سرت في الأيام القليلة الماضية إشاعات حول قدرة الجهاز المصرفي علي رد الودائع, وبخاصة الودائع بالعملات الأجنبية وعلي رأسها الدولار, وذلك في ظل أزمة اقتصادية متصاعدة بسبب سوء الأداء الاقتصادي في ظل حكومات المجلس العسكري ود. مرسي. تتركز تلك السياسات في استمرار ضعف أو غياب الدور الاقتصادي المباشر للدولة في التنمية الاقتصادية, وفي مكافحة البطالة والفقر, وتدني كفاءة دورها في تقديم الخدمات العامة وبخاصة الخدمات الصحية والتعليمية المجانية, واستمرار انحيازها للأثرياء عبر نظام ضريبي غير عادل, وعبر توجيه الغالبية الساحقة من الدعم والتحويلات إلي الأثرياء والرأسمالية الكبيرة المحلية والأجنبية. وقد أدي ذلك في النهاية إلي ضعف النمو الاقتصادي الذي تراجع وفقا للبيانات الرسمية من5.1% عام2010 إلي1.5% عام2011, وكانت التقديرات تشير إلي أنه سيبلغ نحو2% عام2012, قبل أن تتراجع التقديرات عن ذلك بعد التوترات السياسية التي نجمت عن الإعلان' الدستوري' للرئيس الذي منع مراجعة قراراته وسحق السلطة القضائية بمنعها من الحكم في الدعاوي المرفوعة لحل مجلس الشوري واللجنة التأسيسية التي أنتجت دستورا أثار انقسامات حادة بين القوي السياسية وداخل الأمة نفسها. كما تزايدت الديون الداخلية من962 مليار جنيه في آخر عهد مبارك, لتبلغ نحو1238 مليار جنيه في نهاية يونيو الماضي, قبل استلام د. مرسي لمنصب الرئاسة, وأضاف هو أكثر من100 مليار جنيه من الديون خلال ستة أشهر فقط. كما أن الديون الخارجية التي بلغت35 مليار دولار في أول يناير2011, قد تراجعت إلي34.4 مليار دولار في نهاية يونيو2012, لكنها ارتفعت بقوة بعد ذلك نتيجة جولة الاقتراض التي قام بها د. مرسي في قطر والصين وتركيا وأوروبا, لتتجاوز حاجز ال40 مليار دولار علي الأرجح. أما معدل البطالة فقد ارتفع وفقا للبيانات الرسمية من9% عام2010, إلي12.5% في نهاية سبتمبر الماضي. ويرزح قرابة نصف السكان تحت خط الفقر في بلد متخم بالموارد من الثروات المعدنية وعلي رأسها الذهب المنهوب, والثروات المحجرية والغاز والنفط والمياه والأرض ومعها قوة عمل ضخمة متنوعة المهارات يتم إهدارها بالبطالة, وموقع استثنائي يؤهل مصر لأن تكون قبلة للاستثمارات المباشرة وموقعا مثاليا للتخزين وتجارة الترانزيت العالمية. أما الاحتياطيات الرسمية من العملات الأجنبية والمؤثرة بشدة علي التصنيف الإئتماني لمصر باعتبارها دليلا علي مدي قدرتها علي الوفاء بالتزاماتها الخارجية, فقد تراجع من قرابة36 مليار دولار قبل الثورة إلي أقل من15 مليار دولار في الوقت الراهن, وهو مرشح للتآكل في ظل وجود عجز في الميزان التجاري بلغ31.7 مليار دولار في العام المالي الأخير, ووجود عجز في ميزان المعاملات الخارجية الجارية بلغ نحو7.9 مليار دولار في العام المالي الأخير. ولولا تحويلات العاملين في الخارج التي ارتفعت من من9.8 مليار دولار عام2010/2009, إلي أكثر من12 مليار دولار عام2011/2010, إلي18 مليار دولار عام2012/2011 لوقعت كارثة العجز عن سداد الالتزامات الخارجية وتمويل الواردات الضرورية والتي تعني بالنسبة للدول الأخري أن الدولة صارت مفلسة. ورغم كل ما سبق ذكره من ملامح الأزمة الاقتصادية الراهنة فإن الودائع بالعملة المحلية في البنوك المصرية تبقي آمنة, وهي مضمونة ببقاء الدولة التي تعد المقترض الرئيسي من الجهاز المصرفي المصري. أما الودائع بالعملات الأجنبية فقد تتعرض لتقييد السحب منها بوضع حد أقصي للسحب في كل مرة, وأقصي ما يمكن أن تتعرض له هو هذا التقييد أوحتي تجميد السحب لفترة. ووسط هذه الأنواء الاقتصادية وبدلا من البدء في تنفيذ برنامج إنقاذ اقتصادي, قامت حكومة د. مرسي بفرض ضرائب وزيادة أسعار العديد من السلع, وهي ضرائب سيتحمل عبئها الفقراء والطبقة الوسطي بصورة أساسية, ثم تم تجميد تلك الإجراءات لاعتبارات تتعلق بالاستفتاء علي مشروع الدستور, لكنها آتية قريبا. وفي نفس الوقت, طرحت الحكومة مسألة الصكوك الإسلامية بدعوي أنها ستشكل المخرج من الأزمة الراهنة. والأصل في' الصكوك الإسلامية' أنها عبارة عن مشاركة حملة الصكوك في مشروعات صناعية أو زراعية أو خدمية, ولهم حق التصرف فيها بالبيع, وهي خاضعة للربح والخسارة بمعني أن حامل الصك يحصل علي ربح عندما يربح المشروع الذي شارك فيه, ويتحمل الخسارة بما في ذلك خسارة رأسماله نفسه, إذا خسر المشروع الذي شارك فيه, وهي لا تختلف في شئ عن صناديق الاستثمار عالية المخاطر التي ابتكرتها البنوك الغربية منذ ما يقرب من قرنين من الزمن, أو ملكية أسهم الشركات في أي بورصة, أو أنماط المشاركة الموجودة في الحضارات التجارية القديمة من آلاف السنين! وتم نشر مسودة مشروع الصكوك بما عالج التصريحات العامة المبهمة لوزير المالية بهذا الشأن والتي بدت كآلية لجمع الأموال لصالح الحكومة. ويتضمن مشروع القانون استخدام هذه الصكوك في تمويل المشروعات المختلفة التي تقيمها الشركات المحلية والأجنبية في مصر,ولا توجد بمشروع القانون ضوابط وقيود واشتراطات علي الشركات التي ستصدر الصكوك لضمان جدارتها وأمان أموال حائزي الصكوك, بما يفتح الباب للمغامرين لجمع الأموال وإساءة توظيفها. وأرباح هذه الصكوك وتصرفاتها العقارية وتسجيل موجوداتها وأصولها ومنافعها معفاة من الضرائب تماما استمرارا لسياسة الانحياز للرأسمالية المحلية والأجنبية وإعفاء المكاسب الرأسمالية من الضرائب, رغم أن كل دول العالم باستثناء دول الخليج تفرض ضرائب علي المكاسب الرأسمالية. وإذا تأملنا هذه الصكوك لن نجد فيها أي فارق حقيقي عن الاكتتاب العادي في الشركات الجديدة أو التي يتم توسيعها من خلال التمويل عبر البورصة. وفي ظل ضعف الضوابط وعدم احترام قاعدة العلم المتزامن بظروف السوق في البورصة المصرية, فإن ضمانات أموال ومصالح حملة هذه الصكوك سوف تكون عرضة لكل أشكال التلاعب كما حدث من قبل في الاكتتابات العادية, وأيضا في التجربة المرة لشركات توظيف الأموال. المزيد من مقالات أحمد السيد النجار