مساء 13 يناير 2011 أعلن الرئيس التونسي المخلوع " بن على " في خطابه الثالث والأخير خلال أحداث " ثورة الياسمين " عن تشكيل ثلاث لجان في محاولة يائسة لإنقاذ نظامه، و كان من بينها "لجنة لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد "، وذلك إلى جانب لجنتي الإصلاح السياسي وتقصى حقائق إطلاق النار على المتظاهرين. ومع الإطاحة بالرئيس "بن على" أصبحت لجنة تقصي الفساد إحدى آليات المرحلة الانتقالية الأولى في الطريق إلى الجمهورية التونسية الثانية. لم تبدأ اللجنة أعمالها إلا في إبريل الماضي، و يرأسها عبدالفتاح عمر ، وهو بالأصل أكاديمي متخصص في القانون والحقوق وعضو سابق بلجان الأممالمتحدة لحقوق الإنسان. في مكتبه بشارع " خير الدين باشا " الذي يعد عنوانا على الحركة الإصلاحية في تونس والدولة العثمانية في القرن التاسع عشر سألناه عن ظروف عمل اللجنة، فقال: قمنا بالكثير وما تبقي هو الأكثر.. تلقينا ملفات ( بلاغات) من المواطنين تجاوز عددها عشرة آلاف ملف، فضلا عن ثلاثة آلاف أخرى و ردت من الوزارت والهيئات الحكومة. والملفات الأخيرة تتضمن وثائق تمكنا من ضبطها بمقر رئاسة الجمهورية في " قصر قرطاج". وتتضمن معلومات كثيرة ومهمة. كما وضعنا يدنا على أموال طائلة و مجوهرات في هذا القصر، وفي أماكن أخرى من بينها قصر خاص ل " بن على " في "سيدي بوسعيد " كان قد جرى تشييده على أرض تابعة للدولة بثمن زهيد و ساهم في وضع أساساته الجيش. * وبكم تقدر الأموال التي جرى العثور عليها في قصر قرطاج؟ ما يتجاوز 27 مليون دولار أمريكي أموال سائلة، فضلا عن مبالغ أخرى بالعملات التونسية والأجنبية الأخرى. أما المجوهرات فحدث ولا حرج، لكن تقييمها ليس من اختصاصنا، وكل هذا جرى تسليمه إلى الخزانة العامة التونسية بصورة رسمية. 226 ملف فساد *ولكن ماذا بشأن تتبع الأموال المهربة إلى الخارج؟ هناك إشكاليات قانونية مهمة بهذا الشأن، وهذه المسألة تتعهدها لجنة خاصة، لكن في إطار تقصي الحقائق توصلنا إلى بعض المعطيات تتعلق بحسابات مالية في الخارج بلا أسماء تعود الى "بن على" و أسرته، وأود هنا أن أقول إن لدينا 226 ملفا متشعبا من العيار الثقيل أحيلت الى النيابة العمومية كي تتبعها، وتتعلق أساسا بعقارات وشركات وبنوك والبورصة، وأكثر من 50 في المائة من هذه الملفات تتصل بالرئيس المخلوع نفسه وزوجته والمقربين منه. * وأي لجنة تتولي مسئولية تتبع الأموال والممتلكات خارج تونس؟ لجنة استرجاع الأموال بالخارج، يرأسها محافظ البنك المركزي ( تم تغييره بعد الثورة )، أما بالنسبة لنا فقد أحلنا إلى هذه اللجنة كل الوثائق والمستندات التي تدخل في اختصاصها. * وماذا بشأن الوثائق التي تدين وقائع الفساد.. هل تمكن رجال "بن على" من إتلافها ؟ بالفعل هناك ما تم إتلافه.. لكننا تمكنا من العثور على نسخ منها في أماكن أخرى في قصر الرئاسة . * وبشأن زبائن وكالة الاتصال الخارجي من إعلاميين وصحفيين عرب وأجانب؟ ندرس باهتمام كبير ملف الوكالة، واتضح أن هناك شبهات فساد ورشاوى. وأحيل الملف برمته وبمستنداته إلى النيابة العمومية. ويتضمن أسماء تونسية وغير تونسية. وأود أن أوضح هنا أن المبالغ التي أهدرتها الوكالة على الدعاية لنظام " بن على " بعضها يتعلق أيضا بنشر كتب حصل مؤلفوها على أموال لابأس بها. وقد بلغ الأمر حد تورط عدد من الكتاب الأفارقة جنوب الصحراء. تكلفة الفساد * هل هناك تقدير لتكلفة الفساد على الاقتصاد التونسي ؟ أكرر حتى الآن كشفنا الكثير. لكن ما بقي قد يكون أكثر بكثير. ومسألة التقييم هذه ليست بالسهلة وتتطلب تحريات واسعة ووقتا طويلا. ووفق بعض الاقتصاديين التونسيين، فإن الفساد حرم تونس من نقطة إلى نقطة ونصف النقطة من مؤشر التنمية. * يشاع أن ثروة "بن على" شخصيا تقدر بنحو 18 مليار دولار.. هل هذا تقدير دقيق؟ لم يجر تقييم شامل لثروة "بن على" وزوجته، وللعلم فإن هذه الثروة يمكن إخفاؤها من خلال "شركات واجهة " وكذلك " أشخاص واجهة". * الملفات التي أحالتها اللجنة إلى النيابة تتعلق بكم شخصية عامة؟ نحو 800 شخص منهم مسئولون سياسيون سابقون وعدد كبير من أفراد أسرة الرئيس المخلوع و زوجته " ليلي الطرابلسي"، فضلا عن رجال أعمال، والشىء الذي يجب توضيحه هنا، أن غالبية ما ينظره القضاء اليوم من قضايا بهذا الشأن ورد من اللجنة، ونحن قانونا الطرف الوحيد المؤهل للتعامل مع النيابة العمومية، ويبقي من حق النيابة أن تحفظ البلاغ أو تتخذ إجراءات لمتابعته و تحيل القضايا الى قاضى تحقيق تخضع قراراته للاستئناف . * وهل ما جرى في ظنكم يكفي لتهدئة الرأي العام؟ لا .. لأن توقعات الرأي العام كبيرة ومشروعة، وتبقى كل هذه الإجراءات دون مستوى التوقعات. وكم كان بودي لو نأخذ بمنطق "العدالة الانتقالية" فننشئ لجنة للتحقيق والعدالة والمصارحة ثم المصالحة، لقد كان مطلوبا إنشاء لجنة خارج القضاء تعمل بصورة علنية، كما جرى في تجربة جنوب إفريقيا لتصفية آثار الحكم العنصري، وعلى سبيل المثال فإن مجرد رد الاعتبار علنا لشخص تعرض للتعذيب يمثل لونا من العدالة الانتقالية. لكن للأسف لم يحدث هذا عندنا. * ولماذا لم يؤخذ بذلك؟ هذا اختيار يتجاوزني.. ولقد كان بإمكان تونس أن تتجنب هذه الإجراءات المتشعبة التى لاتسمح بالتصدي للوضع كما هو . * وهل واجهتم في عملكم معوقات إدارية أو أمنية؟ للحق فإن الأغلبية الساحقة من الإدارات والوزارت تتعامل معنا بإيجابية . الخطوط الحمراء * وكيف تعاون الجيش؟ كانت هناك أراض تابعة للجيش جرى التفريط فيها بصورة غير سليمة لحساب "بن على" وأسرته. كما أن وزارة الدفاع تولت مصاريف صحية للرئيس المخلوع وعائلته و جهزت مستشفي بقصره الخاص في " سيدي بوسعيد". وعلاوة على ذلك، كان هناك يخت بحري على ذمة الرئيس المخلوع مملوك للدولة وتدفع مصاريفه القوات المسلحة. كل هذا علمناه من وثائق تفضلت وزارة الدفاع بتقديمها إلينا. وجميعها أحلناها إلى النيابة العمومية. كما قدمت الوزراة ملفات معززة بوثائق للمساهمة في تقصى الحقائق عن الرشوة والفساد. وبحق فإن التعاون ممتاز. * ألا يوجد متورطون في صفوف قادة الجيش نفسه؟ من تورطوا هم في المستوى السياسي بوزراة الدفاع. والجيش لم يكن طرفا. بل المسئولين السياسيين عنه.. أي الوزراء السابقون . * هل حدث أن وضعت جهة ما خطوطا حمراء أمام عملكم؟ لم يتدخل أحد. لكن واجهنا تهديدات وتخويفا وإرباكا من جهات مجهولة. كما واجهنا التشكيك في عملنا وفي أعضاء باللجنة من جانب بعض وسائل الإعلام. إلا أننا نعمل بصمت و لا نتحامل على أحد.ا ولا نجامل أحدا. * لكن هناك انتقادات للطابع السري لعمل اللجنة؟ هذا مطلوب عندما يتعلق الأمر بسلامة الأفراد وأعراضهم. ولأن كل متهم برئ حتى تثبت إدانته في محاكمة عادلة. وهذا المنطق قد يجعلنا غير مفهومين للرأي العام. لكنني بلا شك آسف لمثل هذا التكتم. فالمرسوم الذي جرى تشكيل اللجنة على أساسه يفرض عليها السرية . * البعض تساءل ولماذا لا يجرى الإعلان عن تقارير أولية وصولا إلى تقرير نهائي ؟ كنت بحق أتمنى أن نعلن تقارير على هذا النحو بعد عرضها على رئيس الدولة. * هناك استقالات شهدتها اللجنة في صفوف أعضائها.. لماذا؟ استقال عضوان لأنهما سعيا للإطلاع على ملفات بغير وجه حق، أما الثالث فكان بالأصل محاميا لعائلة "الطرابلسي" وجرت إقالته من اللجنة. * وهل أنتم معنيون بمسألة المال السياسي في انتخابات 23 أكتوبر؟ حتى الآن نحن لسنا معنيون، هي من اختصاص هيئة الانتخابات. والمسألة متشعبة بلا شك، لكننا لا نريد التشويش على عمل الهيئة . * وهل تعاونت وزارة الداخلية معكم بشأن ملفات قياداتها السابقة؟ هناك عدد من الملفات يتعلق ببعض رجال الوزراة نظرناه كبقية الملفات. ووجدنا تعاونا من الوزارة. * هل تناول عمل اللجنة ملفات عمولات السلاح؟ هناك عدد قليل من البلاغات ورد إلينا بشأن المتاجرة في السلاح وتهريبه، لكن الصفقات المتعلقة بشراء أسلحة لم تعرض علينا، ولا نعرف شيئا عنها.