سليمان الحكيم: ما اكثر الذين كانوا يصفون حالة الاحتقان الشعبي في مصر بالمخاض الذي يسبق عادة عملية الوضع والولادة. وحين تجمع الشعب في ميدان التحرير الذي تمدد ليصبح بمساحة مصر كلها. قلنا إنها اللحظة التي ستشهد فيها مولودا جديدا اسمه الثورة. ولم تخب مصر ظن الكثيرين منا. فجاء المولود في موعده ولكنه كان مبتسرا مما دعا إلي وضعه في حضانة التحرير حتي يكتمل نموه ويصبح قادرا علي مواصلة الحياة بنفسه دون خراطيم واجهزة تنفس تعينه علي البقاء حيا. لم يكن المولود يشبه والديه مصر وشعبها فوجدنا من يشكك في نسبه حتي وصل الشك لدي البعض إلي القول بالحمل الكاذب! هل كنا نثور ونضحي بدماء الشباب الطاهر لنفرج عن القتله وسفاكي الدماء. ونخرج من يسمون انفسهم بالسلفيين من عقالهم ليهدموا الاضرحة والكنائس. وينشروا الرعب بين المواطنين. بقطع الاذن وحرق البيوت؟ هل كانت ثورتنا من أجل ان نبقي علي نسبة العمال والفلاحين ليدخل اللواءات والباشوات تحت عباءاتها إلي بهو مجلسي الشعب والشوري؟ هل كنا نثور ونضحي بالدماء. من أجل ان ينعم فتحي سرور وصفوت الشريف وزكريا عزمي وابوالعينين وغيرهم بالحرية. وبالاموال التي نهبوها من اموال الشعب الغلبان؟ هل كانت ثورتنا وتضحياتنا من أجل ان يعيش مبارك واسرته في شرم الشيخ هانئا وعلي حسابنا؟ كل كانت ثورتنا من أجل ان انطلق ايدي البلطجية واللصوص ليعيثوا في الارض فسادا. ويبثوا الرعب والترويع في ربوع البلاد طولا وعرضا؟ هل كنا نثور ونضحي من أجل ان تفتح الابواب واسعة لتهريب الاموال وسرقة الاثار. ليترقي زاهي حواس من رئيس لهيئة الاثار إلي وزير لها. مكافأة له علي السرقات التي تمت في عهده؟ هل هو إذن مولود مبتسر.. أم حمل كاذب ؟! في البدء تصورنا بمنتهي حسن النية ان ذلك يرجع إلي حالة الارتباك التي تصاحب الثورات الشعبية عادة وحين أصبح المناخ مهيئا لازالة اسبابها.. قلنا انه التلكؤ والتباطؤ الذي ينتج عنه التردد في الاقدام علي الخطوة السليمة بسبب ضخامة المسئوليات وعظم المهمات. ولكن بمرور الوقت بدأ البعض منا يرتاب في الأمر متسائلا.. هل هو التباطؤ أم التواطؤ؟! لقد كان لدي اصحاب هذا السؤال ما يبرره من منطق يبدو معقولا.. ما هي الجرائم التي ارتكبها المحبوسون من امثال أحمد عز والمغربي ولم يرتكبها الطلقاء من امثال عزمي والشريف؟ وكيف نحاكم صبيان العصابة ونترك المعلم الكبير دون حتي ان نسأله كشاهد؟ هل كان شئ يحدث في هذا البلد دون توجيهات السيد الرئيسي, فلماذا نستثني القتل والسرقة والنهب من مسئولية الرئيس وتوجيهاته؟! لقد حدث خلاف بين كمال الجنزوري ويوسف والي حول المسئولية في التوقيع علي عقد الوليد بن طلال في توشكي. فقال والي ان الجنزوري هو الذي وقع العقد. بينما قال الجنزوري ان الرئيس هو الذي وقعه. ولم يجرؤ أحد في النيابة العامة علي استدعاء الرئيس كمجرد شاهد لحسم الخلاف. فهل يجرؤ علي استدعائه كمتهم في قضايا أشد خطورة؟! دعونا من الرئيس شاهدا أو متهما فماذا عن ابنائه والاتهامات الموجهة اليهم في اكثر من قضية تتعلق بالفساد والتربحو استغلال النفوذ. هل هم ايضا من أصحاب الادوار التاريخية التي تحول دون سؤالهم ولا نقول اتهامهم في تلك الوقائع الثابتة بشهادة الشهود. وموثوق المحررات ؟! حين انطلقت الدعوات الجمعة إنقاذ الثورة في ميدان التحرير كانت تلك الدعوات دليلا علي ان الثورة تعاني من اسفكسيا الغرق في بحر التخبط والتباطؤ.. أو التواطؤ. وانها باتت تحتاج بالفعل إلي التدخل سريعا لانقاذها.. وهي التي كنا نعتقد انها قامت لانقاذنا. ثم أليس من حقنا والحال هكذا ان نسأل: هل كان الحمل كاذبا بالفعل وان مخاض الثورة كان مجرد مغص ذهب إلي حال سبيله؟!.