الحياه حلوة بس نفهمها .. الحياه غنوة ما أحلى أنغامها .. ارقصوا وغنوا وانسوا همومها .. الحياه حلوة .. دي الحياه حلوة .. هكذا كان صوت فريد الأطرش يشدو في حي رملة بولاق (السكة التجارية) في الورش المليئة بالصناعات الخشبية والحدادة البسيطة.. هذه الورش موجودة وسط عدد من العشش والبيوت ذات الدور الواحد. المفارقة في هذه المنطقة أن عشش بولاق بسكانها البسطاء تقابلهم عاة الناحية الأخرى مظاهر الحضارة والفخامة وما تحمله من ألوان متعددة من البشر موجودون في الشركات والفنادق الفخمة، التي يطل بابها الخلفي عليهم، مظهر يدعوي للتساؤل وكأنها الأشواك التي تحيط بالورود. لكن حياة هؤلاء البشر الذين يحييون في هذه المنطقة ليست معدمة كما يتصور البعض.. ولكنهم يحييون حياتهم يوم بيوم ويملكون قوت يومهم.. لأنهم "صنايعية علي باب الله" يعيشون في بيوت يمتلكونها ويدفعون ضرائبها راضيين قانعين بهذه العيشة التي تزوجوا وانجبوا أبناءهم فيها وكبروا وترعرعوا فيها.. لا يملكون أحلاما سوي أن تستمر حياتهم في هذا الرضاء والقناعة التي يتميزون بها وهي ما حرصوا علي تربية ابنائهم عليها. لكن فجأة تبددت أحلامهم وتغيرت طموحاتهم بعد أن بدأت إدارة الحي تنتبه لهم ولهذه الحياة الغريبة والبيوت والعشش الموجود في موقع متميز جدا.. خاصة أنها أصبحت أملا ومقصدا لبعض رجال الأعمال. تقول الحاجة كريمة أحد المقيمين "بعد ماعفنا بقالنا 100 سنة بقت المنطقة عليها عسل" منذ أن تزوجت وهي تحيا في هذا البيت بعد انتقالها من بيت عائلتها في الحارة المجاورة لبيت عائلة زوجها. لم تتحدث عن أي شئ تعاني منه سواء من هذه الحياة البائسة أو المنطقة البعيدة كل البعد عن مظاهر الحياة الآدامية. "وبصراحة حتي إذا تحدثنا مع أي مسئول لا نسمع سوي وعد فقد"، فمثلا في وقت بداية الانتخابات تجد سيادة النائب يأتي ويتحدث عن التطوير والأمل في الغد يستصدر لنا بطاقات انتخابية ليضمن اصواتنا التي لا تظهر أهميتها إلا وقت الانتخابات وبعدها لا تسمع أصواتنا ولا حتي صرخاتنا سوي آذان صماء. عبد الله صاحب أحد الورش الموجود في منطقة الرملة يقول إننا فوجئنا أن هذه الورش والمحلات الصغير أصبح لها مقاما رفيعا والحي بدأ في البحث عنها أخيرا، بعد أن كنا نرسل طلباتنا واحتياجاتنا وتحفظ بلا أي رد ولا أي اصلاح في المكان. فقد أرسل لي الحي والورش المجاورة إنذارات بضرورة إخلاء المنطقة من هذه الورش وذلك لأنها هذه الأرض ملك الدولة وليس لهم أي حق في البناء علي أرضي الدولة وهذا الأمر لايمكن حله إلا بالغرامة المالية الكبيرة أو إخلاء المكان. لكن عبد الله خاض المعركة القانونية "كما يسميها" لإيمانه بأنه صاحب حق وأن هذه الورشة ملكه، وبالفعل كسب معركته وأقرت المحكمة حقه في امتلاك تلك الورشة الصغيرة بعد أن تأكدت من سلامة الأوراق وامتلاكه لهذه الأرض. وطبعا هذا ليس حالتى وحدي، لكن هو حال باقي الورش المجاورة التي أثبتت حقها في هذا المكان مما أضاع علي الحي فرصته في طردهم من أملاكهم.. "فما هي الحجة الجديدة للحي للتخلص منا؟". تقاطعه الحاجة أم محمد وتقول "نحن أصحاب ملك حتي وإن كان بسيطا وصغيرا.. نحيا حياة راضية، ونمتلك كافة الأوراق القانونية التي تؤكد أحقيتنا في هذا المكان من أوراق ملكية وأوراق النور والمياه والبطاقة الضريبة، كلها تثبت حقنا في هذا المكان". "وبعد أن أدرك الحي أننا أصحاب حق، ظهرت نواياهم الحقيقة وهو عرضهم في توسيع شارع السكة التجارية وفقا لخريطة تطوير العشوائيات ومناطق العشش وتحويلها لأماكن لها قيمة ومظهر حضاري نتيجة للموقع المميز" سواء كانت حدائق أو أبراج فندقية أو سكنية. تضيف أم محمد أنهم مع التطوير فمن يرضي أن يظل يعيش في هذا المستوي النائي ويترك العيشة المحترمة له ولأبنائه وعائلته؟. تؤكد الحاجة نبيلة علي كلام الحاجة أم محمد وتقول أنهم يتمنون ذلك منذ فترة خصوصا مع انتشار عدد من البلطحية وبائعي المخدرات في المنطقة، لاسيما في "عاطفة مدبولي" وبعض العشش و"الخرابات" المجاورة التي أصبحت ملجأ للقتلة واللصوص وبائعي ومتعاطي المخدرات، حيث تتحول المنطقة في المساء "لغرزة كبير لكل لمتعاطي للمخدرات". فكل أسرة بها فتايات وفتيان نخاف عليهم من هذه الحياة المليئة باشكال الانحراف المختلفة، لذا يتمنون أن يتم تطوير هذا المكان والقبض علي هؤلاء البلطجية الذين يفشون أساليب العنف والرعب في المنطقة، مع تعويض مناسب عن ترك أملاكهم بالسكن في أماكن أكثر أمنا. أحمد أحد العاملين في هذه الورش أوضح أنه يأمل أن يترك هذه الورش،إذا تم نقلها في مكان جديد، مثلا في إحدى المناطق الصناعية أو أي مكان يستكملون فيه الحرف التي يجيدون العمل بها. ويضيف أحمد: من منا لا يرغب في حياة محترمة مع وجود لقمة العيش، ولكن ما ترغبه الحكومة وتسعي له "ترمينا زي الكلاب" بلا مأوي أو عمل أو أي شئ "فماذا نفعل هل نتحول لبلطجية أم ماذا؟" هذه ليست حكايات أهالي حي الرملة ببولاق وإنما هي نداءاتهم البسيطة للمسئولين رافعين شعار "لسة الأماني ممكنه" فقبل الحديث عن التطوير يجب ايجاد حلول لهم.. فأين يحيون؟ ومن أين يحصلون عن مصادر رزقهم؟. فى كل الأحوال هم يتمنون أن تكون أحلامهم البسيطة قابلة للتحقق ولا تتحول لدخان يتطاير في الهواء إلي أن يتلاشي.