري في أي مكان يتناسب مع مكانته الاجتماعية وظروفه الاقتصادية وطبيعة عمله‏..‏ وبالتبعية‏,‏ فإن من الحقوق الراسخة للمصريين المسيحيين القاطنين في المعادي والعاشر من رمضان وحلوان أن يمارسوا شعائرهم الدينية في حرية تامة‏,‏ لكن هذا الحق البدهي يبدو مستحيلا في ظل التحريم القاطع الصارم الذي يقدمه الشيخ فكأنه يطالب موضوعيا بجيتو مسيحي مغلق‏,‏ في مكان محدد محدود‏,‏ لا يجوز الخروج منه أو التطلع إلي غيره‏.‏
كيف وأين يتعبد المسيحيون إذن؟‏!‏
تزداد صعوبة الإجابة بالانتقال إلي القسم الثاني من الفتوي‏,‏ حيث يجزم الشيخ بأنه لا تجوز إقامة دور العبادة غير الإسلامية في البلاد التي فتحها المسلمون‏,‏ بل إنه لايجوز الاحتفاظ بما كان قائما قبل الفتح‏!!‏
سؤال بسيط لابد من طرحه هنا‏,‏ ونريد بالطبع إجابة مقنعة عنه من جماعة الإخوان والقوي والشخصيات التي تحالفت معهم‏:‏ أين وكيف يتعبد المصري المسيحي المقيم في مدينة الإسكندرية مثلا؟‏!..‏ وهي مدينة وفقا لفتوي الجماعة لا يحق للمسيحيين فيها بناء الكنائس‏,‏ بل لابد من هدم القائم منها‏,,‏ فإلي أين يذهبون؟‏!‏ النتيجة المنطقية هي أن يغادروا الإسكندرية كلها‏,‏ وأن يكون ملاذهم في الأماكن التي يسمح الإخوان ببناء الكنائس فيها‏.‏
هل نجد مثل هذه الكنائس في القسم الثالث من الفتوي‏,‏ حيث الأماكن التي فتحت صلحا بين المسلمين وبين سكانها؟‏!‏
التنازل الوحيد الذي يقدمه الإخوان هو الإبقاء علي ما كان موجودا من دور العبادة غير الإسلامية‏,‏ لكنهم يجعلون من هذا التنازل سرابا يمنع بناء ما تهدم‏,‏ ولابد أن الزمن كفيل بالقضاء علي ما كان موجودا عند الفتح‏,‏ فأي بناء يقاوم القرون الطوال ولا ينهار؟‏!‏
المحصلة النهائية المستخلصة من الفتوي الإخوانية هي حتمية غياب الكنائس في ديار الإسلام‏,‏ ويترتب علي ذلك منطقيا ألا مكان لغير المسلمين في مصر‏!.‏ وكأنما يخشي فضيلة الشيخ المفتي من أن تغيب رسالته‏,‏ فهو ينهي فتواه مؤكدا وضوح أنه لايجوز إحداث كنيسة في دار الإسلام‏.‏
أليست الترجمة العملية لكلامه أنه لا معني لوجود غير المسلمين في الديار الإسلامية؟‏!‏
التزام غير المسلم بالشريعة الإسلامية‏:‏
قبل أن نفيق من آثار الفتوي الأولي عن حكم بناء الكنائس في ديار الإسلام‏,‏ يعاجلنا مفتي الجماعة برأي آخر أشد عنفا وحدة من السابق‏.‏
يجب علي أهل الكتاب بمقتضي أنهم مواطنون يحملون جنسية الدولة المسلمة ويعيشون علي أرضها وبين أهلها أن يلتزموا بالنظام الإسلامي‏.‏ وجانب هذا الالتزام في المسائل التي لا تمس عقائدهم أو حريتهم الدينية‏.‏ فمثلا لا يطلب منهم أداء الصلاة ولادفع الزكاة ولا أداء الحج ولا الجهاد وكذا كل العبادات ذات الصبغة الدينية‏.‏ أما غير هذه الأمور فلابد من النزول علي حكم الشريعة الإسلامية‏.‏ فمن سرق يقام عليه حد السرقة كما يقام علي المسلم وكذلك من زنا أو قطع الطريق أو ارتكب جريمة من الجرائم وهذه غاية العدل والمساواة‏.‏
لابد من وقفة متأنية أمام المفردات اللغوية في الفتوي‏,‏ فهي تلقي الضوء ساطعا علي مضمونها الخطير‏:‏
‏*‏ مواطنون يحملون جنسية الدولة المسلمة‏,‏ النزول علي حكم الشريعة
لماذا ينكر الإخوان المسلمون إذن نيتهم في تطبيق الشريعة الإسلامية علي غير المسلمين؟‏!‏ مفتي الإخوان صارم في تحديده أن غير المسلم يحمل جنسية الدولة المسلمة‏,‏ ولابد من نزوله علي حكم الشريعة‏,‏ ولا يصح له أن يمارس سلوكا أي سلوك يتنافي مع مباديء الشريعة الإسلامية‏.‏
ويبدو الشيخ كأنه يقدم تنازلا ينم عن المرونة والتسامح عندما يقرر أن المسيحيين ليسوا مطالبين بالصلاة والزكاة والحج‏!‏ وسرعان ما يصل إلي الكارثة الحقيقية بإعفائهم أيضا وكأنها مكرمة من الجهاد‏.‏
الكلمة الأخيرة بالغة الخطورة‏,‏ فهي تعني بلغة العصر ومفاهيم المواطنة أن المسيحيين المصريين ليسوا مطالبين بأداء الخدمة العسكرية‏,‏ فهي مقصورة علي المسلمين وحدهم‏!‏ المفهوم عند الجميع أن الخدمة العسكرية الوطنية حق لكل مصري وواجب عليه‏,‏ ولا مجال للإعفاء منها إلا وفق شروط يحددها القانون لأسباب كثيرة لا علاقة لها بالدين‏.‏ الإخوان يحولون الخدمة العسكرية الوطنية إلي واجب ديني جهادي لاينال المسيحيون شرف أدائه‏.‏ وإذا لم يكن هذا الرأي الخطير هو اللعب بالنار‏,‏ فأي شيء إذن يكون؟‏!‏
لقد حارب المصريون‏,‏ المسلم والمسيحي‏,‏ جنبا إلي جنب في‏1948‏ و‏1956‏و‏1973,‏ وكان اللواء المسيحي المصري فؤاد عزيز غالي من أبطال حرب أكتوبر المرموقين‏,‏ وفي الحروب السابقة جميعا اختلطت دماء المصريين في سبيل تحرير هذا الوطن‏,‏ لكن الإخوان لايعترفون بالوطن والوطنية‏,‏ ولا يتعاملون مع الآخر الديني علي أنه مواطن مصري‏,‏ له حقوق المصريين وعليه واجباتهم‏.‏ إنه مسلوب الحق في إقامة الكنائس‏,‏ ومقيد فيما يلبسه ويأكله ويشربه‏,‏ وممنوع من الدفاع عن وطنه‏!‏
إن جماعة الإخوان‏,‏ وجميع القوي السياسية والشخصيات التي هرولت لعقد تحالف معهم تتشكل علي أساسه جبهة للتغيير في مصر‏,‏ جميعهم مطالبون بتفسير لهذه الأفكار قبل الحديث عن قطار للتغيير ينطلق من بيت الإخوان بمباركة من قوي سياسية مصرية‏,‏ دون تقديم إجابات واضحة وشافية‏,‏ وضمانات مقبولة وواقعية حول وجهته النهائية‏.‏
تسفيه العقائد المخالفة
هل يليق الحديث عن أصحاب الديانات الأخري‏,‏ وهم مواطنون مصريون يتمتعون بالأهلية ويدفعون الضرائب ويحاربون في سبيل الدفاع عن الوطن‏,‏ بالاستهانة التي تتجلي في مقولة وعلي هؤلاء الناس؟‏.‏ وهل يليق أن ينتقل مفتي الجماعة إلي التهديد الصريح والتحريم الصارم بألا يعلنوا عن عقيدتهم؟ وكيف يعتبر الشيخ أن الوحدة الوطنية هي التنازل عن الدين‏,‏ وأن التسامح هو بتجميد أحكام الدين؟‏..‏ سيبادر ملايين المسلمين إلي إدانة الوحدة الوطنية ونبذ التسامح إذا كان هذا هو المعني المراد بهما‏.‏ لماذا لا تعلنها الجماعة ومفتيها إذن أنهم ضد مفهوم الوحدة الوطنية والتسامح؟‏!‏
المقدمات تقود إلي النتائج‏,‏ واشتعال الحرائق حتمي بعد هذا العبث والتلاعب واطلاق صيحات الحرب‏.‏
ما الذي يريده الإخوان المسلمون؟ وما الذي يراد بمصر وشعبها إذا حكموا وتحكموا؟‏!‏
الفتوي التي بدأنا بها حديثنا عن حكم بناء الكنائس في ديار الإسلام ليست بالفعل الاستثنائي‏,‏ الأمر بمثابة العقيدة الراسخة في فكر الإخوان المسلمين‏,‏ وهم يتكئون علي التاريخ القريب ليبرهنوا علي صحة موقفهم المتعنت القائل بأن الأرض الإسلامية لايجوز إحداث هذه الأشياء عليها‏!.‏
دور العبادة المسيحية تتحول إلي هذه الأشياء‏,‏ فيا له من تسامح‏,‏ ويا له من خير عميم ينتظر شعارات التسامح الديني ونبذ العنف وإدانه الإرهاب ومنح الحرية الكاملة لغير المسلمين‏!.‏
إن موقف الإخوان من المسيحيين سياسي لا علاقة له بالدين‏,‏ وهم يحتكرون الإسلام ولا يتحدثون باسمه‏,‏ فما أكثر وأعظم العلماء المسلمين الذين يقدومون خطابا مغايرا مضيئا يجسد ما يدعو إليه الإسلام الصحيح من تسامح وإخاء‏.‏
لايتسع المجال هنا لتقديم الآراء المستنيرة المضادة المعبرة عن جوهر الرؤية الإسلامية‏,‏ فسيكون لها قسم آخر‏,‏ ربما بعد انتهاء حلقات تلك الدراسة‏,‏ حتي لايعتقد البعض أن فتاوي الإخوان‏,‏ ما هي إلا تعبير عن صحيح الدين‏.‏
الإخوان ومفهوم الدولة المدنية
لا يمل الإخوان من تكرار مصطلح الدولة المدنية‏,‏ في تعبيرهم عن شكل الدولة التي يريدونها‏,‏ لكنهم لايتحدثون مطلقا عن مفهومهم للدولة المدنية‏,‏ تلك التفاصيل التي ربما تدخلهم‏,‏ ليس فقط‏,‏ في صراع فكري داخلي قد يهدد تماسك الجماعة‏,‏ إنما إلي كشف شامل لمفهوم مرتبك للدولة المدنية التي يقصدونها‏.‏
ففي تلك الدولة‏,‏ التي يجب أن يعكس دستورها‏,‏ كما يوضح برنامجهم السياسي الذي سبق أن عرضوه علي عدد من الكتاب والرموز السياسية في مصر‏,‏ هويتها ذات الأبعاد الثلاثة‏(‏ الإسلامية‏,‏ الحضارية‏,‏ العربية‏),‏ والتي ليس من بينها المصرية‏.‏ والمرأة يجب أن تمكن من جميع حقوقها‏,‏ شريطة ألا تتعارض ممارسة تلك الحقوق مع القيم الأساسية للمجتمع المنبثقة بطبيعة الحال من المبدأ السياسي الحاكم‏,‏ وهو الشريعة الإسلامية‏,‏ وحيث إن الإخوان لديهم وجهة نظر واضحة في قضية المرأة‏,‏ تتمحور بالأساس حول أن المرأة أساس الشرور والبلاء في المجتمع‏,‏ وملازمتها بيتها ورعايتها أسرتها واجب مقدس‏,‏ لا يضاهيه واجب‏,‏ وأن المشاركة السياسية لا تكون إلا بالقدر الذي يخدم وجود الإسلاميين في المجالس التشريعية المنتخبة‏,‏ كالخروج المحتشم والمحتشد لإنجاح مرشحي التيار الإسلامي‏.‏ ففيما عدا ذلك‏,‏ فإن صوتها عورة وجسدها عورة وعملها يجب أن يقتصر علي الضرورات التي وفق فقه الإخوان تبيح المحظورات‏.‏
وبالطبع فإن الحديث حول التفاصيل في برنامج سياسي‏,‏ وفق الرؤية الإخوانية‏,‏ لايجوز‏.‏ فاللبيب بالإشارة يفهم‏.‏ أما غير المسلمين فحدث ولا حرج‏,‏ فوفق مباديء الشريعة‏,‏ بالمفهوم الإخواني‏,‏ الذي يجسده مولانا عبدالله الخطيب مفتي الإخوان وحاديهم فإن لهم ما للمسلمين وعليهم ما علي المسلمين‏,‏ إلا ما ندر‏,‏ فلا يجوز أن نرهقهم في الدولة المدنية الإخوانية بفريضة الجهاد‏,‏ علي سبيل المثال‏,‏ الذي هو في الدول الحديثة يسمي الدفاع عن الأوطان ضد أي اعتداء أجنبي‏,‏ وهو شرف لا يضاهيه شرف‏,‏ وهو فوق هذا وذاك محدد أساسي للمواطنة‏,‏ دونه دفع الجزية صاغرين‏.‏
والتفصيل في هذا الموضع بالطبع غير مجد عند الإخوان‏,‏ فهم يحاولون دغدغة المشاعر الوطنية دون الدخول في تفاصيل محرجة‏.‏ الكارثة تتمثل عند الحديث حول الثقافة والفن‏,‏ والإخوان هنا يفصحون بجلاء عن وجههم الحقيقي‏,‏ فالتزام الرقابة علي الإبداع الأدبي‏,‏ طبقا لقيم المجتمع وأخلاقياته وتقاليده‏,‏ واجب لا مناص منه‏.‏ وكلنا يحضرنا موقف نوابهم من رواية وليمة لأعشاب البحر للكاتب السوري حيدر حيدر‏,‏ ورائعة نجيب محفوظ أولاد حارتنا‏,‏ وعدد لا بأس به من الأعمال الإبداعية المهمة‏,‏ آخرها الموقف من إعادة نشر ألف ليلة وليلة‏.‏
وحول الغناء حدث ولا حرج‏,‏ فوفق برنامج الإخوان يجب توجيه الأغنية المصرية إلي أفق أكثر أخلاقية واتساقا مع قيم المجتمع وهويته‏,‏ مهمة وطنية لا تضاهيها مهمة‏.‏ والسياحة يجب أن تكون في ثوب لايخدش حياء المواطن المصري إذا لابد أن يلتزم السائح الغربي بالقيم الإسلامية‏,‏ ويتقيد بها‏.‏ أما الأمن القومي فيجب ربطه بدوائر الانتماء الحضاري الثلاث الإسلامية والحضارية والعربية دون المصرية بالطبع‏,‏ فهي لا تلزم الأمن القومي في شيء‏.‏
مدنية الأحكام السلطانية
لن نتحدث كثيرا عن الرؤية الاقتصادية للإخوان‏,‏ فلسنا متخصصين في هذا المجال‏,‏ لكننا فقط نشير إلي الكم الهائل من التداخل بين رؤي مدنية حديثة تحاول أن تلامس العصر‏,‏ ورؤي فقهية قديمة مستمدة من الأحكام السلطانية للمواردي‏(‏ توفي‏450‏ للهجرة‏),‏ حيث مصطلحات‏:‏ كالحسبة‏,‏ وأنظمة القطائع‏,‏ والحمي‏,‏ التحجير‏,‏ والإحياء‏,‏ والوقف‏.‏
إن جوهر ما يسعي إليه الإخوان واضح في برنامجهم‏,‏ تأسيس دولة دينية‏,‏ وليس هذا عيبا‏,‏ ولكن العيب يكمن في المداراة‏,‏ والالتفاف علي الهدف‏,‏ والتعمية عليه‏,‏ بقصد إيهام الناس‏,‏ بمقولات مثل الدولة المدنية‏,‏ التي تعني في النهاية عند الإخوان الدولة الدينية‏.‏
لهذا فإن الدستور في برنامج الإخوان ينحصر في المادة الثانية‏,‏ وفق تفسيرهم هم وليس غيرهم‏,‏ والمواطنة تعني الالتزام بأحكام الشريعة‏,‏ حتي فيما يتعلق بغير المسلمين‏,‏ والأمن القومي يعني تدعيم الأمن القومي لدول إسلامية بعينها‏,‏ وتنظيمات تسعي لإنشاء إمارات إسلامية لا تخدم‏,‏ حتي الأمن القومي العربي‏,‏ ناهيك عن الأمن القومي المصري‏,‏ وفق مبدأ أولويات دوائر الانتماء الحضاري لمصر‏,‏ بغض النظر عن المصالح العليا للوطن‏.‏
ووحدة الأمة تعني الابتعاد في حرية كاملة عن الفرقة في الشئون الجوهرية‏,‏ والسماح في حرية تامة بالخلاف في الفروع دون بغض أو خصومة‏.‏
وبالطبع فإن الإخوان وحدهم هم الذين سيحددون لنا تلك الأمور الجوهرية‏,‏ التي لن تخرج عما أطلق عليه فقهاء العصور الوسطي مفهوم‏(‏ المعلوم من الدين بالضرورة‏).‏
وهي أمور يكفر منكرها بإجماع الآراء‏,‏ وقد وصل فقيههم سيد سابق في كتابه فقه السنة الي اعتبار الجماعة المسلمة ركنا أساسيا من المعلوم من الدين بالضرورة يكفر منكره بالإجماع‏.‏ تلك رؤيتهم للدولة المدنية ومفهومهم عنها‏.‏ وبعد‏,‏ فإن الناظر في أهداف الإخوان وأفكارهم‏,‏ لابد له أن يلحظ أنها ليست دينية ولا يمكن أن تكون‏,‏ فهم سياسيون يراودون السلطة‏,‏ ويتذرعون بكل الوسائل للوصول إليها‏,‏ ولا يبالون في سبيل ذلك بالخسائر الفادحة التي تلحق بالأمة المصرية‏,‏ الأمة التي يجتمع تحت لوائها المسلمون والمسيحيون دون تمييز‏.‏ ونواصل‏.‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.