وزير التعليم العالي يتابع تطورات الموقف التنفيذي لإنشاء الجامعات الجديدة    قبطي يقيم مائدة رحمن لأهالي شبرا طوال شهر رمضان    واردات الصين من النفط الخام السعودى ارتفعت بنسبة 43% فى أبريل على أساس سنوى    خبير: كلمة الرئيس في يوم إفريقيا وضحت عمق علاقة مصر بالقارة    محافظ قنا يوجه بالانتهاء من توسعات محطة مياه دشنا نهاية يونيو المقبل    نقيب الزراعيين: رفع الحظر عن استيراد البصل المصري يدل على متانة العلاقات بين مصر والسعودية    السعودية تطلق نظام توثيق عقود العمل إلكترونيا    الجامعة العربية: التعاون العربي الأفريقي تطور إلى شراكة تحقق المصالح المشتركة    مدبولى يشارك في مراسم تنصيب رئيس جنوب إفريقيا نيابة عن السيسي    فتح ترحب برفض التشيك نقل سفارتها لدى إسرائيل إلى القدس    النمسا تعرب عن قلقها من تصاعد أعمال العنف فى أوروبا    التايمز تكشف: أصدقاء تيريزا ماى جاءوا لدعمها أثناء خطاب "الاستقالة"    حزب الائتلاف الجمهوري: نتوقع إعلان الجيش الليبي السيطرة الكاملة على طرابلس خلال ساعات    مانشستر سيتي يبدأ في التحرك لتجديد عقد سانيه    استكمال العمل بمنفذ تذكرتى بمركز شباب الجزيرة بعد الإفطار وتوقعات بزيادة الأعداد    بعد أدائه التحكيمي.. الوداد المغربي يجهز أدلة تحيز جريشة ل الترجي لتقديمها إلى ال كاف    حبس مسجل خطر 4 أيام على ذمة التحقيق لاتهامه بالإتجار بالمخدرات فى المرج    بدء انطلاق امتحانات نهاية العام للثانوية الأزهرية بالأقصر    الجنايات تتسلم قضية عاطل متهم بقتل آخر بشبرا الخيمة    تأجيل هزليتي “جبهة النصرة” و”خلية الوراق”    حبس عامل يحمل جنسية دولة إفريقية في اتهامه بقتل زميله بمصنع كراسي بمدينة بدر    إطلاق أول ملتقى لتمكين المخرجات المصريات بتعاون "القومي للمرأة" و"الثقافة"    اليوم.. أوركسترا القاهرة السيمفونى يحيى حفلا بدار الأوبرا المصرية    صلاة التهجد .. أفضل وقت لتأديتها وعدد ركعاتها    قافلة طبية توقع الكشف على 1451 مواطنا في قرية راغب بالشرقية    فان دايك: لا نفكر كيف سنتخطى إخفاق الموسم لو خسرنا دوري الأبطال    زلزال بقوة 5.1 ريختر يضرب جزر الكوريل    رئيس جامعة الأزهر يتفقد لجان الامتحانات الإلكترونية للمكفوفين    عبر Watch it.. حماية التراث القومي بعد عقود من «القرصنة» وانتهاء عصر «استباحة» ماسبيرو    موعد مشاهدة مسلسل كلبش 3 الحلقة 20 على ON E    محافظ دمياط تتابع أعمال توريد محصول القمح لموسم 2019    محافظ بورسعيد: 5 ملايين جنيه لحل مشاكل مياه الشرب    مقتل 3 أشخاص وإصابة 8 آخرين في مشاجرة بين عائلتين بأسوان    بالصور..الحماية المدنية بالجيزة تسيطر علي حريق بشارع سهل حمزة    سقوط 4 عناصر إجرامية جديدة في حملات تطهير «السحر والجمال»    تحطم مروحية عسكرية أمريكية    الإفتاء تنشر 26 وصية لإحياء ليلة القدر    "المهن التعليمية" تنظم حفل تكريم صاحب أشهر صورة في حرب أكتوبر    توريد 3 مليون و355 الف فيال أنسولين لوزارة الصحة بزيادة 17 ٪؜ عن العام الماضى    وزيرة الثقافة تعلن تفاصيل جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب    تعرف على أدعية ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان    تكريم أبناء جامعة الإسكندرية الفائزين بجوائز أكاديمية البحث العلمي    التجارة بين الصين والدول العربية تسجل نموا بنسبة 28 % عام 2018    "عنيك في عنينا " تكافح العمى في 3 محافظات    نهائي كأس ألمانيا يتصدر اهتمامات الصحف    أول خطوة تشريعية تنفيذًا للتعديلات الدستورية    تعليق بيراميدز على بيان الأهلي: «اللعبة الحلوة حلوة»    الأهلي يعلن تعافي على لطفي من الإصابة في الركبة    هذا هو أفضل وقت لأداء صلاة التهجد    الحرية المصري بالدقهلية في زيارة الي مستشفي الأورام    محمد هنيدي يسخر من حجاب أحمد فهمى : المهم يكون عن اقتناع    ضبط المتهمين بسرقة مليون و400 ألف جنيه من داخل سيارة بالمقطم    تدريب الأطباء والتمريض علي إجراءات مكافحة العدوي بأسيوط    أستاذ بقصر العيني: كبار السن لا يجوعون ولا يعطشون    مخرج شهير: "استخبيت من جماهير الزمالك فى الحمام"    أيام رمضان في التاريخ (20).. فتح مكة    موعد أذان المغرب اليوم ال20 من شهر رمضان 2019    انتقل للأمجاد السماوية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تجديد الفكر الاقتصادى

إن الفكر الاقتصادى الذى تحطمت أساسياته حاليا، يترك رجل الاقتصاد فى مواجهة قضايا العصر، وقد جرد من سلاحه وتفتتت معارفه وغدت نظرته جزئية امام تلك الهوة السحيقة التى تفصل بين بناء نظرى يسعى الى تحقيق تناسقه، وبين عالم يبحث عن حلول وإجابات لمشكلات متفاقمة.. بهذه العبارة البليغة لخص لنا المفكر الاقتصادى الفرنسى ميشيل بو الوضع الحالى لعلم الاقتصاد بعد أن قام بجولة شاملة فى تاريخ «الفكر الاقتصادى» منذ كينز وحتى الآن، وهى تعكس أهمية الكتاب الذى بين أيدينا والمعنون «تجديد الفكر الاقتصادى للأستاذ الدكتور إبراهيم العيسوى والذى أصدره معهد التخطيط القومى بالتعاون مع الهيئة المصرية للكتاب، حيث تناول فيه الكاتب بالنقد والتحليل الفكر الاقتصادى السائد وتقييم لبعض مقاربات تطويره، وهى تكاد تكون المحاولة المصرية، بل والعربية، الاولى التى تتناول هذا الموضوع بهذا الشمول وبهذه الرؤية، فعلى الرغم من بعض الكتابات التى قام بها كل من د.محمود عبد الفضيل فى كتابه المعنون «فى نقد التحليل الاقتصادى المعاصر»، وكذلك كتابا د.جلال أمين «كشف الأقنعة عن نظريات التنمية الاقتصادية»، والثانى «فلسفة علم الاقتصاد..
بحث فى تحيزات الاقتصاديين وفى الأسس غير العلمية لعلم الاقتصاد» الا انهما لم يتناولا الموضوع بالشمول اللازم واكتفيا بعرض بعض الانتقادات للنظرية الاقتصادية، من هنا تأتى أهمية هذا العمل وذلك بعد ان اثبتت جميع الدراسات العلمية ان استراتيجيات التنمية التى طبقت على مدى الحقب الماضية ادت الى نتائج سيئة وازدياد معدلات الفقر والبطالة، وادت الى فقدان معنى العيش معا، ومعنى المنفعة العامة، وانعدام الأمان الوظيفى والاجتماعى وأضرت بأهداف النمو والعدالة الاجتماعية، أى انها فشلت تماما فى تحقيق الأهداف المنوطة منها.
وهكذا تزداد الفجوة وتتعمق بين ما يجب فهمه والأدوات النظرية الضرورية لذلك الفهم، فقد سادت خلال الحقب الماضية وتعاقبت مذاهب تحكمية ومتناقضة ولكنها هٌجرت واحدة تلو الأخرى تحت وطأة الواقع المعاش. وتدلنا القراءة التاريخية للتجارب التنموية المختلفة على أنها لم تسر على وتيرة واحدة، فعلى الرغم من أنها بدأت فى القرن التاسع عشر مع سياسة الحرية الاقتصادية والمتوافقة مع أفكار آدم سميث فانها غيرت هذا المسار عدة مرات، فلجأت مع فترة الكساد الكبير فى ثلاثينيات القرن العشرين الى التخلى عن هذا المبدأ لمصلحة تدخل الدولة فى النشاط الاقتصادى فى إطار النظرية الكينزية.
وهو النظام الذى ظل قائما بشكل أو بآخر حتى منتصف السبعينيات حين انتهى مع تصاعد موجات البطالة والتضخم. وظهرت الثورة المضادة التى تمثلت فى أفكار مليتون فريدمان الذى طالب بالعودة مرة أخرى للانفتاح الخارجى والحد من تدخل الدولة والاعتماد على الرأسمالية باعتبارها الوحيدة القادرة على إحداث النمو شريطة إزالة جميع العوائق التى تحول دون حرية تدفق السلع والخدمات.إلخ، وهكذا انتهى القرن العشرون بتخلى الاقتصاد الكينزى عن عرشه لمصلحة ما اصطلح على تسميته، توافق واشنطن، والذى اعتمد أساسا على وصايا الصندوق والبنك الدوليين والتى تنطوى على السير فى الاتجاه الرأسمالى المطلق.
وهو المسار الذى انتج العديد من الآثار السلبية وقد تكفل بإيضاحها العديد من الاقتصاديين المرموقين وعلى رأسهم ستجليتز وبول كروجمان وغيرهما، وكلهم اصطدموا بالنتائج السلبية التى برزت من خلال السير فى هذا المجال. وهو ما أدي، كما أشار الكاتب الى السخط المتزايد لدى طلاب الاقتصاد إزاء المناهج الجامعية التى تدرس مقارنة بما يجرى فى الواقع، وهى الحركة التى بدأت فى فرنسا عام 2000، وامتدت لتشمل معظم الأقطار الغربية، وأطلق عليهم اقتصاد الخوارج، وضغطوا من اجل تطوير علم الاقتصاد وتحديث برامج تدريسه، وطالبوا بضرورة مد الجسور بين أفرع الاقتصاد وبينها وبين العلوم الأخرى كعلم النفس والسياسة والتاريخ والفلسفة وما الى ذلك، وإبراز الدور الذى تلعبه الأخلاق والنزاهة، فى مقابل التركيز السائد على تعظيم الربح، وفقا للبيان الصادر عام 2014 وأكدوا فيه ان ما يتلقاه الطلاب اليوم من علم لايستحق مكانته المهيبة فى الفكر الاجتماعي، وقد طرح الكاتب تساؤلا مهما وهو لماذا لم يسهم الاقتصاديون العرب فى هذه المسألة؟ ويرى ان ذلك يعود الى أولا تخلف النظم التعليمية وضعف مؤسسات البحث العلمى وركود المناخ العلمى والثقافي، وثانيا ان أغلب الاقتصاديين العرب تربوا على الفكر التقليدى وأصبحوا أسرى الأطر الفكرية التى صاغها الغربيون وثالثا يكمن فى التركيز على القضايا التطبيقية عموما والسياسات الاقتصادية على وجه الخصوص وأخيرا غياب الديمقراطية العربية،
وقد كشف الكاتب عن عيوب خطيرة فيما تقوم عليه هذه النظريات من مسلمات وافتراضات ومن ثم فيما تتوصل اليه من نتائج، وبالتالى فان الفهم السليم للسلوك الاقتصادى يتطلب هجر الكثير من الأفكار التقليدية، فالبون شاسع بين افتراضات السوق، الكفء والأداء الفعلى للاسواق، وهكذا فانه لاغنى عن دور نشيط للدولة لإصلاح الأسواق ومن ثم تحسين قدرتها على العمل ولمواجهة الآثار الاجتماعية لأداء السوق خاصة سوء توزيع الدخول ومكافحة الفقر، ويؤكد ان هذا المنهج التنموى لاينطوى على استبعاد القطاع الخاص او اليات السوق ولكنه يقضى بان تجرى ممارستهما فى اطار المخطط التنموى العام الذى تضعه الدولة فى سياق ديمقراطى يكفل مشاركة شعبية حقيقية، وهكذا يرتكز هذا المنهج التنموى على مبدأ الاعتماد على الذات والديمقراطية التشاركية وعدالة توزيع الدخل والثروة، ويوفر أساسا قويا لاستدامة التنمية،
ويؤكد أنه لاسند إطلاقا من المنطق او التاريخ لمقولة لابديل للنيوليبرالية، وان الكثير من الحجج التى تساق لتبرير ذلك مشكوك فى سلامتها، لذلك فإن مقاربة التنمية المستقلة هى الأنسب لظروف الدول النامية واحتياجاتها والأقدر على تحقيق تنمية إنسانية قابلة للاستدامة، وهكذا استطاع الكاتب ان يضع امامنا جدول أعمال للمستقبل حافلا بالعديد من القضايا الأساسية والمنهجية التى تحتاج الى المزيد من التأمل وإعمال الفكر بغية وضع التصورات الرئيسية حول الأطر المستقبلية عبر دراسة التاريخ والتحليل العميق لأخطاء الماضى والابتعادعن التأكيدات السريعة والمشحونة بالانفعالات. والبعد عن الأفكار البالية والرجوع عن الكتب العتيقة المتربة والبحث فى آليات جديدة. وهو ما يحتاج وبحق الى بناء العقل النقدى والخلاق باعتباره أحد الآليات الداعمة للنهضة المصرية المنشودة.
لمزيد من مقالات ◀ عبد الفتاح الجبالى


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.