"عين شمس" تستقبل خريجي الدفعة الأولى من جامعة هارفارد لبحث سبل التطوير المؤسسي    محافظ البحيرة: تكثيف الجهود لرفع كفاءة المشروعات الخدمية والإنتاجية    استقرار سعر الريال القطري أمام الجنيه في البنك المركزي بختام تعاملات اليوم    الحكومة تجهز إصدارًا جديدًا لوثيقة «ملكية الدولة» لتعظيم دور القطاع الخاص    برلماني: اتصال الرئيس السيسي ومحمد بن سلمان يعزز وحدة الصف العربي    فرنسا تفتح الباب لعودة بريطانيا إلى السوق الأوروبية الموحدة    سبورتينج لشبونة ضد بودو جليمت.. ريمونتادا تقود المباراة للأشواط الإضافية    المكسيك تدرس استضافة مباريات إيران في مونديال 2026    كرة يد - "لحدث سعيد".. فيزبريم يكشف سبب غياب أحمد عادل عن قائمة المنتخب    انطلاق مباراة تشيلسي وباريس سان جيرمان في دوري أبطال أوروبا    ضبط قائد سيارة أجرة بالتعدى على أحد الركاب بالقاهرة    تصفية مسجلين خطر في مداهمة أمنية بدشنا    السجن المشدد 15 عامًا لشقيقين شرعا في قتل شخصين بسوهاج.    مواجهة مثيرة بين نيللي كريم ومها نصار في الحلقة 28 من "على قد الحب"    د. طه عبد الوهاب الخبير الموسيقى:القارئ الحقيقى يطوع المقام لخدمة المعنى لا استعراض الصوت    الإعلامية عائشة نصار تروى تكليف محمود عزت لتجنيد طلاب الجامعات 1975    رامز جلال يعلق على مقلب دنيا سامي في ليفل الوحش    إفطار جماعى بالجامع الأزهر اليوم السابع والعشرين من شهر رمضان    وكيل الشيوخ: مصر بقيادة الرئيس السيسي تبعث رسالة سلام للعالم    حكم إخراج زكاة الفطر مالًا؟.. المفتي يجيب    طريقة عمل كحك العيد بالوصفة المصرية الأصلية    وزير الصحة يبحث مع شركة روسية تعزيز التعاون في الطب النووي والتكنولوجيا الطبية المتقدمة    الاحتلال الإسرائيلي يمنع المصلين من أداء صلاة التراويح في أحياء القدس    رئيس جامعة القاهرة يهنئ فريق قصر العيني بنجاح استئصال ورم نادر من قلب مريض يبلغ من العمر 70 عامًا    خالد الجندي: سيدات المنزل أكثر فئة تستحق الشكر والثناء في شهر رمضان    الأهلي يتقدم بشكوى ضد الحكم عيسى سي ويطالب كاف بحماية نزاهة المسابقات    عماد الدين حسين: موقف مصر تجاه أمن الخليج ثابت وراسخ والتضامن العربى ضرورة    «سفراء دولة التلاوة».. المدرسة المصرية تصل ماليزيا بصوت الشيخ محمد جابر    حسام موافي: احذروا من استخدام الذكاء الاصطناعي بديلًا للدكتور    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تُوجه برفع درجة الاستعداد بالقطاعات الخدمية والتنفيذية والمحميات الطبيعية    ما تخافش يا رجب.. انهيار والدة شاب بورسعيد ضحية الشهامة لحظة دفنه    لن يحتاج لحارس الرديف.. نوير وجوناس أوربيج يعودان لتدريبات بايرن ميونيخ    كشف ملابسات فيديو مزاعم تعدى الشرطة بكفر الشيخ    السيسي يؤكد الموقف المصري الثابت والراسخ الداعم لأمن واستقرار دول الخليج العربي    أسامة قابيل: إعطاء الزوجة عيدية ليس بدعة ويؤجر الزوج عليها    وزير الخارجية الإسرائيلي: لا يمكن إسقاط النظام الإيراني إلا عن طريق الإيرانيين    تعرف على طرق حجز تذاكر قطارات عيد الفطر 2026    فحص طبي ل زيزو وأليو ديانج قبل مران الأهلي استعدادًا لمواجهة الترجي    رينارد يحدد برنامج المنتخب السعودي بعد ودية مصر    الصحة: توفير 3 آلاف سيارة إسعاف و40 ألف كيس دم خلال إجازة عيد الفطر    كفر الشيخ تحصد كأس بطولة الدورة الرمضانية للجامعات    نائبة وزيرة التضامن تشهد ختام أعمال مبادرة "أنا موهوب" بمحافظة القاهرة    تدهور حاد في توقعات الخبراء بشأن الاقتصاد الألماني بسبب حرب إيران    في ذكرى رحيله.. «البابا شنودة» رمز روحي ساهم في ترسيخ الوحدة الوطنية    محافظ القاهرة يؤكد ضرورة ضبط الأسواق وتفعيل التفتيش والرقابة لحماية المستهلك    معهد الفلك يكشف موعد عيد الفطر المبارك فلكيا.. هلال شوال يولد بعد غد    الهلال الأحمر يُطلق قافلة «زاد العزة» 158 لدعم الأشقاء الفلسطينيين    مفتي الجمهورية يستقبل رئيس الطائفة الإنجيلية والوفد المرافق له للتهنئة بعيد الفطر المبارك    وزير الزراعة يعلن فتح السوق السلفادوري أمام صادرات "الليمون المصري"    البيت الفني للمسرح يعيد عرض «ابن الأصول» على مسرح ميامي في عيد الفطر    الأهلي يفوز على الاتحاد..والزمالك يهزم الجزيرة في دوري الطائرة    مع عيد الفطر.. «الصحة» تحذر من مخاطر الأسماك المملحة وتوجه نصائح وقائية عاجلة    وزير الدفاع يلتقي مقاتلي القوات الجوية ويشاركهم تناول وجبة الإفطار    خلال جولته العربية.. وزير الخارجية يطمئن على اوضاع الجاليات المصرية فى دول الخليج العربى والأردن الشقيقة ويثمن رعاية الدول لهم    قفزة في أسعار القمح بسبب تدهور حالة المحصول في أمريكا    أسعار الأعلاف بأسواق أسوان اليوم الثلاثاء 17 مارس 2026    إيمان أيوب: نور الشريف مدرسة حقيقية في التمثيل والثقافة الفنية    تفكيك خلية مرتبطة ب "حزب الله" في الكويت: إحباط مخطط لعمليات عدائية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



شعير والرواية المحرمة.. الجدية كفلت الدخول لعالم محفوظ من الباب الذهبي
نشر في بوابة الأهرام يوم 18 - 11 - 2018

عندما قال ابن الجمالية "نجيب محفوظ"، أن الحقيقة بحث وليست وصولًا، لم يكن يدري أن ذلك التوصيف، سيكون أصدق ما يمكن أن يقال على التجارب المتوهجة، التي نجحت في أن تبحر في عالم العربي الوحيد الذي توج بجائزة نوبل للآداب، حتى لحظة كتابة هذه السطور.
ورغم كل محطات الإثارة في حياة نجيب محفوظ، وفي مشروعه الأدبي العظيم، والتي كانت عنصر جذب للكثير من الكُتاب والنقاد، في محاولة تفسيرها والدخول إلى دهاليزها، سواء من خلال كتب صنعت خصيصا لهذا الغرض – فربما لا يوجد كاتب عربي صدرت كتب بهذا العدد في تحليل مشروعة مثل محفوظ-، أو من خلال المقالات والدراسات النقدية، إلا أن ناتج كل هذا الزخم، لم يستطع الوقوف على أبواب حقيقة المشروع العظيم والكاتب الاستثنائي، إلا في حالات نادرة، ومن أبرز تلك الحالات، يأتي كتاب "أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة" للكاتب الصحفي "محمد شعير"، الذي صعد اليوم، إلى القائمة الطويلة، لجائزة الشيخ زايد في فرع الفنون والدراسات النقدية، والذي نجح في خلال شهور بعد صدوره، في أن يسجل نفسه واسم كاتبه، بأحرف من نور، في سجل الكبار، الذين نجحوا في الدخول إلى الحضرة المحفوظية باقتدار، مثل "رجاء النقاش"، و"محمد سلماوي" ومعهم شعير، متسلحين بمعنى محفوظ الكبير بأن الحقيقة بحث وليست وصولًا، فكان النجاح حليفهم في مهتمهم الصعبة.
وإذا كان الراحل الكبير "رجاء النقاش" رحمه الله، قد تسلح في تجربته مع محفوظ، بانفراد استثنائي، بعد أن جمعته مع أديب نوبل، عشرات الساعات المسجلة، التي نسج منها الناقد الكبير، أروع سيرة ذاتية لحياة ابن الجمالية، إلا أن "محمد شعير" كانت تجربته أكثر مشقة وصعوبة بكل تأكيد، وربما يكون حجر الزاوية لنجاح تجربته في "سيرة الرواية المحرمة"، وهي الجزء الأول من ثلاثية عن سيرة حياة الأديب الكبير "نجيب محفوظ" صاحب نوبل، يعمل عليها شعير، هو لجؤوه إلى بناء هندسي سليم، للكتاب الأول، وللثلاثية ككل، فشعير الباحث، لم يكن يشغل باله بكيفية الدخول لعالم محفوظ، بقدر ما كان هناك سؤال آخر يبدو واضحا أنه كان يسيطر عليه، "ما الذي نريده من عالم محفوظ تحديدا"، فجاءت البداية بسيرة الرواية المحرمة.
أول عناصر الجذب في "أولاد حارتنا" كبداية لمشروع شعير "المحفوظي" كما يرى صاحب الكتاب، هي أنها تشكل فى مجموعها سيرة كاملة لمصر وللحداثة المصرية، كما أنها الرواية المركزية في عالم نجيب محفوظ، وحياته بعدها لم تعد مثل حياته قبلها، سواء بسبب الضجة التي صاحبت صدورها، ومنعها وارتفاع الأصوات التي طالبت بتكفير محفوظ، أو لأنها الخطوة الأولى فى التجريب داخل الرواية المصرية.
ويلتقط شعير في كتابه عبر رحلة بحث في مئات الوثائق والدوريات، وبلغة تمزج بين السرد وتقنيات السينما التسجيلية، دراما اللحظة المتوترة التي أثارتها الرواية، ليتجاوز كونها أزمة في حياة صاحبها، بل وسيلة لقراءة آليات وتفكير المجتمع، كاشفة لطبقات أعمق منه، وملتمسة بعضًا من جذور المواجهة بين حرية الفكر واستبداد الرجعية، قراءة لا تنشغل بالإجابة أكثر من طرح الأسئلة، ومن ثم تبدو مرآة لواقعنا الراهن، والكتاب يمثل رواية للرواية، ورحلة للبحث عن التفاصيل المنسية حول البشر والزمن والتحولات ودوائر الصراع المكتوم داخل حارتنا المأزومة.
ومنذ الصفحة الأولى للكتاب، والإهداء الموجه إلى طه حسين، ونصر أبو زيد، يستطيع أن يعرف القارئ إلى أين ينظر محمد شعير، فما أحوجنا في عالم نعيشه بعد ثلاثة عقود على حصد محفوظ لنوبل، وما يزيد عن عقد على رحيله، إلى المشروع الحداثي المصري الكبير، الذي كانت "أولاد حارتنا" نقطة توهج على طريقه، وكان انطلاقاته الأولى مع "طه حسين" ورفاقه، وتجليات البداية قبل قرن من الزمان، وسط الصحوة المصرية المصاحبة لثورة 1919م، وكان "نصر أبو زيد" أحد محطات الكفاح، التي أعقبت "أولاد حارتنا، وما بين ما قبل وما بعد، فتح "شعير"، سيرة الرواية المحرمة.
على طريقة كمال عبدالجواد في الثلاثية، تلك الشخصية الثرية التي أبدعها محفوظ، عاش "شعير" في حدوتة التحدى المحفوظي الأكثر عنفا، كسائح في متحف لا يملك فيه شيئا، لكنه في الواقع يعرف دروبه ودهاليزه، مؤرخ لا يدري أين يقف، أو لا يريد أن يقف، فالاسترسال الحر، بعد وضع "شعير" لخطته في شكل قالب هندسي يحدد سعيه، كان عنصر التوهج للتجربة، فالعمل المنظم البعيد عن الارتجال، الذي كان الركيزة الأساسية لتوهج تجربة "نجيب محفوظ"، هو نفسه كان العنصر الأساسي في نجاح شعير في "سيرة الرواية المحرمة".
جدية محمد شعير صاحب ال 44 عاما، الذي درس الأدب الإنجليزي، التي ظهرت مع تجاربه السابقة في "كتابات نوبة الحراسة: رسائل عبدالحكيم قاسم، مذكرات الآنسة أم كلثوم، إدوارد سعيد: المفكر الكوني، وفي كتاباته الصحفية بشكل عام، والتي قادته لحصد العديد من الجوائز ومها جائزة دبي للصحافة، وجائزة نقابة الصحفيين لعدة دورات، وتقوده اليوم لقائمة جائزة الشيخ زايد، تواصلت في تجربته المحفوظية، التي كانت تحتاج لمزيد من اليقظة، حتى لا يفقد البوصلة وإشارة الاتصال بينه وبين قارئ ما زالت عوالم محفوظ بالنسبة له تشبه بحر الظلمات، فأديب نوبل كما أنه رمز الإبداع الأدبي العربي الأبرز، إلا أن مفاتيحه لا يعطيها إلا للمحبين المخلصين.
يستعرض الكتاب الأجواء التي صاحبت خروج "أولاد حارتنا" إلى النور، بعد أن مضت فترة الصمت الروائي على محفوظ، فبعد التوقف عن كتابة الرواية، شعر ابن الجمالية أخيرا بالإنجذاب للأدب مرة أخرى، في تلك الفترة من نهايات الخمسينات، وهو الوقت الذي كان يميل فيه ناحية الدين والتصوف والفلسفة. فجاءت فكرة رواية «أولاد حارتنا» لتحيي في داخله الأديب الذي ظن أنه مات، وقد استوحى محفوظ عنوان روايته من إحدى أغنيات الطفولة "يا ولاد حارتنا.. توت توت"، وهي أغنية أشار إليها في روايته "خان الخليلي".
وعبر 17 فصلًا من الكتاب، ما بين 21 سبتمبر 1959م، وحتى 30 أغسطس 2006م، حسبما جاءت عناوين الفصول، ومنها "لا حياء في الأدب، عبدالناصر يسأل، رسالة غاضبة، كيف يقرأ المشايخ الأدب؟، زنزانة الأسلوب الرمزي، تربية المواطن، لست فيلسوفًا، البحث عن المخطوط، الأصل البعيد، في مواجهة سيد قطب، النشر بالإكراه، الأرض الخراب، الوصايا المنبوذة"، ينشغل "شعير" بهم أكبر ظهرت أهميته في قضية منع أولاد حارتنا وتكفير مؤلفها، وهو كيفية تعامل المجتمع المصري ككل، باختلاف الطوائف مع الأدب، ولا ينسى رغم أهمية ذلك الهدف، بالحفاظ على عنصر التشويق والإثارة، من خلال دراسة صحفية استثنائية، وتحقيق استقصائي ساخن، من عالم أكبر الأزمات التي تعرض لها أديب نوبل، ومن خلال الأزمة وطريقة محفوظ في التعامل معها، وطريقة المجتمع والسياسيين والمفكرين في التعامل معها، يخرج بنا "شعير" إلى مصر، التي سنعرف من خلال تلك الأزمة، كيف كنا نفكر في ذلك الزمان، ومن وسط سخونة الأحداث، يخرج "شعير" رويدا رويدا إلى عالم أوسع، ويعبر في أزمنة نجيب محفوظ، متنقلا بخفة، ما بين الدخول لكواليس علاقاته مع الجماعات الإسلامية، وحالة الاحتقان والترصد التي كان ينسجها المتطرفين حول أديب نوبل قبل محاولة اغتياله، كما يفتح في فصل كامل، كواليس رحلة حصول أول كاتب عربي على جائزة نوبل للأداب، ويكشف الاسماء المرشحة التي كانت تتنافس مع محفوظ، وإذا كانت تلك الفصول الأخيرة في الكتاب، تفتح الطريق أمام شعير لاستكمال ثلاثيته المنتظرة عن محفوظ، والتي من المنتظر أن يكون الجزء الثاني منها تحت عنوان "المخطوطات المفقودة"، وهو قراءة فى مخطوطات نجيب محفوظ الأولى، والتي يسعى شعير من خلالها لاستعراض الكيفية التي كان أديب نوبل يعمل بها على الرواية، حتى تصل إلى شكلها النهائى، إلا أن تلك الفصول الأخيرة أيضا، رغم خروجها عن نطاق تاريخ الأزمة المحورية للكتاب، ورواية "أولاد حارتنا، إلا أنها كانت أكثر التصاقا بالسياق العام لتجربة "شعير" مع سيرة الرواية المحرمة، وهو الكتاب الذي عندما ننظر إلى غلافه المميز ببصمة الفنان الكبير أحمد اللباد والإطلالة المحفوظية، يتأكد القارئ العام أنه أمام كتاب يتطرق لحياة أديب نوبل، إلا أن كل صفحة نقطعها داخل الكتاب بعد ذلك، يتسع الإطار، خروجا من "محفوظ" الذي بوجوده وبإنتاجه الأدبي الكبير، ترسخ معنى الهوية المصرية في عوالم القرن العشرين، بروائح الجمالية وبين القصرين وقصر الشوق والسكرية، إلى فضاء أوسع عن مصر وحكاية مجتمع بطبقاته المختلفة، وطريقة اشتباكه مع معاني الإبداع والحرية والفكر والحداثة من خلال أشد التجارب إثارة، وأكثرها تقاطعا مع كل تلك المعاني، وهي تجربة محفوظ مع "الرواية المحرمة"، التي كان كتاب "شعير" قنطرة حقيقية نقلتها عبر عدة عقود إلى أجيال جديدة بشكل جذاب، وهي الأجيال التي تحتاج للدرس في حدوتتها بشدة، وتحتاج لأن تعرف كما عرف صاحب الكتاب، بأن الحقيقة بحث وليست وصولًا.
نجيب محفوظ
نجيب محفوظ


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.