مصر تتقدم 14 مركزًا عالمياً فى مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعى 2025 وتتصدر «قدرة السياسات»    اتحاد الغرف السياحية يقرر تشكيل لجنة الانضباط المهني لضبط التعاملات والأداء    190 مليون دولار استثمارات جديدة.. وليد جمال الدين: تنوع القاعدة الصناعية باقتصادية السويس    محافظ جنوب سيناء ووزير النقل يبحثان سبل تعزيز خطط التنمية    «الصحة» تطلق الدورة الأولى من جائزة مصر للتميز الحكومي لفئة مديريات الشؤون الصحية    الاحتلال الإسرائيلي يواصل خروقاته بغارات وقصف مدفعي على أنحاء متفرقة بقطاع غزة    وزير الخارجية يؤكد لنظيره اليمنى أهمية التوصل لحل سياسي شامل عبر حوار يمني- يمني جامع    وزير «الخارجية» يؤكد دعم مصر لوحدة وسيادة الأراضي اليمنية    شاحنات القافلة 113 تحمل أطنانًا من المساعدات الإنسانية لأهل غزة    أمم إفريقيا - الحضور الجماهيري يتخطى المليون متفرج.. ويحطم الرقم القياسي قريبا    محافظ الغربية يتفقد لجان امتحانات النقل بطنطا.. ويطمئن أولياء الأمور: أبناؤكم أمانة في أعناقنا    مدارس ثانوية تعلن: تهكير التابلت بالواتساب والفيسبوك سبب المشاكل في امتحانات الصفين الأول والثاني الثانوي    الرئيس التنفيذي لمعرض الكتاب يكشف تفاصيل الاستعدادات النهائية لانطلاق الدورة ال57    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 11يناير 2026 فى المنيا    تشيلسي يتأهل لدور 32 في كأس الاتحاد على حساب تشارلتون أثليتيك    إبراهيم حسن : محمد حمدي يغادر لألمانيا اليوم .. وإجراء العملية 15 يناير    نائب وزير الزراعة: ننتج 2.3 مليون طن لحوم بيضاء.. ولن نسمح بالاستغلال أو المغالاة في الأسعار    رويترز: إسرائيل بحالة تأهب قصوى تحسبًا لتدخل أمريكا في إيران    تموين المنيا: تحرير 140 مخالفة وضبط أكثر من 1.5 طن دقيق مدعم    إصابة طالبين في مشاجرة بين طلاب بسبب معاكسة فتاة أمام مول بأكتوبر    رشقتهم مريضة نفسيا بالحجارة.. إصابة 6 أطفال داخل معهد أزهري بالبدرشين    تنقية جداول عمومية الوفد تمهيدًا للانتخابات، و8 مرشحين يتنافسون على رئاسة الحزب    "Once We Were Us" أول فيلم كوري يتخطى المليون مشاهد ب2026    مصطفى كامل يكشف أخر التطورات الصحية للفنان هاني شاكر    مدرب كوت ديفوار: نشعر بالإحباط بعد الخسارة أمام مصر    رئيس مجلس الوزراء يشهد توقيع عقود محطات طاقة متجددة بقيمة 1.8 مليار دولار    الرعاية الصحية: السياحة العلاجية في مصر مشروع قومي    صبحي وجلال وفردوس عبد الحميد في صدارة المكرمين بمهرجان المسرح العربي    مدينة دمياط الجديدة تنفذ قرار إزالة لبناء مخالف بالمنطقة المركزية    عاجل- واشنطن تطالب رعاياها بمغادرة فنزويلا فورًا وتحذر من تدهور أمني خطير    وزير الطاقة السوري: استئناف ضخ المياه في محافظة حلب وريفها    وكيل صحة البحيرة: تخصيص 50 مليون جنيه لتطوير مستشفى الرحمانية المركزي    تفاصيل «استراتيجية الفوضى» الجديدة عند الإخوان الإرهابية    «الزراعة» تعلن فتح السوق الأوزبكي أمام صادرات مصر من الفراولة    دمتم زادًا للمعرفة    إجراء عاجل من الحكومة لمواجهة أزمة انتشار كلاب الشوارع    مصادر: طرح اسم عمرو الليثي ضمن الترشيحات للحقيبة الوزارية في التعديل المرتقب    بعد الاستجابة لمطالبهم.. عمال " كومبليت " يستأنفون العمل في قنا    حشيش وآيس.. التحقيقات تكشف أحراز المتهم شاكر محظور في قضية التعاطي    استشهاد عدد من الفلسطينيين في قصف إسرائيلي استهدف شرق غزة    دار الإفتاء: ليلة الجمعة القادمة هي ليلة الإسراء والمعراج    السيطرة على حريق محل إطارات سيارات في إمبابة    وائل جسار يعتذر لجمهوره في العراق بعد انفعاله على منظمي الحفل    إصابة هاني أبو ريدة بارتفاع في ضغط الدم بسبب مباراة مصر وكوت ديفوار    ستراي كيدز وجي دراجون وجيني يتربعون على عرش جوائز "Golden Disc" في دورتها ال 40    محمد هنيدي يحتفل بتأهل الفراعنة لنصف نهائي أمم إفريقيا: «مبروك لمصر»    حازم الكاديكي يشيد بتألق مصر أمام كوت ديفوار: حسام حسن يتألق رغم التحديات    شاهدها مجانًا.. كلاسيكو ناري بين برشلونة، وريال مدريد، في نهائي كأس السوبر الإسباني بالسعودية    محافظ الإسماعيلية ومحافظ الوادي الجديد ينهيان الخلافات بين قبيلتيِّ البياضية والعبابدة    البابا تواضروس يسافر إلى النمسا لاستكمال فحوصات طبية    حافلات تقل مسلحي "قسد" تغادر حي "الشيخ مقصود" نحو شمال شرق سوريا    إنجاز طبي مصري جديد يضاف لسجل التميز في علاج أمراض القلب    نشأت الديهي يدعو إلى إطلاق الهرم الغذائي المصري: الأكل السليم سيقينا من الذهاب إلى المستشفيات    مصر التي.. صفحات من دفتر الأحوال في كتاب لسعد القرش    أمم إفريقيا – لوكمان: جميع اللاعبين أظهروا روحا جماعية وتعاونا كبيرا    الأزهر للفتوى: استغلال حاجة الناس والظروف الاستثنائية لتحقيق مكاسب مضاعفة جشع محرم    مع دخول موسم الخير.. احذرو من مملكة المتسولين    هل يجوز قتل القطط والكلاب الضالة؟ دار الإفتاء تحسم الجدل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عن الدولة المدنية مرة أخري
نشر في الأهرام اليومي يوم 06 - 09 - 2010

لم أكن أتصور أن ما كتبته في هذه الجريدة متسائلا‏:‏ هل نحن دولة مدنية حقا معلقا علي المادة الثانية من الدستور‏,‏ يمكن أن يثير كل الاستجابات التي تلقيتها بالتقدير والعرفان‏,‏ خصوصا ما كان يهدف منها الي التحقيق والتدقيق والتوضيح أو الحوار الخلاق‏.‏ والحق أن الاستجابة الأولي كانت ممن ينتسب الي الجانب الأول‏,‏ وهو أستاذنا يحيي الجمل الذي عقب بمقاله هل نحن دولة مدنية‏(‏ في جريدة المصري اليوم بتاريخ‏2010/8/5)‏ موضحا أن دستور‏1971‏ كان ينص علي أن الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع‏.‏ وأن هذه المادة تعدلت مع مادة أخري في الثاني والعشرين من مايو‏1980‏ لتصبح الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع‏.‏
وهذا القصر في المادة بعد تعديلها هو الذي فتح الباب للحديث عن الدولة الدينية‏,‏ مع أنه لم يكن سوي نوع من النفاق الديني الذي يهدف الي المكسب السياسي‏,‏ ويبرر الموافقة علي قبول تعديل المادة‏(77),‏ وذلك بتحويل نصها من‏:‏ مدة الرئاسة ست سنوات ميلادية‏,‏ تبدأ من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء‏,‏ ويجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمدة أخري الي‏...‏ ويجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمدد أخري‏,‏ وذلك بتحويل التاء المربوطة الي دال‏(‏ مدة مدد‏)‏ تنتقل بالمادة من التحديد الي التعميم‏.‏ وهو التعديل الذي لم يشأ الله سبحانه وتعالي للسادات الإفادة منه‏,‏ فقد اغتاله حلفاؤه في السادس من أكتوبر سنة‏1981,‏ رحمه الله‏,‏ وغفر له ولنا بحق هذا الشهر الفضيل‏.‏ وشكري‏,‏ مع القراء المهتمين‏,‏ لأستاذنا الدكتور يحيي الجمل علي تذكيرنا بأن المحكمة الدستورية العليا‏,‏ في عصرها الزاهر‏,‏ أفرغت هذا التعديل من مضمونه عندما قالت إن النص يقصد منه مباديء الشريعة الإسلامية قطعية الثبوت قطعية الدلالة‏.‏ هذه المباديء هي وحدها التي تعد المصدر الأساسي للتشريع بعد التعديل‏.‏ والمباديء قطعية الثبوت قطعية الدلالة في غير العبادات لا تتعدي عددا محدودا جدا من المباديء‏.‏ وهو حكم أفرغ التعديل الساداتي‏(‏ الذي تتقنع فيه المصلحة السياسية بقناع الدين وتتجمل به‏)‏ من أي تهديد مباشر‏,‏ يمكن أن يقع علي حضور الدولة المدنية وهويتها وقوانينها الملازمة‏.‏
وقد أفادني صديقي الدكتور نصار عبد الله بمادة معلوماتية غزيرة‏,‏ أنعشت ذاكرتي‏,‏ بما كتبه عن تعديل‏1980,‏ وعن استفتاء‏22‏ مايو‏1980,‏ حين خرج الشعب المصري فيما قيل لكي يدلي برأيه في تعديل مادتين من الدستور هما المادة الثانية التي أصبحت بعد تعديلها تنص علي أن مباديء الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع‏,‏ والمادة السابعة والسبعون التي أصبحت بعد تعديلها تنص علي أنه يجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمدد أخري‏(‏ لا حد لها بالطبع‏).‏ وكانت نتيجة الاستفتاء أكثر من‏98%.‏ وقد أطلق البعض علي عام تعديل المادة‏(77)‏ في أواخر زمن السادات اسم عام البغلة بسبب خطاب شهير لفضيلة الشيخ أحمد حسن الباقوري‏,‏ رحمه الله‏,‏ قال فيه ما معناه إن السلطان هو ظل الله علي الأرض‏,‏ وظل الله له حرمة ومهابة‏,‏ فلا يجوز المساس بالسلطان أو الإساءة إليه بكلمة‏,‏ حتي إن بعض الفقهاء قالوا‏:‏ إذا كان السلطان يركب بغلة وذيلها مقطوع‏,‏ فلا يجوز التهكم عليه لأنه ذيل بغلة السلطان‏,‏ فكيف بالتهكم علي السلطان نفسه‏.....‏؟‏!‏ والطريف‏,‏ فيما علمت من مقالات نصار عبد الله‏(‏ المنشورة في موقع الحوار المتمدن‏)‏ أن الاقتراح الخاص بتعديل المادة‏(77)‏ قد تقدمت به مجموعة من نائبات مجلس الشعب‏,‏ هن‏:‏ نوال عامر وكريمة العروسي وفايدة كامل‏.‏ وقد وافق المجلس علي اقتراح النائبات‏,‏ وتولي تعديل المادة‏,‏ وتقديمها للاستفتاء مشفوعة بالنص علي أن مباديء الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع‏.‏ وهي شفاعة ترضي تيارات الإسلام السياسي‏,‏ وتجعلهم يقبلون تعديل المادة‏(77)‏ من أجل تعديل المادة الثانية التي توقعوا أن تصب في مصلحتهم‏,‏ وتكون بداية دستورية واعدة لتأسيس دولة دينية‏,‏ بعد أسلمة القوانين‏.‏ ولكن حكم المحكمة الدستورية أحبط توقعهم‏,‏ وأفرغ المادة من مخاطرها العملية المباشرة‏.‏
وقد أرسلت لي زميلتي الدكتورة زينب رضوان‏,‏ وكيل مجلس الشعب‏,‏ خطابا مطولا يبرر إبقاء نص هذه المادة في تعديلات دستور مارس‏2007‏ التي شاركت فيها‏.‏ وكان تبريرها يقوم علي نقطتين‏,‏ الأولي‏:‏ أن هذه المادة محددة بالمادة الأولي السابقة عليها والتي تقول إن جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطي يقوم علي أساس المواطنة‏.‏ وهذا يعني أن المادة الأولي من الدستور تحدد مفهوم المادة الثانية في إطارها‏,‏ وذلك بما يجعل النص علي أن مباديء الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع مفهوما في إطار مبدأ المواطنة الذي هو مبدأ لا يمايز بين مسلم وغير مسلم أمام القانون‏.‏ أما النقطة الثانية فتتصل بضرورة التفرقة بين مباديء الشريعة الإسلامية والفقه‏.‏ فالمباديء هي كما نص حكم المحكمة الدستورية العليا قطعية الدلالة قطعية الثبوت‏.‏ أما الفقه فهو نتاج فكري وأحكام استنباطية ليست قطعية الدلالة ولا الثبوت‏,‏ وإنما هي مباديء واجتهادات بشرية تمثل روح التطور التشريعي في الإسلام‏,‏ وتغيره حسب تحولات المجتمعات بما لا يعطي للفقه‏,‏ قط‏,‏ صفة القداسة أو حتي صفة القطعية في الدلالة والثبوت‏.‏ وتوضح الدكتورة زينب أن الفقه يستمد مصداقيته من اعتماد أحكامه علي نصوص واضحة‏,‏ أمافيما عدا ذلك فكل شيء مفتوح في باب الاجتهاد المحكوم بالمباديء الكلية للشريعة‏.‏ ولذلك أجاب الإمام أبو حنيفة عن سؤال تلميذه‏:‏ هل هذا الذي تفتي به هو الحق الذي لا شك فيه؟ بقوله‏:‏ والله لا أدري؟‏!‏ فقد يكون الباطل الذي لا شك فيه‏.‏ وهذا هو بعض ما يقصد إليه الحديث الشريف‏:‏ يبعث الله علي رأس كل مائة عام من يجدد لكم أمور دينكم‏.‏ وهو حديث لا تفارق دلالته الأساسية معني حتمية الاجتهاد‏,‏ وضرورة التجديد فيه مع تغير المجتمع والحياة‏.‏ وهذا ما فعله أئمة محدثون ابتداء من الإمام محمد عبده‏,‏ وليس انتهاء بشيخ الأزهر الحالي‏,‏ المهم أن أحكام الفقه فيما عدا العبادات هي اجتهادات بشرية‏,‏ يمكن الاختلاف فيها بين علماء المسلمين لصالح المسلمين‏,‏ ما ظل اختلافهم رحمة‏.‏
وتؤكد الدكتورة زينب رضوان‏,‏ فضلا عن ذلك‏,‏ أن مباديء الشريعة خمسة من هذا المنطلق هي‏:1‏ المساواة‏2‏ الحرية‏3‏ العدالة‏4‏ التكافل الاجتماعي‏5‏ احترام كرامة الإنسان‏.‏ وهي مباديء تؤكد وحدة الجنس البشري من حيث المنشأ والمساواة في القيمة الإنسانية‏,‏ والتسوية المطلقة بين البشر جميعا‏,‏ واحترام كرامتهم‏,‏ والتكريم للإنسان مطلقا‏,‏ بغض النظر عن لونه أو دينه أو حسبه أو نسبه أو ثروته‏,‏ فاحترام الإنسان وتكريمه مطلقا هو أصل من أصول مباديء الشريعة بحكم قوله تعالي في سورة الإسراء‏(‏ آية‏:70):‏ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلا‏.‏ ومبدأ الحرية يبدأ من حرية الإنسان في اختيار عقيدته‏,‏ وينتهي بحريته في اختيار أفعاله بكل ما يترتب عليها‏,‏ ومن بينها اختيار الحاكم والنظام السياسي الذي يحقق العدل والتقدم للمواطنين جميعا دون أي نوع من أنواع التمييز‏.‏ ويقترن بذلك‏:‏ العدل بكل معانيه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والمعرفية‏.‏ وهو مبدأ يتجانس والتكافل الاجتماعي‏,‏ خصوصا بأشكاله المادية والمعنوية‏,‏ وهي أشكال لا تتعارض مع حرية الفرد الاقتصادية‏,‏ ولكنها توازن بينها وحق الجماعة في مال مترفيها الذين ينبغي أن يرعوا فقراءها‏.‏
المزيد من مقالات جابر عصفور


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.