تعد الإنفلونزا الموسمية أحد أكثر الأمراض انتشاراً وتكراراً مع مطلع كل شتاء، حيث يرتبط في أذهان الغالبية العظمى من الناس أن "السخونية" أو الارتفاع الشديد في درجة الحرارة هو المؤشر الحتمي والوحيد للإصابة بالفيروس، إلا أن الواقع الطبي يثبت عكس ذلك تماماً، فقد تهاجم العدوى الجهاز التنفسي وتنهك القوى الجسدية دون أن تسجل موازين الحرارة أي ارتفاع يذكر، مما يفتح الباب أمام تساؤلات طبية هامة حول خطورة هذه الحالات وكيفية التعامل معها لتجنب المضاعفات التي قد تصل إلى الالتهاب الرئوي الحاد وفشل وظائف التنفس في حالات معينة. موضوعات مقترحة مواقيت الصلاة اليوم الأحد 28 ديسمبر 2025 في القاهرة وعدد من المحافظات دور الجهاز المناعي في تحديد شكل الاستجابة لفيروس الإنفلونزا قال الدكتور ياسر مصطفى، أستاذ أمراض الصدر بجامعة عين شمس، إن الاعتقاد السائد بأن الحرارة هي العرض الأساسي والوحيد للإنفلونزا هو مفهوم منقوص طبياً ويحتاج إلى تصحيح عاجل لدى الرأي العام، حيث يمكن للفيروس أن يخترق الجسم ويحدث التهابات شديدة في المسالك التنفسية دون استثارة مركز تنظيم الحرارة في الدماغ بشكل ملحوظ، مشيراً إلى أن قوة الجهاز المناعي أو الحالة الصحية العامة للمريض تلعب دوراً محورياً في شكل الاستجابة للفيروس، وهو ما يجعل بعض المرضى يشعرون بتكسير حاد في العظام وخمول تام في كافة عضلات الجسم دون أن تظهر عليهم علامات الحمى التقليدية. غياب الحرارة لا ينفي الإصابة بالإنفلونزا وأضاف أستاذ أمراض الصدر أن غياب الحرارة لا يعني أبداً أن الحالة بسيطة أو غير معدية كما يظن البعض، بل قد يكون دليلاً في بعض الأحيان على عدم قدرة الجسم على إظهار رد فعل مناعي قوي وواضح، مؤكداً أن الأعراض الأخرى مثل السعال الجاف المتواصل، واحتقان الحلق الشديد، والصداع النصفي المستمر، وآلام المفاصل المبرحة، هي مؤشرات كافية تماماً لتشخيص الإصابة بالإنفلونزا حتى في ظل استقرار درجة الحرارة عند مستوياتها الطبيعية، ولذلك يجب على المريض عدم إهمال هذه الأعراض والانتظار حتى تظهر الحرارة للبدء في بروتوكول العلاج المناسب. الفئات الأكثر عرضة لمخاطر الإنفلونزا "الباردة" وكيفية حمايتهم وأكد الدكتور ياسر مصطفى أن الفئات الأكثر عرضة للإصابة بالإنفلونزا "الباردة" أو الخالية من الحرارة هم كبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مناعية أو يتناولون أدوية مثبطة للمناعة، لافتاً إلى أن هذه الفئات قد لا تظهر أجسادهم رد الفعل الدفاعي التقليدي المتمثل في الحمى، مما يتطلب حذراً مضاعفاً من المحيطين بهم لملاحظة أي تغير طفيف في وتيرة التنفس أو زيادة غير مبررة في حدة السعال، لأن التأخر في التشخيص في هذه الحالات تحديداً قد يؤدي إلى تدهور سريع جداً في وظائف الرئة والوصول إلى مرحلة حرجة دون سابق إنذار طبي واضح.
كيف تميز بين الزكام العادي والإنفلونزا الحادة دون الاعتماد على الحرارة؟ وأشار أستاذ الصدر بجامعة عين شمس إلى أن التمييز الدقيق بين نزلة البرد العادية والإنفلونزا الحادة بدون حرارة يعتمد بشكل كبير على ما نسميه "حدة العرض وشدة الإعياء"، حيث تتسم الإنفلونزا بتعب مفاجئ ومنهك يجعل المريض طريح الفراش بشكل كامل، في حين أن نزلات البرد تكون تدريجية وتتركز في الأنف والجيوب الأنفية فقط، موضحاً أن المريض في حالة الإنفلونزا يشعر بضيق عام وكأنه غير قادر على ممارسة أبسط مهامه اليومية، وهو شعور يفوق بمراحل مجرد الرشح أو الزكام العادي الذي يصاحب نزلات البرد التي لا تستدعي القلق ذاته.
العزل المنزلي والراحة.. لماذا يجب الحذر من نقل العدوى "الصامتة"؟ ولفت الدكتور ياسر مصطفى إلى ضرورة الالتزام التام بالراحة السريرية وتناول السوائل الدافئة فور الشعور ببدايات التعب الجسدي، مشدداً على أن "الاستهانة" بالحالة لمجرد غياب الحرارة قد تدفع المريض لممارسة حياته وعمله بشكل طبيعي مما يزيد من وتيرة إجهاد عضلة القلب والرئتين، واستطرد قائلاً إن انتقال العدوى للآخرين يظل قائماً وبقوة في هذه الحالات الصامتة، بل إن خطرها المجتمعي يكمن في أن المريض لا يتخذ إجراءات العزل المنزلي اللازمة لظنه الواهم أنه غير مصاب بمرض فيروسي حاد، مما يتسبب في تفشي العدوى في محيط أسرته وعمله.
اقرأ أيضا: بالأدلة الطبية.. أطعمة تقلل من أعراض البرد والأنفلونزا وأخرى تزيدها سوءًا الحرارة الخفيفة المستمرة بعد نزلة البرد.. "الفخ" الصامت الذي يُهدد سلامة الرئتين
التشخيص المبكر الضمانة الوحيدة لمنع وصول الفيروس إلى الشعب الهوائية واستطرد أستاذ الصدر، أن هناك طفرات جينية في سلالات الفيروسات التنفسية تجعلها أحياناً تتخفى وراء أعراض غير نمطية، وهو ما يستوجب رفع درجة الوعي الصحي، واستكمل الدكتور ياسر مصطفى حديثه بأن التشخيص المبكر عبر المسحات أو التحاليل اللازمة في حال استمرار الأعراض هو الضمانة الوحيدة لمنع وصول الفيروس إلى الشعب الهوائية الدقيقة، لافتاً إلى أن الكثير من حالات التليف الرئوي أو الالتهابات المزمنة بدأت بإصابات فيروسية "بسيطة" في نظر أصحابها لأنها لم تكن مصحوبة بارتفاع في درجات الحرارة. علامات تحذيرية تستوجب التدخل الفوري وتحذير شديد من "حقنة البرد" وحدد أستاذ الأمراض الصدرية مجموعة من العلامات التحذيرية التي تستوجب التدخل الطبي الفوري والمباشر حتى لو كانت حرارة الجسم في معدلها الطبيعي (37 درجة)، ومن أبرز هذه العلامات نهجان مستمر، وآلام في الصدر عند أخذ نفس عميق، وظهور بلغم مدمم، أو استمرار السعال الديكي لأكثر من عشرة أيام، محذراً بشدة من اللجوء إلى ما يسمى "حقنة البرد" أو "المجموعة المختلطة" المنتشرة في بعض الصيدليات، أو تناول المضادات الحيوية دون استشارة طبية دقيقة، لأن المضاد الحيوي سلاح ذو حدين ولا يؤثر مطلقاً على الفيروسات بل قد ينهك الكبد والكلى ويزيد من مقاومة البكتيريا في المستقبل.
"التغذية والتهوية والكمامة" المثلث الذهبي للتعافي ومنع انتشار العدوى وحذر الدكتور ياسر مصطفى من أن إهمال التغذية السليمة خلال فترة الإصابة بالإنفلونزا الخالية من الحرارة قد يؤدي إلى انتكاسة مفاجئة، مشيراً إلى أن الجسم يحتاج إلى كميات مضاعفة من فيتامين (C) والزنك المتوفر في المصادر الطبيعية لتعزيز الدفاعات، وأضاف أن التهوية الجيدة للمنازل حتى في ظل البرد القارس أمر لا غنى عنه لتجديد الهواء وتقليل تركيز الفيروسات في الجو المحيط بالأسرة، مؤكداً أن ارتداء الكمامة في الأماكن المغلقة يظل هو الوسيلة الأنجع للوقاية من كافة الفيروسات التنفسية سواء كانت مصحوبة بحرارة أم لا. لقاح الإنفلونزا السنوي حائط الصد الأول للوقاية من المضاعفات القاتلة واستكمل أستاذ الصدر بجامعة عين شمس توضيحاته بشأن اللقاحات، مؤكداً أن الوقاية تظل دائماً وأبداً هي حائط الصد الأول والأقوى، وذلك من خلال الحرص على تلقي لقاح الإنفلونزا السنوي الرباعي الذي يقلل بشكل كبير من حدة الأعراض حتى لو حدثت الإصابة، وأشار إلى أن اللقاح لا يمنع الإصابة بنسبة 100% ولكنه يمنع "المضاعفات القاتلة" ويحول الإنفلونزا الشرسة إلى مجرد وعكة بسيطة تمر بسلام، مختتماً حديثه بالتأكيد على أن الوعي الطبي بطبيعة الفيروس وتغير أنماطه الموسمية هو السبيل الوحيد لتفادي أزمات صحية كبرى قد تؤثر على كفاءة الرئة مدى الحياة. موضوعات قد تهمك: هل تسخين الأكل أكثر من مرة خطر؟.. اعرف الحقائق الطبية مشروبات صباحية تقوي المناعة في الشتاء.. احرص عليها