"التعليم": 20 ألف فرصة عمل لخريجي المدارس الفنية داخل وخارج مصر    مدبولى: ترسيخ القيم الإيجابية فى المجتمع واستغلال إمكانات الثقافة    نتائج اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين: تمويلات جديدة وتوقعات بتباطؤ الاقتصاد العالمي (تفاصيل)    مجلس الشيوخ يناقش اقتراح برغبة لإنشاء هيئة أو شركة متخصصة في تسويق المنتجات الزراعية    محافظ القليوبية يلتقي أصحاب محلات بيع البلاستيك بمسطرد لبحث تقنين أوضاعهم    عمرو أديب ساخرا: الحرس أنقذ نائب الرئيس الأمريكي ونسيوا الحاج أبو حنان ذات نفسه    أحمد موسى: محاولة اغتيال ترامب عمل إجرامي مدان من الجميع.. ولا ينبغي أن تقابل الكلمة بالسلاح    قوات الاحتلال الإسرائيلي تقتحم عددا من القرى في محافظة رام الله والبيرة    النائبة أميرة صابر تناقش عدالة النفاذ للفرص بالنشاط الرياضي    خبر في الجول – بنتايك يشارك في تدريبات الزمالك وموقفه من خوض المباريات    بسنت حميدة تحقق رقما مصريا جديدا فى بوتسوانا وتؤكد جاهزيتها العالمية    ناشئات الكرة الطائرة بالأهلى يتوّجن بكأس مصر    مصرع 3 أشخاص فى حادث سقوط سيارة بترعة نحع العرب بالإسكندرية    خناقة ستات قلبت معركة شوارع.. كواليس فيديو الاعتداء على نجار وزوجته    إعادة فتح ميناء نويبع البحري واستئناف الحركة الملاحية بعد تحسن الأحوال الجوية    مصرع شخص وإصابة 11 آخرين في حادث تصادم بالبحيرة    تعليم القاهرة تطرح مقترح جداول امتحانات أبريل لصفوف النقل من 2 إلى 6 مايو 2026    اشادات ب سامي الشيخ بسبب دوره في مسلسل "الفرنساوي"    تكريم الفنان خالد النبوي بمهرجان جمعية الفيلم وابنه يتسلم التكريم    بعد مساندته ل شيرين عبد الوهاب.. محمود الليثى يطرح أحدث أغنياته بعنوان البابا    صحة الإسماعيلية تطلق حملة للتبرع بالدم لمدة 3 أيام (صور)    حكم المصافحة بين المصلين.. "الإفتاء" توضح    تحت أنظار مصطفى محمد، نانت يتعادل مع ستاد رين 1/1 في الشوط الأول    سيناء.. قرار واختيار    نائب الرئيس الإيراني يستشرف "إيران ما بعد الحرب": التحول من هدف للعقوبات إلى قوة فارضة لها    ضربة لروسيا بغرب أفريقيا، تفاصيل حرب بالوكالة بين بوتين وماكرون في مالي    الحكومة تقرر إيقاف العمل بقرار غلق المحال والمطاعم والمراكز التجارية    «مصر للطيران» تعلن زيادة الرحلات إلى 3 وجهات عربية    ارتباك مروري ببنها بسبب التحويلات المرورية علي الطريق الزراعي    الداخلية تنظم الملتقى الثالث لبرنامج المعايشة بين طلبة الشرطة والجامعات    رئيس مياه الفيوم يتابع بدء تنفيذ أعمال ربط المرحلة الثالثة بمحطة العزب الجديدة    سباق الأعصاب بين الأهلى والزمالك!    مصطفى كامل يعلن وفاة المطرب حسن الإسكندراني    قنصوة: هدفنا تعزيز التعاون مع الدول الإفريقية وتطوير الشراكات التعليمية لتحقيق التنمية    بعد توقف 30 عاما.. عودة برنامج براعم الإيمان على موجات إذاعة القرآن الكريم    الزمالك يتعاقد مع أحمد سامي لتدعيم فريق السلة    هل الشبكة من حق المخطوبة بعد وفاة الخاطب؟ أمينة الفتوى تجيب    فريق سلة الأهلي يفوز على داكار السنغالي في تصفيات الBAL    "قصر العيني" تقود مبادرة توعوية لدعم مرضى باركنسون ومقدمي الرعاية بجامعة القاهرة    وزير الصحة يتابع أعمال اللجنة العليا للمسؤولية الطبية وسلامة المريض    تساؤلات لوزير الرياضة حول المنشطات والهرمونات داخل صالات الجيم    الدوحة: مباحثات قطرية بريطانية حول الأوضاع في السودان    نائب ينتقد المراهنات الرياضية في مصر: تناقض واضح بين الواقع والقانون    رمضان عبد المعز: أفضل أوقات الدعاء بعد الصلوات المكتوبة وفى جوف الليل    القبض على عاطلين بتهمة سرقة غطاء صرف صحي بالبحيرة    الأردن: يجب ضمان أمن الدول العربية بأي اتفاق لخفض التصعيد    سفير اليونان يزور مسرح ماسبيرو ويشيد بالعلاقات بين القاهرة وأثينا    محافظ الغربية يتابع إنتاج الدقيق التمويني ويشدد على الالتزام بمعايير الجودة    إحالة المتهم بهتك عرض فتاة المطرية المريضة بتأخر عقلى للمفتى    ميشيل ميلاد ل "البوابة": الراديو سبب حبي للفن والمسرح كان البداية    برلماني يحذر من مخاطر منصات المراهنات الإلكترونية    رئيس الوزراء يستعرض الأهداف الاستراتيجية لوزارة الثقافة ونشاط الفترة الماضية    جامعة مصر للمعلوماتية تستهدف تقليل مدة الدراسة بكلية الهندسة لرفع كفاءة العملية التعليمية    البابا لاون الرابع عشر: الكاهن «قناة للحياة» لا حاجز أمام المؤمنين    مجلس الشيوخ يناقش طلب برلماني بشأن خطة الاستعداد لدورة الألعاب الأوليمبية    وزيرة الإسكان: بروتوكول التعاون مع الوطنية للتدريب خريطة طريق لتأهيل القيادات وتعزيز كفاءة إدارة المشروعات    الصحة: تقديم 50 مليون جرعة تطعيم خلال العام الماضي    خبير: مضيق هرمز يشعل أزمة الغذاء العالمية.. قفزة أسعار الأسمدة تهدد الأمن الغذائي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بدأته فى لبنان مرورا بالعراق وسوريا فاليمن.. حلب محطة رئيسية فى مشوار الألف ميل الإيرانى
نشر في الأهرام العربي يوم 24 - 12 - 2016


عفاف الشناوى

طهران تفرض وجودها فى النظام الإقليمى الجديد

ديفيد جاردنر: دحر الانتفاضة فى حلب نصر جديد لإيران لزيادة المد الشيعى فى الشرق الأوسط

واشنطن جعلت إيران وإسرائيل محل العرب كشريك إقليمى فى المنطقة بمقتضى الاتفاق النووى

مارتن إنديك: أمريكا لا تريد لاعبا واحد فى الشرق الأوسط فاختارت إيران وإسرائيل وخذلت تركيا والسعودية

يأت التهليل الإيرانى بسيطرة نظام بشار الأسد على حلب إلى حد خروج خطيب جمعة طهران آية الله محمد إمامى كاتشى، واصفا استيلاء قوات الأسد على حلب بأنه:«انتصار المسلمين على الكفار».
يأتى هذا المشهد وتأجيل الهدنة فى إطار ما يراه كثير من المحللين حرب إبادة لإزاحة المسلمين السنة من المدينة وإفساح المجال لوجود شيعى بها.
هذا المشهد الطائفى بدأت ترتيباته من جانب الولايات المتحدة للشرق الأوسط الجديد منذ التسعينيات، بعد سقوط الاتحاد السوفيتى فى إطار سياسة اعتمدت على مبدأ (الاحتواء الثنائى) للعراق وإيران وبالفعل تم الغزو الأمريكى للعراق وإزاحة صدام حسين ليصنع فراغا إستراتيجيا لصالح إيران وجاءت ثورات الربيع العربى لتزيد هشاشة المنطقة.
لأن نار الثورة قد اشتعلت فى دول عربية مختلفة، كان لابد للولايات المتحدة أن توجه هذه النيران لصالح نظام أمريكى إيرانى جديد.
ومن ثم ظهر الصراع الطائفي السني - الشيعي الذى بدأ في لبنان واشتعل نتيجة للحرب الأهلية في العراق، وامتد إلى سوريا والبحرين واليمن، بالإضافة إلى الصراع السني - السني بين منظمات القاعدة ثم داعش ضد المشايخ والملوك المدافعين عن النظام العربي السني.
من هنا جاء الاتفاق النووى بين إيران وأمريكا وبمقتضاه توافق الولايات المتحدة على سيطرة إيران على الخليج في مقابل موافقتها على كبح جماح برنامجها النووي.
وظهرت روسيا فى المشهد رغبة فى تقاسم مناطق النفوذ مع الولايات المتحدة وإيجاد موطىء قدم فى الشرق الأوسط.
وبذلك تظهر مبادىء نظام إقليمى جديد تحل فيه (أمريكا إيران وروسيا وإسرائيل) أو ما يسمى بالمحور الإيرانى محل النظام القديم (أمريكا وإسرائيل ودول الاعتدال الخليج ومصر والأردن) أو ما يسمى بإستراتيجية الأعمدة.
مما يدفعنا إلى التساؤل: ما مستقبل الهيمنة الإيرانية الجديدة على المنطقة فى ظل لعبة الشرق الأوسط الكبرى؟

سقوط حلب والفوضى
أكد الكاتب الأمريكى ديفيد جاردنر في صحيفة فايننشال تايمز أن حلب أكثر من مجرد حدث، وأنها جزء من عملية العنف والفوضى التي لا تظهر فيها القوى الخارجية في سوريا والعراق، المتمثلة في روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة.
وأضاف أن الأمر مختلف بالنسبة لإيران كقوة إقليمية وشيعية، حيث إن دحر الانتفاضة في حلب بمثابة نصر إيراني آخر يؤسس لأرض متاخمة تابعة لها تمتد من حكومة الأغلبية الشيعية في بغداد، وصولا إلى التحالف شبه العسكري الشيعي المدعوم من طهران الذي يعمل في غرب منطقة الهجوم الذي تدعمه الولايات المتحدة في الموصل عبورا إلى الساحل السوري ثم إلى بيروت، حيث تمكن حزب الله من تنصيب حليف مسيحي له رئيسا للبنان، إشارة إلى ميشيل عون.
ومن جانبها أشارت صحيفة الجارديان، إلى أن انتصار الأسد في حلب سيعني السيطرة على مدن سوريا الخمس الرئيسية، ولكنه يعني فقط نحو ثلث أراضي البلد، لأن تنظيم الدولة لا يزال يسيطر على معظم شرق سوريا، بينما يسيطر الأكراد على جزء كبير من الشمال الشرقي، ومن غير المرجح أن يعيد النظام ترسيخ سيطرته على معظم الأرض التي خسرها، ويمكن أن يتوقع حرب عصابات تستهدف المناطق التي يحكمها.
وأضافت أنه مدين ببقائه لروسيا وإيران وليس لقواته العاجزة والمنهكة، وأن القوات الفائزة في هذه الحرب هي التي تحرك ما يأتي بعد ذلك أيضا.

تدخلات إيران فى: لبنان
ويذكر مايكل نايتس الخبير الأمريكي في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أنه لا يخفى على أحد أنّ القيادات الإسلامية التي استولت على الحكم في إيران بقيادة الخوميني سنة 1979، قد سعت منذ ذلك الحين إلى لعب دور خبيث في الشرق الأوسط.
وقد بدأ ذلك الدور في التشكّل على أرض الواقع منذ سنة 1982، عندما بدأ قادة الحرس الثوري الإيراني في إنشاء شبكة من الخلايا الإرهابية وجماعات لحرب العصابات في صفوف أبناء الطائفة الشيعية في لبنان.
وكان حزب الله ثمرة مسمومة لتلك الجهود الإيرانية، وعندما تم الإعلان عن ولادته سنة 1985، لم يخجل قادة الحزب من إخبار العالم، بأنهم يعملون لصالح إيران. وورد في نص البيان:«نحن حزب الله، والطليعة الذين نصرهم الله في إيران، نحن نطيع أوامر قائد واحد، هو الحكيم والعادل، وهو مرشدنا وفقيهنا الذي يستوفي جميع الشروط اللازمة: روح الله الموسوي الخومينى».
وتعتبر سيطرته على أجزاء من البلاد، أشبه بدولة داخل الدولة وهو تكريس للسيطرة الفعلية لإيران داخل لبنان.

فى العراق
أمّا في العراق، فبعد إسقاط الولايات المتحدة لنظام صدام حسين في عام 2003، استنسخ الإيرانيون التجربة اللبنانية في العراق، عن طريق رعاية مختلف الميليشيات الشيعية الطائفية وفرق الموت التي خاضت حربا ضد الحكومة العراقية والجيش الأمريكي، والمدنيين السنة، والسياسيين الشيعة المعتدلين.
ولكن على خلاف لبنان، الذي ينقسم بالتساوي بين مسيحيين وسنة وشيعة، يتكون العراق من أغلبية شيعية تميل إلى الاتحاد مع الشيعة في إيران على حساب مواطنيهم السنة.
وقد اقتربت الحكومة المركزية في بغداد، بشكل ملحوظ، من طهران في السنوات الماضية. وعلى خلاف لبنان الذي عمل فيه الإيرانيون على إقامة تنظيم أشبه بدولة داخل الدولة، يحاول الشيعة في العراق الهيمنة على بغداد بالاعتماد على الثقل الديمغرافي الكبير للشيعة. لكن إيران غير راضية عن مجرد إقامة علاقات دبلوماسية قوية مع جارتها، حيث إنها لا تزال ترعى الميليشيات الشيعية الطائفية في وسط البلاد وجنوبها. وهي تطمح إلى أن تحل تلك الميليشيات محل الجيش الوطني العراقي.

فى سوريا
ولئن يعتبر التدخل الإيراني في العراق مكشوفا، فهو سافر بدرجة أوضح في سوريا التي يقيم فيها نظام الأسد، تحالفا وثيقا مع طهران منذ الثورة الإسلامية عام 1979 التي جاءت برجال الدين إلى السلطة.
وقد أنتج ذلك التحالف حزب الله في مرحلة أولى، ومن ثمّ شكل ثلاثتهم ما يسميه المحلل لي سميث، في كتابه «الحصان القوى» ب«كتلة المقاومة». ويعلن حزب الله دائما، أنّه ما كان ليوجد لولا الدعم المالي والسلاح الإيراني، كما أنه ما كان ليوجد لولا دمشق كمركز لوجستي يربط بينهما. وكان يمكن أن تنتهي صلاحيته منذ عقود، لولا أن سوريا غزت لبنان وضمته إليها بشكل فاعل في نهاية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، وهو ما يجعله ينخرط بكل طاقته في الحرب السورية.

فى اليمن
فقد تولى الحوثيون المدعومون من إيران السيطرة على العاصمة اليمنية، صنعاء، في وقت سابق من هذا العام، ولاحقا على مناطق أخرى من البلاد، إلى أن تم دحرها عسكريا عن طريق تحالف عربي بقيادة السعودية.
ويسعى الحوثيون إلى السيطرة على كل شبر من البلد أكثر من أي وكلاء آخرين لإيران في المنطقة. ويبذل السعوديون أقصى ما في وسعهم للحيلولة دون ذلك .
تعتبر المملكة العربية السعودية البلد الأكثر انزعاجا من التوسع الإيراني في المنطقة والأكثر وعيا بخطورة هذا المخطط، وهي الأقدر على التصدي له، وذلك لأسباب وجيهة، أهمها أنّ السعودية هي البلد العربي الوحيد الذي لم يتعرض إلى اضطرابات، أو فتنة طائفية من جانب الأقلية الشيعية المدعومة من إيران، على الرغم من أن الأحداث في اليمن يمكن أن تغير هذه المعطيات.
وعلى الرغم من أن الشيعة لا يمثلون نسبة كبيرة من سكان المملكة السعودية فإن إيران يمكن أن تلعب على وترهم من أجل إثارة الفتن.
وإذا امتدت المغامرة الإيرانية إلى المملكة العربية السعودية، فسوف تتشظى المنطقة التي يقطنها السنة والشيعة، وسوف تتحول المنطقة التي تمد العالم بالنفط إلى منطقة ممزقة. كما أنّ السعودية لن تسكت على ذلك وستكون جاهزة لرد الفعل وفق كلّ الاحتمالات.
وترتفع وتيرة القلق السعودي والعربي عموما بالتزامن مع «عقد صفقة» الاتفاق النووي بين أمريكا وإيران، فعلى الرغم من أنّ السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط تعلن أنها تركز الآن على أمرين، هما احتواء داعش ومنع إيران من امتلاك أسلحة نووية، فإن ذلك لا يقنع حلفاءها العرب، خصوصا أنّ رفع العقوبات على إيران كجزء من الاتفاق النووي، سواء تمكنت من إنتاج القنبلة النووية أم لا، سوف يوفر لها المزيد من المال والموارد لدعم حزب الله، ونظام الأسد والميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن، وربما الأقلية الشيعية في المملكة العربية السعودية وغيرها. وسوف تصبح المنطقة أقل استقرارا ممّا هي عليه الآن. ومن المرجح أن يكتسب كل من تنظيم داعش وتنظيم القاعدة زخما يفوق ما كانا عليه سابقا في ظل الفوضى المحتملة.
ومن الأكيد أنّ ذلك سيكون له تأثير على أمريكا، حيث إن الأمر لا يتعلق بالنفط فحسب، بل هناك مخاوف أمنية في المنطقة، فما يحدث في الشرق الأوسط لن ينحصر فيه لعقود.

الباب المفتوح لإيران
ومن جانبه شرح مايكل نايتس «المتخصص في الشون العسكرية والأمنية في العراق وإيران» الأمر كالتالي: لنفترض أن تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» قد خسر المعركة أمام القوات العراقية وحليفتها «القوات الأمريكية»، وفي الأغلب سيخسرها، كما يفترض نايتس، وعندها، ستكون المساحة مفتوحة على مصراعيها أمام التنظيمات الشيعية المُجهزة والمُدربة لاستغلال مثل هذا الموقف، وعندها لن تستطيع القوَّات العراقية صدّها، خصوصا مع قلة تنظيمها وانعدام الخبرة والكفاءة في صفوف جنودها وفصائلها التي صُنعت على عين الولايات المتحدة، وستجد أمريكا نفسها أمام عدو قوي وقادر على مواصلة الصراع والانتصار في نهاية المطاف.

أمريكا واللعبة الكبرى
ويرى مارتن س. إنديك خبير العلاقات الدولية وسفير الولايات المتحدة السابق إلى إسرائيل لفترتين فى تحليل بعنوان (اللعبة الكبرى للشرق الأوسط)، كان للولايات المتحدة إستراتيجية للشرق الأوسط عرفت بإستراتيجية «الأعمدة»، وأساسها العمل مع القوى الإقليمية الملتزمة بالحفاظ على الوضع القائم - إيران والسعودية وإسرائيل وتركيا. كان التحدي هو احتواء القوى التي لديها استعدادات للمراجعات السياسية -مصر والعراق وسوريا - والتي كان الاتحاد السوفيتي يساندها. مع الوقت فقدت الولايات المتحدة العمود الإيراني، لكنها كسبت المصري معززة النظام العربي السني، بيد أنها تواجه الآن قوة ثورية شيعية في الخليج.
في عام 1992، أصبحت الولايات المتحدة القوة المسيطرة عشية سقوط الاتحاد السوفيتي وإجلاء جيش صدام حسين من الكويت. فيما بعد تبنّى بوش، وكلينتون، إستراتيجية واضحة ومتوسّعة للحفاظ على الاستقرار تضمنت ثلاثة مكونات:
1- السلام الأمريكي - حل شامل تدعمه أمريكا للصراع العربي الإسرائيلي.
2- الاحتواء الثنائي لاثنتين من قوى المراجعة - العراق تحت حكم صدام حسين وإيران تحت حكم آيات الله.
3 - الاستثنائية العربية - تم إعطاء الحكام العرب شركاء أمريكا في الحفاظ على نظام الشرق الأوسط إشارة خضراء عندما يتعلق الأمر بمعاملة مواطنيهم.
في سياق الحفاظ على النظام فإن الاستراتيجية عملت بشكل جيد لمدة عقد، لكن كل شيء تساقط في أعقاب 11 سبتمبر؛ هجرت الولايات المتحدة الاحتواء في سياق تغير الأنظمة مسقطة صدام حسين بتهور فتح الأبواب من بغداد إلى إيران، كما توقفت عملية السلام العربية الإسرائيلية وقاومت بعناد المحاولات المتعددة لإعادتها للعمل. إن الاستثنائية العربية ساعدت على إنتاج الثورات العربية التي اجتاحت المنطقة.

الربيع العربى وإعادة تشكيل المنطقة
وفى أعقاب 11 سبتمبر وسقوط صدام حسين بتهور أمريكى فتح الأبواب من بغداد إلى إيران ومع الثورات العربية خلال تلك العملية انهار النظام القائم وتم استبداله بأنظمة فاشلة ومناطق غير محكومة وصعود القاعدة وداعش.
وأضاف إنديك يجب ألا يشعر المرء بحنين للنظام القديم: لقد كان استقراره كثيرًا ما يؤدي إلى صراعات وانقلابات، كما كان ثمنه هو القمع. وقد جلب انهيار النظام القديم ثلاثة صراعات إلى الصدارة، يغذي بعضها بعضًا، وتخلق الاضطراب الحاد في جميع أنحاء المنطقة:
1- الصراع الطائفي السني- الشيعي: بدأ في لبنان واشتعل نتيجة للحرب الأهلية في العراق وامتد إلى سوريا والبحرين واليمن. حرّكته إيران والسعودية مع سيطرة ثابتة لإيران الثورية في بيروت ودمشق وبغداد وأخيرًا صنعاء.
2 - الصراع السني - السني عبر المشهد: بدأ هذا كمعركة بين القاعدة ثم داعش ضد المشايخ والملوك المدافعين عن النظام العربي السني. لكن الربيع العربي جاء بتهديد أكبر للمدافعين العرب عن الوضع القائم في صورة الإخوان المسلمين.
3 - الصراع مع إسرائيل: منذ اتفاقيات السلام مع مصر والأردن تحول هذا الصراع إلى حالة مزمنة بطفرات دورية من العنف الحاد بين إسرائيل ولاعبين من غير الدول على حدودها مع غزة وجنوب لبنان والآن الجولان.
إعادة النظام من بين هذه الفوضى يمكن أن يكون مهمة معقدة لأي قوة خارجية. لكن الولايات المتحدة بالذات لديها صعوبة، لأن شعبها قد سأم المحاربة في حروب أرضية في الشرق الأوسط ويلتزم رئيسها التزامًا عميقًا بعدم الشروع في أي حروب جديدة. إن المخاطر بالنسبة للولايات المتحدة انخفضت أيضًا بما أنها الآن لا تعتمد على نفط الشرق الأوسط.
هذه الفوضى لا يمكن أن تكون سببا لانسحاب الولايات المتحدة ببساطة وتترك «اللعبة العظمى». كما شهدنا في التجربة العراقية فإن الفراغ سيملأ من قِبل لاعبين سيئين لديهم نية تهديد الأراضي الأمريكية. إن حلفاء أمريكا الإقليميين القدامى - إسرائيل والممالك العربية - يعتمدون على مساندة الولايات المتحدة لحياتهم ورفاهتهم. وبينما لا تعتمد الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط حاليًا فإن شركاءها الأساسيين في التجارة في آسيا وحلفائها في أوروبا يعتمدون عليه. إن تعطل واردات النفط من الخليج، سيشكل ضربة للاقتصاد الدولي الذي يعاني وهو ما سيرتد على الاقتصاد الأمريكي الذي يتعافى أخيرا.

سيادة مشتركة مع إيران
لذلك لجات أمريكا فى عهد أوباما إلى إستراتيجية بديلة (إستراتيجية المحور الإيرانى) وهى إشراك إيران فى المشهد، ولكن فى حدود من خلال إبرام اتفاقية لوضع حدود ذات معنى لبرنامج إيران النووي مقابل إطلاق يدها فى الخليج، وبدون اتفاقية من المستحيل تخيل التعاون مع إيران على القضايا الإقليمية، لكن مع وجود اتفاقية سيكون من الممكن التعاون على قضايا الاهتمام المشترك كما قيل إن أوباما اقترح في خطابه، بتاريخ نوفمبر 2014، للمرشد الأعلى في إيران وكما يعتقد بعد المعلقين المحافظين بشكل خاطئ أنه أمر حاصل بالفعل.
إن تفاهمًا مع إيران يشجعها على استخدام نفوذها في تعزيز النظام والاستقرار بدلًا من استغلال الفوضى الحاصلة يمكن أن يكون له فوائد كبيرة.

روسيا وتقاسم النفوذ
ويرى السعودى نوح فسيفس باحث فى العلاقات الدولية أن أهم ما يميز التنافس الإقليمي في اكتساب مواضع قدم وتعزيز النفوذ في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي في مرحلة ما بعد الثورة، هو وجود أطراف وقوى إقليمية صاعدة مثل تركيا والسعودية وإيران، وفي الوقت الذي تهيمن فيه الاعتبارات الأمنية والأيديولوجية على التوجه الإيراني الجديد نحو الشرق الأوسط، لا سيما في إطار التقارب المزمع مع الغرب (الولايات المتحدة)، فإن تركيا والمملكة السعودية ومعها الدول الخليجية والعربية والإسلامية، تستبطن في حركتها الشرق أوسطية مقاومة نفوذ إيران في المنطقة، على النحو الذي نراه جليا في اليمن.
في هذه الحالة فإن التنافس الحقيقي على النفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط ينحصر بالضرورة بين تركيا والسعودية، لجهة مواجهة النفوذ الروسي في سوريا وموازنته في الحرب على الإرهاب. وهو ما تريده وسعت إليه المملكة العربية السعودية في تأسيسها للتحالف العسكري الإسلامي، فهو لم يأت في إطار كونه يمثل مدخلا لمحاربة الإرهاب الدولي المتمثل في تنظيم داعش والتنظيمات العابرة للحدود والأقاليم – ما تسمى بالتنظيمات اللا دولتية – فحسب، الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، إذ ثمة علاقة ارتباطية متلازمة بالمساعي الروسية الجادة لتعزيز مبدأ إعادة صياغة التوازن الإستراتيجي في الشرق الأوسط، والذي تطمح له موسكو بتغيير قواعد اللعبة في سوريا، لصالح حلفائها في المنطقة إيران. وبالتالي فإن لدى السعوديين رغبة قوية، بصياغة ترتيبات عسكرية موازية لتلك التحركات الروسية، كما أن السعودية يهمها في الوقت نفسه أن تحول دون أن تصوغ تركيا قواعد اللعبة في المواجهة مع موسكو في قلب الأزمة السورية، في حال إذا ما سعت أنقرة إلى تشكيل تحالف يحتوي النفوذ الروسي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.