شارك فى الحوار : جمال الكشكى - مهدى مصطفى - محمد عيسى - عماد أنور - محمد زكى حماس أصبحت على يمين فتح .. ودولة دون غزة أمر مستحيل أقسم بالله أننا لم نكن مع صدام حسين فى غزو الكويت
شكرت الله عندما رأيت الرئيس السيسى يفتتح أكبر قاعدة عسكرية فى الشرق الأوسط
ندفع ثمن عجز الأمتين العربية والإسلامية
سنذهب بإسرائيل إلى محكمة الجنايات الدولية
أغلقنا الباب أمام الإدارة الأمريكية وثوابت أبو عمار لا يمكن تجاوزها
قضيتنا عادت إلى الأضواء بفضل نضالات شعبنا وحده
لا يحمل عباس زكى، أحد قادة فتح التاريخيين، وعضو لجنتها المركزية، هموم قضية فلسطين فحسب، بل يحمل هموم أمته كلها، فتهميش القضية الفلسطينية لا يتم دون إشغال العواصم الكبرى العربية بمشكلات داخلية، فضعف الأمتين العربية والإسلامية يدفع ثمنه الفلسطينيون، حين وقعت أحداث الربيع العربى، كان الهدف فلسطين، وكلما ضاقت الحلقة حول الكيان الصهيونى، يجرى الغرب ويطرح مبادرات واتفاقات، ويسميها معاهدات، وهى فى الحقيقة لا تسمن ولا تغنى من جوع، ما يحمله عباس زكى، تنوء بحمله الجبال، يحفظ قضيته ككَف يده، يعرف ما يدبر لها وللوطن العربى، التاريخ فى ذهنه بكامل وضوحه، لا تغيب تفاصيله ولا مخططاته عنه، فى هذا الحوار يطوف بنا زكى فى دهاليز السياسة العالمية المتعلقة بوطنه فلسطين، والتى تهم كل الأم العربية.
هل باتت القضية الفلسطينية لا تعد القضية العربية الأولى من حيث الأولويات؟
ما جرى من أحداث فى السنوات الأخيرة، يجعلنا نقر أننا بالفعل لم نعد أولوية، ولكن من السهل أن نعود أولوية بسرعة.
وأمريكا بعد عام 2000 خلقت ما يسمى بالفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد، وشرعت بحصار وتدمير كل مرتكزات القوة العربية، ومن المؤسف أن الأشقاء العرب ما كانوا يدركون أن هذا الزلزال فى المنطقة سيلقى بأثقاله على الجميع، وعلى الذين صمتوا على ما جرى فى العراق، ويصمتون على ما يحدث فى سوريا الآن.
وترى أمريكا أن الفرصة سانحة الآن لتحقيق الحلم الذى أعلنه بن جوريون فى الستينيات، حين قال إنه لا دولة دون القدس ولا قدس دون إقامة الهيكل، ولا إقامة للهيكل إلا بفرض السيادة على القدس وهدم الأقصى لإقامة الهيكل.
نحن تحولنا إلى حمائم السلام وانتهجنا المسارات الدولية، أما إسرائيل فقد ذهبت إلى التطرف والغطرسة، وأخيراً أحد أعضاء الكنيست ويدعى إبراهام بورج وكان أبوه أحد المؤسسين فى إسرائيل قال “يا ويلنا نصف شعبنا سطحى ومتعطش للدماء لا يتعايش مع الآخرين وهذا أمر مؤسف، وإذا كان وضع الشعب هكذا، فكيف بالجيش؟ فأنا لست آمنا على ولدى”، فقد اختفت الأصوات التى تنادى بالسلام فى إسرائيل فى الوقت الذى اندمجنا فيه مع المعادلة الدولية.
فى الفترة الأخيرة استكملت إسرائيل التهويد الكامل للقدس، والدليل على ذلك أنهم الآن يسنون قوانين وحدة القدس باعتبارها عاصمة أبدية موحدة، بحيث إذا حدث استفتاء حول تجزئة القدس يفشل وتبقى موحدة لهم، وكأنهم أخذوا ضمانة على أن القدس صارت لهم، وبالتالى كل أعمال التهويد وكل الجرائم التى ارتكبوها لاقت صمتاً دولياً وكأننا لم نتخذ أى قرار، وهذا الأمر ترك عند الفلسطينيين انطباعا، أنه إذا كانت الأمور هكذا فلابد من الاعتماد على ذاتنا، وهنا كما كانت انتفاضة عام 1987 التى أدت إلى سقوط حاجز الرعب وانتصار الحجارة فى مقابل الأسلحة، جاءت مشكلة القدس الآن طوعاً وقناعةً من أهل القدس ومن أهلنا فى 48 الذين لم يتمكنوا من الوصول إلى الأقصى بأن يشكلوا هم أداة فى مواجهة هذا المخطط، ما جعلنا بفضل بطولة هؤلاء، نشهد وللمرة الأولى انسجاما للقرار السياسى مع القرار الميدانى مع المرجعيات الدينية .
لقد اتخذنا القرارات بكل ثقة، استنادا إلى الشعب الفلسطينى وإلى استعدادنا للتضحية من أجل إفشال هذا المخطط، صحيح أن قادتنا أبعدوا من القدس، وتم التنكيل بشبابنا، إلا أن ذلك زادنا قوة وعزة، وعدنا نتصدر الحدث، وكأننا نسدد ضريبة عجز الأمتين العربية والإسلامية، لأن عقيدتنا أن الله خلقنا للشدة والتضحية، وبعد الأحداث الأخيرة اتخذنا قرارا بأن نذهب إلى محكمة الجنايات الدولية، وأخذنا قرار بأن نرتب بيتنا من الداخل ثم نذهب إلى الأممالمتحدة بوجه آخر.
ماذا تعنى بترتيب البيت الداخلي؟
إن الفلسطينيين كان لهم عنوان وهو منظمة التحرير الفلسطينية، التى تمثل شرف وعقل الشعب الفلسطينى، لكنها الآن ضعفت وتوارت خلف سلطة قابلة للحل.
من المسئول عن هذا الضعف؟
نحن المسئولون لأننا ارتكنا إلى وهم السلام، وأثبتت الأحداث ضرورة العودة إلى أيام عزنا، وألا تكون إطاراتنا تتمثل فقط فى عناوين مفرغة من أى مضمون، ما دام أن هناك شعب يقود صراعه بقناعة واستعداد للموت.
يجب إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفى سياق ذلك رأب الصدع بين الضفة وقطاع غزة، وإنهاء الرهانات على الإخوان المسلمين، الذين كانت ترى حماس أنهم قادمون رغم كل شيء، ونحن أغلقنا الباب مع الأمريكان، وقرر أبو مازن عدم استقبال الوفد الأمريكى الذى يتعامل معنا وكأننا لسنا الضحية، بل طرف آخر يجب عليه الهدوء، وكأننا نعطى الشرعية لممارسات إسرائيل.
إذا عدنا لأسباب تراجع القضية الفلسطينية، البعض يرى أن مسلسل الانشقاقات التى حدثت داخل حركة فتح بدءاً من عام 1982، أضعفها .. ما تعليقك؟
الكثير من الانشقاقات كان وراءها دول الإقليم، ومن خرج على حركة فتح يخرج تنفيذا لأغراض بعض القادة العرب . الرهان على غير الحالة الفلسطينية صعب، لأن إسرائيل قادرة على تأديب أى أحد خارج فلسطين بسلاحها وإمكاناتها، أما نحن فلا يمكن القضاء علينا، وبالتالى فالاحتماء بالبيت الفلسطينى هو الأفضل ولا يشكل عبئاً على الآخرين .
لقد اختمرت الفكرة عند الجميع بأننا يجب ألا نكون ضعفاء، وأن نعطى للشعب حقه فى الديمقراطية والحرية والتعددية واحترام الرأى والرأى الآخر، فالعدو الإسرائيلى يمارس كل الجرائم، لكن ما يغطيها أنه حينما يأتى موعد الانتخابات تتم فى مواعيدها أياً كان الناجح أو الخاسر.
هل تعتقد أن حماس رقم مهم فى القضية الفلسطينية وأن وجودها فى المعادلة بات ضروريا ؟
حماس فى أول مفترق طرق غيرت برنامجها وتقدمت ببرنامج جديد وكأنها على يمين فتح، فى الوقت الذى لم تصوت لصالح أوسلو. أنا أعلنت حينها أن هذا الاتفاق خيانة ولم أصوت بالموافقة عليه ومعى ثمانية من اللجنة المركزية للحركة، صحيح أننا انهزمنا، وكان تفسير الأخ أبو مازن فى ذلك الحين أن هذا الاتفاق لا يرقى إلى تضحياتنا، لكن يمكن اعتباره درءا للمفاسد وليس جلبا للمغانم، والآن رأينا أنه لم يجلب أية مغانم .
هل ترى أن حل السلطة الفلسطينية، فكرة واردة، فى إطار الضغط على حكومة إسرائيل؟ السلطة، إنجاز فلسطينى تحقق، وأصبح بمثابة ذراع للفلسطينيين فى الداخل، وليس من حق السلطة أن تقرر فى القضايا الإستراتيجية، وإنما هناك مرجعية فلسطينية عليا متمثلة فى منظمة التحرير الفلسطينية.
لقد طرحت فكرة حل السلطة من قبل الكثيرين، ورددنا عليهم بالقول إننا عندما نسلم السلطة ومفاتيحها للإسرائيليين يعيثون بنا فساداً ونعطيهم شرعية، وحينما قال الرئيس ياسر عرفات لجورج تينت: إن الرئيس كلينتون يعرض على سجناً، فرد عليه وقال له ستعود بطلا ولكن إلى بلدان حدودها قابلة للشطب والتعديل، وهذا يعنى أنهم كانوا يريدون شطب المنطقة العربية وشطبنا معها أيضاً، وقال الرئيس عرفات مقولته المشهورة: «يريدوننى قتيلاً أو طريداً أو شريداً.. وأقول لهم شهيداً شهيداً شهيداً »، ومضى يقول: «على القدس رايحين شهداء بالملايين»، لأنه يعرف أن إنقاذه ليس بما حوله لكن إنقاذه بالمعتقد، فالمسيحيون الذين يحملون الصليب معتقدهم أن السيد المسيح فلسطينى، والمهد وقيامته فى القدس، والمسلمون يعرفون أن القدس هى أولى القبلتين، وأنا أقول إنها بوابة الأرض إلى السماء وضع الله عليها حراس، ونريد أن نكون حراسا أمناء عليها.
ألا يمكن أن تحل السلطة نفسها لإنهاء مشروع أوسلو ومدريد والسلام فى المنطقة، وبالتالى العودة للمربع صفر؟ وهل يمكن العودة لدولة موحدة ثنائية القومية فتنتهى هذه المسألة؟
الذى أتى بالسلطة هو العالم المتنفذ، وهو الذى ينفق عليها، إذا قلت إننى لا أريد أوسلو معناه أننا سنذهب إلى صحراء تيه، لكن يجب أن نخلق من هذه السلطة، سلطة قادرة على صدمهم وتلقينهم درسا وهذا ما قمنا به فى عام 2000 فى مواجهة شارون بانتفاضة الأقصى، الذى رد بتدمير مقرات كل أجهزتنا الأمنية، ما يؤكد على أن السلطة ليست فى خدمة إسرائيل بقدر ما هى أداة قد يحكمها المستوى السياسى، لكن فى نهاية المطاف هناك ثوابت فلسطينية تتمسك بها، وأنا لا أدعو لحل أى شيء فلسطينى قائم جاء نتيجة نضالاتنا أو اعترف به العالم تماما مثل ما حدث مع منح فلسطين عضو مراقب بالأممالمتحدة.
الآن هناك قوى ظهرت بقوة فى المنطقة وفرضت عليها التراجع مثل روسيا والصين وأوروبا. لا نحل أى شيء بل نرمم ونعيد البناء ونضع إستراتيجية جديدة للعمل فى ضوء القراءة الفلسطينية.
وماذا عن الدولة ثنائية القومية؟
دولة ثنائية القومية أمر مستحيل، ودولة بدون غزة مستحيل، وأيضا دولة فى غزة أمر مستحيل.
ذكرت فى سياق الحديث أن “الجغرافيا الكافرة ظلمتنا” .. ماذا تقصد بذلك؟
الجغرافيا الكافرة، بمعنى أننا جزء من هذه الأمة ومحسوبون على بعضنا. أعنى بالجغرافيا الكافرة أن الفلسطينى معذب فى المنفى أكثر من عذاباته فى ظل الاحتلال، والفلسطينى ليس أولوية، وكأنه هو الذى أراد أن يخرج من بلده.
على مدار التاريخ ونحن نعول على المجتمع الدولي، وللأسف لم يقدم لنا شيئاً، هل سنظل نعول عليه فى المستقبل؟
صحيح أن المجتمع الدولى لا يقدم شيئا ولكن يجب ألا نتنازل عن لغة العالم، العالم الآن يتحدث عن المؤسسات الدولية ومجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة. لا يجب أن نكون عدميين، نحن فى المعادلة أقوى، إن المعادلة الضامنة لى كفلسطينى هى أنه بمقدار ما أنت معى وجدانياً وسياسياً وثقافياً أنت منى وأنا منك، وكل من ابتلى الآن ودمر بيته يتذكر فلسطين ويدفع الثمن الآن.
البعض يعتبر أن القيادات الفلسطينية من أصحاب الرهانات الخاسرة، ففى حرب الخليج راهنوا على صدام حسين، وقبلها رفض عرفات دعوة السادات بأن يشارك فى جلسة المفاوضات مع الإسرائيليين فى فندق مينا هاوس وغيرها.. هل تعتقد أن الفلسطينيين خسروا بعدم انضمامهم للسادات؟
“أقسم بالله” أننا لم نكن مع صدام فى غزوه للكويت، وأن الفلسطينيين قاتلوا مع الكويت، لكن الفلسطينى يسهل أن تتهمه بأى شيء . كنا مع صدام حينما تعرض لهجوم من أمريكا وثلاثين دولة ولم يكن لديه سلاح نووى، لكننا لم نكن مع احتلال صدام للكويت، ويمكن أن يسأل فى ذلك على سالم البيض نائب الرئيس اليمنى السابق، وأخبرنى عندما كنت سفيراً فى صنعاء وقال إنه حزن على الرئيس عرفات، وعندما سألته عن السبب قال: إن الرئيس أبو عمار كان يطلب من الرئيس صدام عدم غزو الكويت، لكن الرئيس صدام أمسك عرفات من رقبته وقال له “شد ركبك يا عرفات”، فرد عليه أبو عمار قائلا: يا سيادة الرئيس نحن أقوياء، ولكنى أخاف عليك وعلى أمتنا العربية . إن أبو عمار كثيرا ما لعب أدوارا فى تقريب وجهات النظر بين الجزائر والمغرب وكذلك بين العراقوسوريا، وبين اليمن الشمالى والجنوبي، حرام أن نتهم أننا كنا نوافق صدام فى غزو الكويت. أى إنسان ينسى مصر لأنها وقعت على معاهدة «كامب ديفيد» إنسان غبى ومجنون، لأن مصر الخير فيها، جيشها ومخابراتها وشعبها يرفض التطبيع، وكقناعة ينظر إلى حماية البلد ويقدر ما يحدث فى البلد، فماذا يعنى أن تفتح على مصر أبواب جهنم من كل حدب وصوب، وماذا يعنى أن يمول سد النهضة بالمليارات، وماذا يعنى أن تأخذ إسرائيل قرارا بفتح قناة بين البحر الأحمر والبحر المتوسط بعمق أكبر من قناة السويس، وشكرت الله عندما شاهدت الرئيس السيسى وهو يفتتح أكبر قاعدة عسكرية فى الشرق الأوسط. لست بصدد مجاملة مصر ولكن الرهان دائما على مصر، وهناك قانون أكدته وقائع التاريخ “لا نصر بدون مصر، ولا سلام بدون سوريا”.
البعض يرى أن ما سمى الربيع العربى كان هدفه القضاء على القضية الفلسطينية، أين هى الآن؟ وكيف يمكن إعادة اللحمة بين غزة والضفة؟
كان هناك مشروع أمريكى يقضى بتحويل الصراع من فلسطينى إسرائيلى أو عربى صهيونى إلى صراع بين المسلمين السنة والشيعة، وهذا أيضاً ما قالته كوندوليزا رايس فى عام 2002، وقالت فى عام 2005 نريد إسلاما يناسبنا، وكانوا يريدون الإسلام السياسى بديلاً عن التيار القومى الوطنى وكانوا يريدون إسلاماً يشكلونه كما يريدون، ولكن أرى خطوات إيجابية تمثلت فى زيارة مقتدى الصدر إلى الرياض وأبو ظبى، ولا سبيل لمواجهة ما يخطط لتمزيق الأمة إلا بثقافة التعايش ورفض المخطط الأمريكى الخبيث، فقانون الوحدة هو الذى سينتصر فى النهاية، نعم لدينا خلافات لكننا، لم نستجب لحماس عندما بدأت فى القتل، حماس تتنكر للرئيس الفلسطينى ياسر عرفات وتمنع أبناءنا من الاحتفال بذكراه.
أزمة القدس الأخيرة بدأت بإطلاق رصاص فى المسجد الأقصى وانتهت بإطلاق رصاص فى عمّان - هل من تفسير؟
كلاهما يختلف عن الآخر، فلا أستطيع أن أفتى فيما حدث فى الأردن، ولكن ما حدث هناك جريمة، وفى اعتقادى أن الأمور هناك آخذة فى التصعيد .
فى سياق أحداث القدس الأخيرة، من الملاحظ أن المرجعيات الدينية هى التى تولت الدور الأساسي، والبعض يرى أن هذه المرجعيات موظفون لدى الأردن، ماذا تعنى هذه المعادلة بالنسبة لك؟
هناك وحدة ميدان، ومعظم قيادات فتح بين حبس واعتقال وطرد مؤقت من القدس، ولا أعتقد أن المرجعيات الدينية هى صاحبة القرار ولكنها أمام هيبة وعظمة الأقصى التزمت بالقيادة الميدانية، والقيادة السياسية كانت وراء المرجعيات الدينية فكلنا تكاملنا معاً.