في احتفالية مهيبة بجامعة القاهرة.. تخريج الدفعة ال192 بطب قصر العيني    رئيس هيئة تنشيط السياحة: إيطاليا أحد أهم الأسواق المصدرة للسياحة لمصر.. وتوقعات بمضاعفة الأعداد في 2026    إسبانيا: انخفاض معدل التضخم إلى 2.3% في يناير    أكبر حاملة طائرات في العالم تتلقى أوامر بالإبحار إلى الشرق الأوسط    وزير الخارجية يلتقي وزيرة خارجية جمهورية إفريقيا الوسطى    قوات الاحتلال تطلق القنابل على المصلين فى رام الله وتحاصر مساجد نابلس    قادة باكستان يهنئون حزب بنجلاديش الوطني بفوزه في الانتخابات العامة    إيجور تياجو: لاعب الشهر؟ سألت في برينتفورد وأخبروني أنني أول لاعب يفوز بالجائزة    «رجال يد الأهلي» يواجه طلائع الجيش في الدوري    وزارة «النقل» تعلن مواعيد تشغيل المترو والقطار الكهربائي «LRT» خلال شهر رمضان    مصرع 4 وإصابة 4 آخرين في حادث تصادم بأسوان    الداخلية تقرر منح نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل زيارتين استثنائيتين خلال شهر رمضان    التضامن: فريق التدخل السريع تعامل مع 162 بلاغًا لإنقاذ حالات بلا مأوى    محافظ المنوفية ووزير الأوقاف يفتتحان "مسجد قباء بأم خنان" بقويسنا ويؤديان شعائر صلاة الجمعة    لصيام بدون خمول وصداع، السر في الأيام التي قبل رمضان    المحكمة العليا في لندن تلغي حظر حركة "فلسطين أكشن" المؤيدة للشعب الفلسطيني    عميد تجارة عين شمس: اقتصاديات الرياضة أصبحت مسارات واعدة تستحق الاهتمام الأكاديمي    مصرع شخص وإصابة 13 آخرين في حادث ميكروباص بالمنيا    قصور الثقافة: مبادرة "مقتطفات حرفية" تجوب المحافظات لتعليم الحرف اليدوية    خطيب المسجد النبوى: رمضان ضيف كريم سريع الارتحال    بعد إنقطاع سنوات..لماذا أعاد الاستعمار الامريكي تصدير نفط فنزويلا للكيان الصهيونى؟!    روشتة ذهبية.. 10 خطوات للاستعداد لصيامٍ صحي وآمن في رمضان    السيطرة على حريق شب فى منزل بالأقصر دون مصابين    مصرع شاب متأثر بحروق نارية أثناء عمله بمصنع فى المنوفية    شوبير: مصطفى تلقى 3 عروض.. وتفكيره في مستقبله أمر طبيعي    10 قرارات وتكليفات رئاسية حاسمة للحكومة    خبراء الضرائب: 4 تحديات تواجه تحويل مصر لمركز إقليمي لصناعة السيارات    مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 13 فبراير 2026 فى المنيا    ينطلق في هذا الموعد.. أماكن تحرك أول وآخر أتوبيس ترددي خلال رمضان    مصر تحصد لقب البطولة الأفريقية للشباب والناشئين للووشو كونغ فو    كيف تؤثر أنيميا فقر الدم على الجسم في الصيام؟    لاعب الزمالك السابق: الأهلي تأثر برحيل وسام أبو علي    واقعة تهز قرية العدوة.. شاب ينهي حياة عمته ويضرم النار في منزلها بالفيوم    استعدادات مكثفة في مساجد المنيا لصلاه الجمعه الأخيرة من شهر شعبان    بعد إخلاء سبيل المتهم.. هل أغلقت قضية واقعة «فتاة الأتوبيس»؟    لأول مرة، التضامن تعيد 17 طفلًا لأسرهم استنادًا ل "الاختبار القضائي"    إطلاق نار إسرائيلي يستهدف أطراف بلدتي عيترون وبليدا في جنوب لبنان    الصحة تغلق 14 مركزا غير مرخص لعلاج الإدمان بمدينة بدر لمخالفات اشتراطات التراخيص    تحديد مايو 2028 موعدا نهائيا لطرح الجزء الرابع من «The Mummy»    انطلاق بطولة الأسر الطلابية الثالثة للشطرنج بجامعة العاصمة    "تموين الإسكندرية" يحتفل بفوز "خدمات شرق" بالمركز الأول لجائزة التميز الحكومي    وفاة زوجة الفنان محمد الدسوقي    "فيها حاجة حلوة".. قس قبطي يشارك في وضع حجر الأساس لمسجد بقنا    عودة إمام عاشور تشعل استعدادات الأهلي لموقعة الجيش الملكي بدوري الأبطال    أخبار فاتتك وأنت نايم| الأهلي يستعيد «عاشور».. وجيش الاحتلال يستهدف عنصر من حزب الله    صلاة الجمعة: حكمها وآدابها وسننها وفضلها    نقيب الأطباء: التبرع بالجلد لا يشوه الجثمان.. نأخذ رقعة سطحية بميليمترات والمتوفى يُدفن بجلده كاملا    انهيار وطلب الطلاق.. لقاء الخميسي تكشف مفاجأة: شخصية شهيرة تعمدت إبلاغي بزواج عبد المنصف    التصريح بدفن مُسن ضحية حريق كفر شكر.. وتحريات لكشف الملابسات    ماذا يريد الناس من الحكومة؟    مشاجرة على الهواء بين ضيوف "خط أحمر" بسبب الخيانة الزوجية.. فيديو    وزير الاتصالات الأسبق: دقيقة المحمول في مصر من الأرخص عالميا.. وباقات الإنترنت تتبخر في الأفلام    نائب المدير الرياضي ل نورشيلاند: انتقال إبراهيم عادل للأهلي؟ لن ننخرط في هذه الممارسات    الصدارة تشتعل، ترتيب الدوري الإنجليزي بعد تعادل آرسنال مع برينتفورد    شقيق هاني رمزي يوثق سيرة والدته في كتيب تخليدًا لذكراها    تضافر "قوى الشر "..5 دقائق لتمرير حكومة المفسدين: برلمان يبصم ووجوه مشبوهة في مواقع القرار    سفير أحمد أبو زيد: مصر واحة استقرار لأوروبا وشراكتنا انتقلت إلى شراكة استراتيجية    باتفاق جمهور المحققين| العلماء: المسيئون لوالدى النبى سفهاء وعقابهم الحجر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدولة المدنية في زمن السادات
نشر في الأهرام اليومي يوم 01 - 10 - 2012

كان من الطبيعي أن يرتبك مفهوم الدولة المدنية في موازاة مبدأ المواطنة في الوقت ذاته‏,‏ وذلك في سياق التحولات التي صاحبت زمن الساداتهكذا بدأ التعتيم علي شعار الدين لله والوطن للجميع في موازاة تحويل معني المواطنة واستبدال مسميات عقائدية به, وظهر أثر ذلك في صياغة الدستور المصري منذ السبعينيات الساداتية التي شهدت تحالف السادات مع تيارات الإسلام السياسي والإفراج عن معتقليها, كي ينصروه علي أعدائه من الناصريين واليساريين الذين تخلص منهم, فيما أسماه ثورة 15 مايو 1971‏.‏ وتوثقت العلاقة بين مصر الساداتية وخصوم التجربة الناصرية في الخليج وشبه الجزيرة. وشيئا فشيئا, استبدل السادات بالتحالف مع الاتحاد السوفييتي الصداقة مع الولايات المتحدة التي تمتلك أهم أوراق اللعبة في قضية الشرق الأوسط. واستقر له الأمر بوصفه الزعيم المؤمن ورب العائلة المصرية في دولة العلم والإيمان. وقام رجاله بتزويد شباب التيارات الإسلامية بمساعدات مادية ومعنوية للقضاء علي بقايا المتمسكين بالناصرية من الطلاب, فضلا عن أقرانهم من اليساريين والقوميين. وشهدت هذه الفترة أنشطة العنف ضد الطلاب الرافضين للإسلام السياسي.
وكانت أواخر السبعينيات نهاية التحالف بين السادات (الرئيس المؤمن) وتيارات الإسلام السياسي التي أخذ يقاومها بشعارات من قبيل لا دين في السياسة, ولا سياسة في الدين. ولكن رفع الشعار جاء متأخرا جدا, خصوصا بعد أن ساعد السادات تيارات الإسلام السياسي علي تحقيق التمكين الفعلي لوجودهم. وكانت إزاحته الدامية في السادس من أكتوبر 1981 هي الحل الأمثل لإسكاته بجريمة اغتياله النكراء التي ستظل جريمة مهما تغيرت أنظمة الحكم وأزمنة الهيمنة.
وكان السادات قد أعطي الضوء الأخضر, في سنوات التحالف مع تيارات الإسلام السياسي, لما أطلقوا عليه أسلمة قوانين الدولة. وجاء دستور 1971 إنهاء للحقبة الناصرية ونظامها, القائم علي الحزب الواحد. وارتفعت المادة الخاصة بالدين الإسلامي من الأحكام العامة التي تختتم بها أبواب الدستور إلي صدارته لتصبح المادة الثانية التي يكون لها موضع المبدأ الحاكم كله. هكذا أصبحت المادة الثانية: الإسلام دين الدولة, واللغة العربية لغتها الرسمية, ومبادئ الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع.
وكان من الواضح أن المادتين الثانية والرابعة بمثابة إعلان قطيعة دستورية مع النظام الناصري, فالانتقال من واحدية الحزب إلي تعددية الأحزاب انتقال حاسم نحو الديمقراطية التي سرعان ما أصبح لها أنياب في زمن السادات, ولا يقل عنها حسما اختيار الاشتراكية الديمقراطية, وكان نموذجها الباهر في ذلك الوقت السويد.
أما المادة الثانية فقد كانت الزيادة التي أضيفت لها إرضاء للحليف الآخذ في الصعود من تيارات الإسلام السياسي. ومن الواضح أن هذا الحليف لم يرض تماما عن عبارة مصدر للتشريع. ولم يهدأ إلا بعد أن تعدلت الصيغة في تعديل 1980 لتصبح المصدر الأساسي للتشريع ليكتمل معني الحصر للإسلام وحده, والإقصاء لغيره. ولم يكن من الغريب أن تأتي المادة التاسعة عشرة بنص يقول: التربية الدينية مادة أساسية في مناهج التعليم. والحق أنها مادة عجيبة لا تدل إلا علي رغبة في إعلان حضور سياسي لتيار صاعد, وإلا فما فائدتها, وهي تحصيل حاصل, فأنا التحقت بالمدارس قبل دستور 1971 بأكثر من عشرين عاما, وكنت أدرس مع زملائي مادة الدين الإسلامي. وكان زملاؤنا المسيحيون يذهبون إلي فصول مغايرة لدراسة الدين المسيحي. وكان ذلك في مدرسة الأقباط بمدينة المحلة الكبري. وكانت الإجازة يوم الأحد حقا. لكن الدراسة كانت تتوقف بعد الحصة الثالثة ليذهب الطلاب المسلمون إلي الصلاة في المسجد المواجه للمدرسة مباشرة (كما سبق أن كتبت عن ذلك في هذه الصحيفة) ولا معني لوجود هذه المادة بعد المادة الثانية التي أهم ما فيها النص علي أن الإسلام دين الدولة. وهو نص كلي الدلالة يفضي ضمنا إلي ما يترتب عليه لكل من له عقل, وحتي جعله مصدرا للتشريع إضافة لا بأس بها. وهي صيغة تفتح الباب لميراث القيم الإنسانية السابقة علي الإسلام في مجالات الحق والخير والجمال. وهو الميراث الذي تمثلته الأديان السماوية السابقة علي الإسلام في الميراث الإنساني الأعم الذي لا يمنعنا إسلامنا من الانتساب إليه.
وجاء زمن مبارك الذي لم تنقطع فيه أشكال التعاون غير المعلن مع جماعة الإخوان المسلمين. وكان من نتيجة ذلك دخول ما يقرب من مائة عضو إخواني في مجلس الشعب مع انتخابات .2005 وهي السنة التي تم فيها تعديل الدستور مرة أخري لصالح مطالب مشروع التوريث بتعديل المادة 76 التي لا تزال وصمة عار في جبين من أسهموا فيها. وربما كان أهم ما ورد في تعديلات 2007 ما أضيف من احتراز دستوري لنفي الصفة الدينية عن الدولة, وهو احتراز كان تعبيرا عن مخاوف النظام من تصاعد نفوذ جماعات الإسلام السياسي.
والحق أن حكم المحكمة الدستورية, في زمن مبارك, كان انتصارا غير مباشر للدولة المدنية, ضد محاولات أنصار الدولة الدينية التي لم تنقطع لتديين الدولة المصرية ونفي الصفة المدنية عنها. وما لا أزال أراه أن التلاعب بالنص الأول في دستور 1971 (الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع) والاستغلال السياسي لها, والتزيد عليه بالإضافة الموجهة لدلالته, كان الخطوة الأولي في اتجاه تديين الدولة وتقريب الوصول إلي الدولة الدينية أو دولة الخلافة. ولا غرابة أن السياق الزمني لذلك هو السياق الذي شهد الاحتقان الديني بين المسلمين والمسيحيين للمرة الأولي في تاريخ مصر الحديثة, وهو الذي أدي إلي التعتيم علي شعار الدين لله والوطن للجميع. وهو الذي أدت تفاعلاته بعد سقوط دولة مبارك الفاسدة إلي انفلات معايير التطرف الديني.
المزيد من مقالات جابر عصفور


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.