بعد انسحاب الإمارات، العراق يكشف موقفه من البقاء في منظمة أوبك    مياه سوهاج تعيد تشغيل محطة ناصر النقالي بعد احتواء بقعة سولار بنهر النيل    مصر تبحث مع شركات تركية وأمريكية فرص الاستثمار في قطاع التعدين    الليلة، تعديل مؤقت في مسار قطاري نجع حمادي وأسوان    نتنياهو: أصدرت تعليمات بتدمير منظومة المسيرات التابعة لحزب الله    الشرق الأوسط يدخل حالة «اللاسلم واللاحرب»    الصليب الأحمر: سلمنا إيران أكثر من 170 طنا مواد إغاثية خلال أبريل    الدوري المصري، تعادل سلبي بين غزل المحلة والمقاولون العرب في الشوط الأول    أسبوع حاسم ينتظر مانشستر سيتي في إنجلترا    دون خسائر بشرية، التفاصيل الكاملة لحريق مخلفات الصرف الصحي بالمنيا    تخفيف عقوبة شاب وفتاة متهمين بالاتجار في المخدرات بالعمرانية إلى 6 سنوات    إقيال جماهيري كثيف على عروض مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    حبس عامل قتل زميله بسبب خلافات مالية بينهما فى المنوفية    محافظ كفر الشيخ: ضبط 2973 عبوة أدوية بيطرية منتهية الصلاحية ببيلا    مشاجرة بين الفنانة هالة سرور وزوج شقيقتها بالشيخ زايد    خبير شؤون إيرانية: تحركات طهران بباكستان لاحتواء التوتر ورسائلها تعكس جاهزية للتصعيد    هيئة الدواء تسحب دواء للوقاية من حدوث عدم توافق فصائل الدم.. تفاصيل    محافظ الغربية ورئيس جامعة طنطا يفتتحان المعرض الفني لطلاب مركز الفنون التشكيلية    فوز طلاب هندسة كفر الشيخ بجائزة أفضل تطبيق صناعي على مستوى العالم    نار الميراث تحرق صلة الرحم بالقليوبية.. سائق يهاجم منزل شقيقه ويهدد بحرق أسرته    وزارة الزراعة تحذر من تداول لقاحات مجهولة المصدر للتحصين ضد الحمى القلاعية    تصعيد عسكري جنوب لبنان.. تفجير نفق ضخم واعتراض مسيّرات    هل يجوز الصلاة عن الميت الذى لم يكن يصلى؟.. أمين الفتوى يجيب    حكم السخرية من السلام عليكم.. أمين الفتوى يوضح    الصين: ندعو إسرائيل إلى الالتزام باتفاقات وقف إطلاق النار بغزة    الأرصاد الجوية: ارتفاع في درجات الحرارة غدا الأربعاء    تعاون جديد بين هيئة الاستعلامات والمجلس المصري للسياسة الخارجية    «تضامن النواب»: الطفل المتضرر الأكبر من الطلاق وغياب التوثيق يفاقم الأزمة    «رجال طائرة الأهلي» يستعدون لدور ال16 في بطولة إفريقيا بدون راحة    وزير الصحة يبحث تعزيز التعاون مع مركز السياسات الاقتصادية بمعهد التخطيط    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل جوارح الإنسان لها إرادة مستقلة؟.. خالد الجندي يُجيب    صحيفة: ترامب وتشارلز أبناء عم.. ودونالد: لطالما أردت العيش فى قصر باكنجهام    تأجيل محاكمة 71 متهما في "خلية التجمع" إلى 21 يونيو    رئيس جامعة المنوفية يتفقد مستشفى الطلبة للاطمئنان على جودة الخدمات الطبية    محمد فراج: الأطفال بعد الطلاق يعانون في صمت.. والمشرف الاجتماعي هو الحصن الحقيقي داخل المدارس    أمام 6 آلاف مشاهد.. حفل تاريخي لأصالة في العاصمة الفرنسية باريس    مجلس جامعة بني سويف يستهل جلسته بتقديم التهنئة بعيد العمال    مصطفى عزام يستقبل بعثة منتخب اليابان للناشئين    فى ذكرى ميلاده.. نور الشريف أيقونة الدراما المصرية وصائد الجوائز    بدر عبد العاطى يفتتح غرفة حفظ الوثائق المؤمنة بمقر وزارة الخارجية    وكيل شباب جنوب سيناء يهنئ بطل السباحة البارالمبية بشار محمد لفوزه ببطولة الجمهورية    شهادة ادخار جديدة بالبنوك لمدة 3 سنوات وبأعلى فائدة شهرية.. اعرف التفاصيل    طب قصر العينى جامعة القاهرة يُطلق الملتقى العلمى المصرى الفرنسى لأمراض الكبد    موندو ديبورتيفو: بعد فقدان فرصة أبطال أوروبا مع تشيلسي.. كوكوريا يفتح الباب أمام برشلونة    الشكوك تحاصر مشاركة زيدان الصغير في المونديال    رئيسة وزراء اليابان: نقدر دور مصر بقيادة السييسي في ضمان الأمن والاستقرار الإقليميين    قصر ثقافة أبو تيج بأسيوط يحتفي بذكرى تحرير سيناء ويكرم المبدعين    السجن 3 سنوات لفتاة بتهمة حيازة المخدرات بالسلام    المسلماني: النيل الثقافية تقيم مؤتمر ماسبيرو للموسيقى برئاسة جمال بخيت يونيو القادم    ماركا: إصابات مبابي في ريال مدريد تصيبه بالإحباط بعد اقترابه من معادلة سجله مع سان جيرمان    التأمين الصحي: 577 ألف منتفع بنسبة تغطية 71.3%... وتقديم آلاف الخدمات الطبية بالمحافظة    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    محافظ قنا يعتمد جداول امتحانات نهاية العام 2026 لصفوف النقل والشهادة الإعدادية    صدام أمريكي إيراني بمقر الأمم المتحدة بسبب منع انتشار الأسلحة النووية    أرض الفيروز بعيون أهلها .. عيد التحرير.. سيناء تنتصر بالتنمية    الرئيس السيسي: ضرورة ربط المناطق الكثيفة سكانياً بوسائل نقل صديقة للبيئة    البابا تواضروس الثاني يصل النمسا في ثاني محطات جولته الخارجية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بدأته فى لبنان مرورا بالعراق وسوريا فاليمن.. حلب محطة رئيسية فى مشوار الألف ميل الإيرانى
نشر في الأهرام العربي يوم 24 - 12 - 2016


عفاف الشناوى

طهران تفرض وجودها فى النظام الإقليمى الجديد

ديفيد جاردنر: دحر الانتفاضة فى حلب نصر جديد لإيران لزيادة المد الشيعى فى الشرق الأوسط

واشنطن جعلت إيران وإسرائيل محل العرب كشريك إقليمى فى المنطقة بمقتضى الاتفاق النووى

مارتن إنديك: أمريكا لا تريد لاعبا واحد فى الشرق الأوسط فاختارت إيران وإسرائيل وخذلت تركيا والسعودية

يأت التهليل الإيرانى بسيطرة نظام بشار الأسد على حلب إلى حد خروج خطيب جمعة طهران آية الله محمد إمامى كاتشى، واصفا استيلاء قوات الأسد على حلب بأنه:«انتصار المسلمين على الكفار».
يأتى هذا المشهد وتأجيل الهدنة فى إطار ما يراه كثير من المحللين حرب إبادة لإزاحة المسلمين السنة من المدينة وإفساح المجال لوجود شيعى بها.
هذا المشهد الطائفى بدأت ترتيباته من جانب الولايات المتحدة للشرق الأوسط الجديد منذ التسعينيات، بعد سقوط الاتحاد السوفيتى فى إطار سياسة اعتمدت على مبدأ (الاحتواء الثنائى) للعراق وإيران وبالفعل تم الغزو الأمريكى للعراق وإزاحة صدام حسين ليصنع فراغا إستراتيجيا لصالح إيران وجاءت ثورات الربيع العربى لتزيد هشاشة المنطقة.
لأن نار الثورة قد اشتعلت فى دول عربية مختلفة، كان لابد للولايات المتحدة أن توجه هذه النيران لصالح نظام أمريكى إيرانى جديد.
ومن ثم ظهر الصراع الطائفي السني - الشيعي الذى بدأ في لبنان واشتعل نتيجة للحرب الأهلية في العراق، وامتد إلى سوريا والبحرين واليمن، بالإضافة إلى الصراع السني - السني بين منظمات القاعدة ثم داعش ضد المشايخ والملوك المدافعين عن النظام العربي السني.
من هنا جاء الاتفاق النووى بين إيران وأمريكا وبمقتضاه توافق الولايات المتحدة على سيطرة إيران على الخليج في مقابل موافقتها على كبح جماح برنامجها النووي.
وظهرت روسيا فى المشهد رغبة فى تقاسم مناطق النفوذ مع الولايات المتحدة وإيجاد موطىء قدم فى الشرق الأوسط.
وبذلك تظهر مبادىء نظام إقليمى جديد تحل فيه (أمريكا إيران وروسيا وإسرائيل) أو ما يسمى بالمحور الإيرانى محل النظام القديم (أمريكا وإسرائيل ودول الاعتدال الخليج ومصر والأردن) أو ما يسمى بإستراتيجية الأعمدة.
مما يدفعنا إلى التساؤل: ما مستقبل الهيمنة الإيرانية الجديدة على المنطقة فى ظل لعبة الشرق الأوسط الكبرى؟

سقوط حلب والفوضى
أكد الكاتب الأمريكى ديفيد جاردنر في صحيفة فايننشال تايمز أن حلب أكثر من مجرد حدث، وأنها جزء من عملية العنف والفوضى التي لا تظهر فيها القوى الخارجية في سوريا والعراق، المتمثلة في روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة.
وأضاف أن الأمر مختلف بالنسبة لإيران كقوة إقليمية وشيعية، حيث إن دحر الانتفاضة في حلب بمثابة نصر إيراني آخر يؤسس لأرض متاخمة تابعة لها تمتد من حكومة الأغلبية الشيعية في بغداد، وصولا إلى التحالف شبه العسكري الشيعي المدعوم من طهران الذي يعمل في غرب منطقة الهجوم الذي تدعمه الولايات المتحدة في الموصل عبورا إلى الساحل السوري ثم إلى بيروت، حيث تمكن حزب الله من تنصيب حليف مسيحي له رئيسا للبنان، إشارة إلى ميشيل عون.
ومن جانبها أشارت صحيفة الجارديان، إلى أن انتصار الأسد في حلب سيعني السيطرة على مدن سوريا الخمس الرئيسية، ولكنه يعني فقط نحو ثلث أراضي البلد، لأن تنظيم الدولة لا يزال يسيطر على معظم شرق سوريا، بينما يسيطر الأكراد على جزء كبير من الشمال الشرقي، ومن غير المرجح أن يعيد النظام ترسيخ سيطرته على معظم الأرض التي خسرها، ويمكن أن يتوقع حرب عصابات تستهدف المناطق التي يحكمها.
وأضافت أنه مدين ببقائه لروسيا وإيران وليس لقواته العاجزة والمنهكة، وأن القوات الفائزة في هذه الحرب هي التي تحرك ما يأتي بعد ذلك أيضا.

تدخلات إيران فى: لبنان
ويذكر مايكل نايتس الخبير الأمريكي في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أنه لا يخفى على أحد أنّ القيادات الإسلامية التي استولت على الحكم في إيران بقيادة الخوميني سنة 1979، قد سعت منذ ذلك الحين إلى لعب دور خبيث في الشرق الأوسط.
وقد بدأ ذلك الدور في التشكّل على أرض الواقع منذ سنة 1982، عندما بدأ قادة الحرس الثوري الإيراني في إنشاء شبكة من الخلايا الإرهابية وجماعات لحرب العصابات في صفوف أبناء الطائفة الشيعية في لبنان.
وكان حزب الله ثمرة مسمومة لتلك الجهود الإيرانية، وعندما تم الإعلان عن ولادته سنة 1985، لم يخجل قادة الحزب من إخبار العالم، بأنهم يعملون لصالح إيران. وورد في نص البيان:«نحن حزب الله، والطليعة الذين نصرهم الله في إيران، نحن نطيع أوامر قائد واحد، هو الحكيم والعادل، وهو مرشدنا وفقيهنا الذي يستوفي جميع الشروط اللازمة: روح الله الموسوي الخومينى».
وتعتبر سيطرته على أجزاء من البلاد، أشبه بدولة داخل الدولة وهو تكريس للسيطرة الفعلية لإيران داخل لبنان.

فى العراق
أمّا في العراق، فبعد إسقاط الولايات المتحدة لنظام صدام حسين في عام 2003، استنسخ الإيرانيون التجربة اللبنانية في العراق، عن طريق رعاية مختلف الميليشيات الشيعية الطائفية وفرق الموت التي خاضت حربا ضد الحكومة العراقية والجيش الأمريكي، والمدنيين السنة، والسياسيين الشيعة المعتدلين.
ولكن على خلاف لبنان، الذي ينقسم بالتساوي بين مسيحيين وسنة وشيعة، يتكون العراق من أغلبية شيعية تميل إلى الاتحاد مع الشيعة في إيران على حساب مواطنيهم السنة.
وقد اقتربت الحكومة المركزية في بغداد، بشكل ملحوظ، من طهران في السنوات الماضية. وعلى خلاف لبنان الذي عمل فيه الإيرانيون على إقامة تنظيم أشبه بدولة داخل الدولة، يحاول الشيعة في العراق الهيمنة على بغداد بالاعتماد على الثقل الديمغرافي الكبير للشيعة. لكن إيران غير راضية عن مجرد إقامة علاقات دبلوماسية قوية مع جارتها، حيث إنها لا تزال ترعى الميليشيات الشيعية الطائفية في وسط البلاد وجنوبها. وهي تطمح إلى أن تحل تلك الميليشيات محل الجيش الوطني العراقي.

فى سوريا
ولئن يعتبر التدخل الإيراني في العراق مكشوفا، فهو سافر بدرجة أوضح في سوريا التي يقيم فيها نظام الأسد، تحالفا وثيقا مع طهران منذ الثورة الإسلامية عام 1979 التي جاءت برجال الدين إلى السلطة.
وقد أنتج ذلك التحالف حزب الله في مرحلة أولى، ومن ثمّ شكل ثلاثتهم ما يسميه المحلل لي سميث، في كتابه «الحصان القوى» ب«كتلة المقاومة». ويعلن حزب الله دائما، أنّه ما كان ليوجد لولا الدعم المالي والسلاح الإيراني، كما أنه ما كان ليوجد لولا دمشق كمركز لوجستي يربط بينهما. وكان يمكن أن تنتهي صلاحيته منذ عقود، لولا أن سوريا غزت لبنان وضمته إليها بشكل فاعل في نهاية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، وهو ما يجعله ينخرط بكل طاقته في الحرب السورية.

فى اليمن
فقد تولى الحوثيون المدعومون من إيران السيطرة على العاصمة اليمنية، صنعاء، في وقت سابق من هذا العام، ولاحقا على مناطق أخرى من البلاد، إلى أن تم دحرها عسكريا عن طريق تحالف عربي بقيادة السعودية.
ويسعى الحوثيون إلى السيطرة على كل شبر من البلد أكثر من أي وكلاء آخرين لإيران في المنطقة. ويبذل السعوديون أقصى ما في وسعهم للحيلولة دون ذلك .
تعتبر المملكة العربية السعودية البلد الأكثر انزعاجا من التوسع الإيراني في المنطقة والأكثر وعيا بخطورة هذا المخطط، وهي الأقدر على التصدي له، وذلك لأسباب وجيهة، أهمها أنّ السعودية هي البلد العربي الوحيد الذي لم يتعرض إلى اضطرابات، أو فتنة طائفية من جانب الأقلية الشيعية المدعومة من إيران، على الرغم من أن الأحداث في اليمن يمكن أن تغير هذه المعطيات.
وعلى الرغم من أن الشيعة لا يمثلون نسبة كبيرة من سكان المملكة السعودية فإن إيران يمكن أن تلعب على وترهم من أجل إثارة الفتن.
وإذا امتدت المغامرة الإيرانية إلى المملكة العربية السعودية، فسوف تتشظى المنطقة التي يقطنها السنة والشيعة، وسوف تتحول المنطقة التي تمد العالم بالنفط إلى منطقة ممزقة. كما أنّ السعودية لن تسكت على ذلك وستكون جاهزة لرد الفعل وفق كلّ الاحتمالات.
وترتفع وتيرة القلق السعودي والعربي عموما بالتزامن مع «عقد صفقة» الاتفاق النووي بين أمريكا وإيران، فعلى الرغم من أنّ السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط تعلن أنها تركز الآن على أمرين، هما احتواء داعش ومنع إيران من امتلاك أسلحة نووية، فإن ذلك لا يقنع حلفاءها العرب، خصوصا أنّ رفع العقوبات على إيران كجزء من الاتفاق النووي، سواء تمكنت من إنتاج القنبلة النووية أم لا، سوف يوفر لها المزيد من المال والموارد لدعم حزب الله، ونظام الأسد والميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن، وربما الأقلية الشيعية في المملكة العربية السعودية وغيرها. وسوف تصبح المنطقة أقل استقرارا ممّا هي عليه الآن. ومن المرجح أن يكتسب كل من تنظيم داعش وتنظيم القاعدة زخما يفوق ما كانا عليه سابقا في ظل الفوضى المحتملة.
ومن الأكيد أنّ ذلك سيكون له تأثير على أمريكا، حيث إن الأمر لا يتعلق بالنفط فحسب، بل هناك مخاوف أمنية في المنطقة، فما يحدث في الشرق الأوسط لن ينحصر فيه لعقود.

الباب المفتوح لإيران
ومن جانبه شرح مايكل نايتس «المتخصص في الشون العسكرية والأمنية في العراق وإيران» الأمر كالتالي: لنفترض أن تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» قد خسر المعركة أمام القوات العراقية وحليفتها «القوات الأمريكية»، وفي الأغلب سيخسرها، كما يفترض نايتس، وعندها، ستكون المساحة مفتوحة على مصراعيها أمام التنظيمات الشيعية المُجهزة والمُدربة لاستغلال مثل هذا الموقف، وعندها لن تستطيع القوَّات العراقية صدّها، خصوصا مع قلة تنظيمها وانعدام الخبرة والكفاءة في صفوف جنودها وفصائلها التي صُنعت على عين الولايات المتحدة، وستجد أمريكا نفسها أمام عدو قوي وقادر على مواصلة الصراع والانتصار في نهاية المطاف.

أمريكا واللعبة الكبرى
ويرى مارتن س. إنديك خبير العلاقات الدولية وسفير الولايات المتحدة السابق إلى إسرائيل لفترتين فى تحليل بعنوان (اللعبة الكبرى للشرق الأوسط)، كان للولايات المتحدة إستراتيجية للشرق الأوسط عرفت بإستراتيجية «الأعمدة»، وأساسها العمل مع القوى الإقليمية الملتزمة بالحفاظ على الوضع القائم - إيران والسعودية وإسرائيل وتركيا. كان التحدي هو احتواء القوى التي لديها استعدادات للمراجعات السياسية -مصر والعراق وسوريا - والتي كان الاتحاد السوفيتي يساندها. مع الوقت فقدت الولايات المتحدة العمود الإيراني، لكنها كسبت المصري معززة النظام العربي السني، بيد أنها تواجه الآن قوة ثورية شيعية في الخليج.
في عام 1992، أصبحت الولايات المتحدة القوة المسيطرة عشية سقوط الاتحاد السوفيتي وإجلاء جيش صدام حسين من الكويت. فيما بعد تبنّى بوش، وكلينتون، إستراتيجية واضحة ومتوسّعة للحفاظ على الاستقرار تضمنت ثلاثة مكونات:
1- السلام الأمريكي - حل شامل تدعمه أمريكا للصراع العربي الإسرائيلي.
2- الاحتواء الثنائي لاثنتين من قوى المراجعة - العراق تحت حكم صدام حسين وإيران تحت حكم آيات الله.
3 - الاستثنائية العربية - تم إعطاء الحكام العرب شركاء أمريكا في الحفاظ على نظام الشرق الأوسط إشارة خضراء عندما يتعلق الأمر بمعاملة مواطنيهم.
في سياق الحفاظ على النظام فإن الاستراتيجية عملت بشكل جيد لمدة عقد، لكن كل شيء تساقط في أعقاب 11 سبتمبر؛ هجرت الولايات المتحدة الاحتواء في سياق تغير الأنظمة مسقطة صدام حسين بتهور فتح الأبواب من بغداد إلى إيران، كما توقفت عملية السلام العربية الإسرائيلية وقاومت بعناد المحاولات المتعددة لإعادتها للعمل. إن الاستثنائية العربية ساعدت على إنتاج الثورات العربية التي اجتاحت المنطقة.

الربيع العربى وإعادة تشكيل المنطقة
وفى أعقاب 11 سبتمبر وسقوط صدام حسين بتهور أمريكى فتح الأبواب من بغداد إلى إيران ومع الثورات العربية خلال تلك العملية انهار النظام القائم وتم استبداله بأنظمة فاشلة ومناطق غير محكومة وصعود القاعدة وداعش.
وأضاف إنديك يجب ألا يشعر المرء بحنين للنظام القديم: لقد كان استقراره كثيرًا ما يؤدي إلى صراعات وانقلابات، كما كان ثمنه هو القمع. وقد جلب انهيار النظام القديم ثلاثة صراعات إلى الصدارة، يغذي بعضها بعضًا، وتخلق الاضطراب الحاد في جميع أنحاء المنطقة:
1- الصراع الطائفي السني- الشيعي: بدأ في لبنان واشتعل نتيجة للحرب الأهلية في العراق وامتد إلى سوريا والبحرين واليمن. حرّكته إيران والسعودية مع سيطرة ثابتة لإيران الثورية في بيروت ودمشق وبغداد وأخيرًا صنعاء.
2 - الصراع السني - السني عبر المشهد: بدأ هذا كمعركة بين القاعدة ثم داعش ضد المشايخ والملوك المدافعين عن النظام العربي السني. لكن الربيع العربي جاء بتهديد أكبر للمدافعين العرب عن الوضع القائم في صورة الإخوان المسلمين.
3 - الصراع مع إسرائيل: منذ اتفاقيات السلام مع مصر والأردن تحول هذا الصراع إلى حالة مزمنة بطفرات دورية من العنف الحاد بين إسرائيل ولاعبين من غير الدول على حدودها مع غزة وجنوب لبنان والآن الجولان.
إعادة النظام من بين هذه الفوضى يمكن أن يكون مهمة معقدة لأي قوة خارجية. لكن الولايات المتحدة بالذات لديها صعوبة، لأن شعبها قد سأم المحاربة في حروب أرضية في الشرق الأوسط ويلتزم رئيسها التزامًا عميقًا بعدم الشروع في أي حروب جديدة. إن المخاطر بالنسبة للولايات المتحدة انخفضت أيضًا بما أنها الآن لا تعتمد على نفط الشرق الأوسط.
هذه الفوضى لا يمكن أن تكون سببا لانسحاب الولايات المتحدة ببساطة وتترك «اللعبة العظمى». كما شهدنا في التجربة العراقية فإن الفراغ سيملأ من قِبل لاعبين سيئين لديهم نية تهديد الأراضي الأمريكية. إن حلفاء أمريكا الإقليميين القدامى - إسرائيل والممالك العربية - يعتمدون على مساندة الولايات المتحدة لحياتهم ورفاهتهم. وبينما لا تعتمد الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط حاليًا فإن شركاءها الأساسيين في التجارة في آسيا وحلفائها في أوروبا يعتمدون عليه. إن تعطل واردات النفط من الخليج، سيشكل ضربة للاقتصاد الدولي الذي يعاني وهو ما سيرتد على الاقتصاد الأمريكي الذي يتعافى أخيرا.

سيادة مشتركة مع إيران
لذلك لجات أمريكا فى عهد أوباما إلى إستراتيجية بديلة (إستراتيجية المحور الإيرانى) وهى إشراك إيران فى المشهد، ولكن فى حدود من خلال إبرام اتفاقية لوضع حدود ذات معنى لبرنامج إيران النووي مقابل إطلاق يدها فى الخليج، وبدون اتفاقية من المستحيل تخيل التعاون مع إيران على القضايا الإقليمية، لكن مع وجود اتفاقية سيكون من الممكن التعاون على قضايا الاهتمام المشترك كما قيل إن أوباما اقترح في خطابه، بتاريخ نوفمبر 2014، للمرشد الأعلى في إيران وكما يعتقد بعد المعلقين المحافظين بشكل خاطئ أنه أمر حاصل بالفعل.
إن تفاهمًا مع إيران يشجعها على استخدام نفوذها في تعزيز النظام والاستقرار بدلًا من استغلال الفوضى الحاصلة يمكن أن يكون له فوائد كبيرة.

روسيا وتقاسم النفوذ
ويرى السعودى نوح فسيفس باحث فى العلاقات الدولية أن أهم ما يميز التنافس الإقليمي في اكتساب مواضع قدم وتعزيز النفوذ في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي في مرحلة ما بعد الثورة، هو وجود أطراف وقوى إقليمية صاعدة مثل تركيا والسعودية وإيران، وفي الوقت الذي تهيمن فيه الاعتبارات الأمنية والأيديولوجية على التوجه الإيراني الجديد نحو الشرق الأوسط، لا سيما في إطار التقارب المزمع مع الغرب (الولايات المتحدة)، فإن تركيا والمملكة السعودية ومعها الدول الخليجية والعربية والإسلامية، تستبطن في حركتها الشرق أوسطية مقاومة نفوذ إيران في المنطقة، على النحو الذي نراه جليا في اليمن.
في هذه الحالة فإن التنافس الحقيقي على النفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط ينحصر بالضرورة بين تركيا والسعودية، لجهة مواجهة النفوذ الروسي في سوريا وموازنته في الحرب على الإرهاب. وهو ما تريده وسعت إليه المملكة العربية السعودية في تأسيسها للتحالف العسكري الإسلامي، فهو لم يأت في إطار كونه يمثل مدخلا لمحاربة الإرهاب الدولي المتمثل في تنظيم داعش والتنظيمات العابرة للحدود والأقاليم – ما تسمى بالتنظيمات اللا دولتية – فحسب، الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، إذ ثمة علاقة ارتباطية متلازمة بالمساعي الروسية الجادة لتعزيز مبدأ إعادة صياغة التوازن الإستراتيجي في الشرق الأوسط، والذي تطمح له موسكو بتغيير قواعد اللعبة في سوريا، لصالح حلفائها في المنطقة إيران. وبالتالي فإن لدى السعوديين رغبة قوية، بصياغة ترتيبات عسكرية موازية لتلك التحركات الروسية، كما أن السعودية يهمها في الوقت نفسه أن تحول دون أن تصوغ تركيا قواعد اللعبة في المواجهة مع موسكو في قلب الأزمة السورية، في حال إذا ما سعت أنقرة إلى تشكيل تحالف يحتوي النفوذ الروسي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.