وزير خارجية إيران من بيروت: علاقتنا مع لبنان مبنية على دعم استقلاله    ميلوني: على أوروبا التحدث مع روسيا وترامب لن يهاجم جرينلاند    حسن عصفور: واشنطن سعت لتنظيم موازٍ لمنظمة التحرير في التسعينات.. وحماس طالبت ب40% من مقاعدها    آرسنال يعلن توقيع ساكا على عقد طويل الأمد    دياز يعادل رقم جدو في كأس أفريقيا    انطلاق امتحانات الفصل الدراسى الأول فى المنيا.. والمدارس تستقبل أكثر من مليون طالب وطالبة    إصابة شخص في حادث انقلاب سيارة ملاكي بقنا    "الزراعة" تستعرض أنشطة معامل ومعاهد مركز البحوث خلال الأسبوع الأول من يناير    محمد عدوية يطرح أحدث أغانيه "وقت السلام".. فيديو    لماذا غادر النور وجه سيدنا عبد الله بن عبد المطلب بعد زواجه؟.. عالم بالأوقاف يكشف كواليس انتقال سر النبوة    أول امرأة تتقلد المنصب، المستشارة يمني بدير مساعدًا لرئيس هيئة قضايا الدولة    فى حضرة صاحب الهيبة    تقارير بريطانية تسلط الضوء علي خطر الإخوان المسلمين .. نائب الرئيس الأمريكي يحذر من تنامي النفوذ السياسي والأيديولوجي للجماعة في بريطانيا    يايا توريه يعلق على ارتداء سيمينيو قميصه مع مانشستر سيتي    وزارة «التخطيط» تبحث استراتيجية دمج ذوي الإعاقة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية    عبدالسلام العوامي: استقرار الصومال صمام أمان للأمن القومي المصري والعربي    البرلمان.. ومسئولية التشريع    حسن عصفور يروي كيف غيّر عدوان 1967 وسفرية خاطئة غيرت حياته    فيلم "إن غاب القط" يحافظ على صدارة الموسم السينمائي    سعر جرام الذهب مساء اليوم، عيار 21 يسجل هذا الرقم    الصحة: إجراء الفحص الطبي الشامل ل 4 ملايين طالب على مستوى الجمهورية    «الرعاية الصحية» تُطلق مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر _In Egypt We Care»    بعد تجاوز الأوقية 4500 دولار .. أسعار الذهب تواصل الصعود محلياً    «التخطيط» تبحث دمج الاستراتيجية الوطنية للأشخاص ذوي الإعاقة    كواليس مران الزمالك لمواجهة زد تحت قيادة معتمد جمال    التحفظ على كاميرات مراقبة لكشف تفاصيل تحرش عاطل بفتاة في الدقي    بجهود أبوريدة.. تسريع تأشيرة محمد حمدي للعلاج في ألمانيا بعد إصابته بالرباط الصليبي    تراجع العملات المشفرة مع ترقب بيانات سوق العمل الأمريكية    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    الصحة: تنفذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    الجيش السورى يطالب أهالى حى الشيخ مقصود بإخلاء 3 مواقع تابعة لقسد لقصفها    غزة: ارتفاع حصيلة الشهداء إلى 71،409 والإصابات إلى 171،304 منذ بدء العدوان الإسرائيلي    رضوى الشربيني ل إيمان الزيدي: كنا حابين نشوفك بصور الزفاف الأول قبل الطلاق    «طوبة».. حين يتكلم البرد بلسان الأمثال الشعبية    تنفيذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    وزارة التضامن تشارك في معرض الصناعة التقليدية بالمغرب ضمن فعاليات كأس الأمم    محافظ سوهاج يتابع مقترح التطوير التنفيذي لشارع المحطة وفق الهوية البصرية    شاهد.. لقطات من كواليس تصوير مسلسل «قسمة العدل» قبل عرضه على ON    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    محافظ أسوان يتابع تداعيات العاصفة الترابية ويقرر غلق الملاحة النهرية والتنبيه على قائدي المركبات    ضبط قضايا اتجار في النقد الأجنبي بقيمة 11 مليون جنيه    مصرع شاب في انقلاب دراجة نارية بطريق اللاهون بالفيوم    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    القبض على المتهمين في مشاجرة دامية بالسويس| فيديو    «رجال سلة الأهلي» يواجه الاتحاد فى دوري السوبر    ختام فعاليات أوبريت «الليلة الكبيرة» بقرى حياة كريمة في أسيوط    حالة وفاة و13 مصابا.. نائب محافظ المنيا يطمئن على مصابي حادث انقلاب ميكروباص بمستشفى الصدر    الحوافز المقدمة في إطار البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات    خطوة بخطوة، طريقة عمل شيش الكبدة بمذاق مميز وشهي    تفاصيل إطلاق تاجر خضار النار على موظف بمركز لعلاج إدمان في مدينة 6 أكتوبر    انقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص في بيلجورود بعد هجوم أوكراني    حافظوا على وحدتكم    هويدا حافظ يكتب: من الميلاد.. إلى المعراج    سنن وآداب يوم الجمعة يوم بركة وعبادة في حياة المسلم    الدنمارك ترحب بالحوار مع واشنطن بشأن جزر جرينلاند    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    مؤتمر ألونسو: موقف مبابي من الكلاسيكو.. وما حدث من سيميوني غير مقبول    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الفن يقود الثورة الشعبية..
سيد درويش فنان الشعب الذى ردد المصريون أغنياته بالريف والحضر
نشر في الأهرام اليومي يوم 15 - 03 - 2019

كان طبيعيا أن يكون أهل الفن فى مصر من أسبق المواطنين إلى مكافحة الاحتلال الأجنبى، وإلى الثورة ضد الطغيان، لأن الفن فى أى زمان ومكان من لوازمه الحرية الكاملة التى لا حياة له إلا بها. ولأن الفنان بطبيعة عمله أرهف حسا وأعمق شعورا بمعاناة الظلم وآلام القيود، فهو أسرع ضيقا وتبرما بكل ما يعوق انطلاقه، وبكل ما يمس مقدساته من المبادئ والمثل العليا، لهذا ما إن بدأت ثورة 1919 حتى انقلبت الروايات والأغانى من مرحلة التسلية إلى مرحلة المساهمة فى الحركة الوطنية، فلم تخل رواية أو أغنية من الإشادة بالوطن وبث الحماسة فى قلوب الشعب حتى لقد راحت الفرق تتبارى فى هذا النوع من الروايات، فانطلق المسرح الغنائى يلحق بركب الثورة.
منيرة المهدية.. المظلومة!
كانت سلطانة الطرب «منيرة المهدية» من أكثر السيدات حماسة لكفاح المرأة المصرية فى ثورة 1919، واستطاعت أن تؤدى دورا سياسيا مهما طوال فترة الثورة، تارة بأغانيها القومية، وتارة أخرى بعلاقاتها الشخصية مع كبار رجال السياسة فى مصر، وكانت السلطات الإنجليزية تعمل لشخصيتها ألف حساب، فعندما صدر قرار بإغلاق المقاهى منعا للتجمع تم استثناء مقهى» نزهة النفوس» لمنيرة المهدية وحده من هذا القرار، وبقى يداوم عمله، وكان الناس يجدون الراحة والأمل والسلوى فى مسرح «الست منيرة» الذى كان الوطنيون الأحرار من أبناء مصر يجتمعون فيه ليتنسموا هواء الحرية.غنت السلطانة فى سنوات الثورة العديد من الأهازيج الوطنية التى تحث على الانتفاضة وجمع الشمل والوقوف صفا واحدا. ومن بين هذه الأغانى أغنية خاصة بزعيم الثورة «سعد زغلول باشا» عندما أصدرت سلطات الاحتلال قرارا بمنع اسمه وأسماء رفاقه من الثوار من التداول فى الأعمال الفنية. وفى هذه الفترة لم يكن يهز المصريين شيء مثل الكلام عن زعيم ثورتهم. ويقول مطلع الأغنية:
شال الحمام حَط الحمام.. من مصر السعيدة للسودان
زغلول وقلبى مال إليه.. أنده له لما احتاج إليه
يفهم لغاه اللى يناغيه.. ويقول حميحم يا حمام
كان سعد زغلول مغضوبا عليه من قبل الإنجليز، لذلك أخذ مؤلف الكلمات التحايل على ذكر اسمه فى صياغة تحت ستار التغنى، وكان الشعراء والزجالون ينظمون أغانى مظهرها الغزل والغرام ولكنها فى حقيقة الأمر تحمل معانى وأفكارا ثورية، وكانت «الست منيرة»- التى للأسف تم تزييف تاريخها الفنى وقصره على أغنيات «الخلاعة»، تقف قبل بداية عرض مسرحياتها لتنشد أغانى وطنية من بينها الأغنية التى كانت تتغنى بها لتحث فيها المرأة للدفاع عن وطنها، والتى تقول فيها:
الواحدة منا بإديها.. تصون ناموسها وعفافها
تدوس غرامها برجليها.. عشان وطنها وشرفها
وعندما أصدر الإنجليز أحكاما عرفية على البلد، ألّف أمين صدقى، ولحن سيد درويش، وغنت منيرة:
يا مصريين يا وطنيين.. قوموا كده مالكم نايمين
أحكام عرفية.. ولا فيش حرية.. وادى قوانين استثنائية
ويومها هدد الإنجليز بنسف شارع عماد الدين إذا حاول أحد الفنانين العمل به.
وعندما حاول الإنجليز اتخاذ سياسة «فرق تسد» وراحوا يبذرون بذور الفتنة بين عنصرى الأمة للتفريق بين المسلمين والأقباط، كتب بديع خيرى ولحن سيد درويش أغنية جاءت على لسان «عربجى حنطور» يقول فى مطلعها:
أوعى يمينك أوعى شمالك.. أوعى الفتنة توقف حالك
أن كنت صحيح بِدّك تخدم.. مصر أم الدنيا وتتقدم
لا تقول نصرانى ولا مسلم.. ولا يهودى يا شيخ اتعلم
اللى أوطانهم تجمعهم.. عمر الأديان ما تفرقهم.
فرقة الريحانى أمام المسرح
كان أعضاء فرقة - أو جوقة - نجيب الريحانى ومعهم الريحانى نفسه يقفون بكامل هيئاتهم وموسيقاهم فى شارع عماد الدين أمام مسرح «الأجبسيانة» لتحية وفود المتظاهرين وبث الحماسة فيهم بالأغنيات الحماسية لسيد درويش أو كامل الخلعى أو زكريا أحمد، وكانت هذه الأغانى تثير الحمية فى النفوس إلى جانب ما كان يمتاز به المنظر العام للفنانين من طرافة وجمال، وفى ذلك الوقت أوشك الإنجليز على أن ينجحوا فى بث الفتنة، لكن الممثلين وقفوا لهم بالمرصاد، حيث كانوا ينزلون إلى الشوارع لإقناع الشعب بوحدته وأخوّته عن طريق الأغانى، ومن تلك الأغانى التى ذاعت أيضا فى ذلك العهد وكان الممثلون يلقونها على جماهير المتظاهرين:
ما قلتلكش ان الكترة.. لابد يوم تغلب الشجاعة
أديك رأيت كلام الأمرا.. طلع تمام ولا فيهش لكاعة
غيرش اللى كان هالك أبداننا.. ومطلع النجيل على عينا
إن محمد يكره حنا.. وإيش دخل دنيانا فى دينا.
الرقابة ترفض توفيق الحكيم
فى هذه الفترة تحمس الفنان المسرحى الكبير «زكى عكاشة» لأديب شاب كان يخطو أولى خطواته فى عالم الأدب اسمه «توفيق الحكيم»، وقرر تبنيه والوقوف بجواره وتقديم أول أعماله المسرحية على خشبة مسرحه. كانت المسرحية تندد بقسوة الاحتلال، وكان عنوانها «الضيف الثقيل»، وتدور حول محام هبط عليه ذات يوم ضيف ليقيم عنده يوما، فمكث شهرا، وما نفعت فى الخلاص منه حيلة ولا وسيلة، وكان المحامى يتخذ من سكنه مكتبا لعمله، فما إن يغفل لحظة أو يتغيب ساعة، حتى يتلقف الضيف الوافدين من الموكلين الجدد فيوهمهم بأنه صاحب الدار ويقبض منهم ما تيسر قبضه من مقدم الأتعاب!لكن الرقابة والسلطات المسئولة رفضت عرضها لأنها ترمز إلى معنى الاحتلال فى صورة عصرية انتقادية، إلا أن زكى عكاشة لم ييأس وحارب الاحتلال بطريقته الخاصة فكانت فرقته أيام الثورة تبدأ حفلاتها دائما بنشيد وطنى يلقيه جميع الممثلين على الجمهور قبل أن يبدءوا التمثيل، ومن أشهر تلك الأناشيد القصيدة الخالدة لأحمد شوقى بك عن «أبو الهول». وكانت جميع الفرق المسرحية تختتم رواياتها بنشيد وطنى، حتى لقد كان الجمهور يعرف أن الرواية انتهت حينما يرى الممثلين وقد اصطفوا على المسرح وبدأوا يلقون نشيدهم الختامى، والطريف أن مظاهرات الفنانين الغنائية فى الشوارع لم تكن مقصورة على المصريين منهم فقط، وإنما كان يشاركهم فيها الفنانون الأجانب الذين كانوا يعملون فى الفرق المصرية.
روزاليوسف شاهدة عيان
وعن هذه الفترة المهمة فى تاريخ الفن وتاريخ ثورة 1919 تصف الفنانة «روزا اليوسف» فى مذكراتها ما فعله الفنانون المصريون أثناء اندلاع ثورة 1919 فتقول: تتابعت الأحداث، وكان اعتقال السلطة الإنجليزية لسعد زغلول ونفيه إلى مالطة القارعة التى هزت كل إنسان، فأغلقت الحوانيت، وأضربت المواصلات من الترام إلى الحمير التى كانت وسيلة شائعة من وسائل الانتقال، وانطلقت المظاهرات من كل مدرسة، وكل وزارة، وكل شارع، تهتف كلها بالاستقلال التام وبحياة «سعد». وبدت البيوت وكأن أهلها هجروها إلى المعمعة، كلها مغلقة صامتة تحمل على أبوابها وجدرانها نقوشا تمثل العلم المصرى وشعارات تصرخ بحياة الاستقلال وسقوط الإنجليز، وزحف الجنود الإنجليز بأسلحتهم وخوذاتهم إلى كل حارة من حوارى القاهرة، وأصبح الصوت الرتيب فى شوارع القاهرة هو صوت طلقات النيران، ومضت المسارح تمارس عملها فى هذه العاصفة، ووقف الممثلون على المسرح يؤدون أدوارهم وأصوات الرصاص والقنابل فى الخارج تغطى عليهم، والصالة ليس بها إلا متفرج أو اثنان، وقد ينفتح الباب فجأة ويندفع إلى الداخل شبان من الثوار يسرعون إلى الاختفاء من مطاردة الإنجليز فى حجرات الممثلات وخلف ستائر المسرح، ويحتفظ الممثلون بهدوء أعصابهم لمقابلة الجنود الإنجليز وإقناعهم بأن أحدا لم يدخل. وتضيف روزاليوسف:.. وذات يوم قرر الفنانون أن يقوموا بمظاهرة أسوة بسائر الطوائف فى مصر، وكانت المظاهرات ممنوعة ولا تقابل إلا بإطلاق النار، وكانت كل مظاهرة تخرج وقد استعدت للعودة بعدد من القتلى والجرحى، وفى الساعة المحددة خرجت كل فرقة من المسرح الذى تعمل فيه وقد حملت علما كبيرا، والتقت الفرق كلها فى ميدان الأوبرا أمام فندق «كونتننتنال»، وكان فى السائرين « جورج أبيض، وعبد الرحمن رشدى، وعزيز عيد، ونجيب الريحانى، وزكى طليمات، ومحمد عبد القدوس، ومحمد تيمور، وكل من يعمل فى المسارح ممثلا أو مخرجا أو عاملا، وكان بعضهم يلبس ملابس عربية، وبعضهم يلبس ملابس فرعونية، وتقدمت المظاهرة عربة حنطور تركبها الممثلتان الوحيدتان فى المظاهرة؛ أنا وقد ارتديت العلم المصرى فوق جسدى، وزميلتى الفنانة مارى إبراهيم، ومعنا فى العربة الأستاذ «عبد الحليم الغمراوى» المحرر بجريدة «الأهرام»، والذى كان مديرا لمسرح برنتانيا.
ثم تقول: تجمع حول المظاهرة خلق كثير، وسارت تقطع ميدان الأوبرا ومن حولها تسعى جنازات الشهداء وصيحات الجماهير، وتحت تمثال «إبراهيم باشا» مباشرة رأيت جنديين إنجليزيين صريعين وقد نزف منهما دم غزير، واتجهت المظاهرة إلى شارع عدلى، ولم تكد تسير فيه حتى تصدى لها جنديان إنجليزيان، ومشت المظاهرة، ورفع أحد الجنديين بندقيته وصوبها إليّ فتجمدت فى مكانى من الرعب وشعرت بسخونة تغمر جسمى، وأحسست كأن رصاصة قد انطلقت واخترقت ظهرى فعلا، فتشبثت بالعلم وكأنى أستند إليه، ولم يكن قد أصابنى فى الواقع شيء من هذا الذى صوره لى الفزع، وقد تبينت فيما بعد أن الجندى الإنجليزى لم يكد يرفع بندقيته حتى عاجلته رصاصة من أحد الثوار المصريين كان مختبئا فى شارع جانبى صغير متفرع من شارع عدلى، وعادت المظاهرة إلى مسرح برنتانيا.
زكريا أحمد الجندى المجهول
كثيرون لا يعرفون أن الشيخ «زكريا أحمد» لعب دورا فى ثورة 1919. هذا الدور كشف عنه كاتبنا الكبير «صبرى أبو المجد» فى كتابه عن شيخ الملحنين زكريا فقال: انغمر زكريا أحمد فى أتون ثورة 1919، ولئن كان دوره فيها غير قيادى فقد كان فى الواقع جنديا مخلصا للثورة، صفى أعماله، ولم يقبل الارتباط بأعمال جديدة منذ 9 مارس سنة 1919.
وفى المرات التى سافر فيها إلى الأقاليم لم يكن الغرض من السفر قراءة القرآن، أو قراءة قصة المولد النبوى، أو الغناء، بقدر ما كان يقوم بحمل بعض الرسائل من ثوار القاهرة إلى ثوار الأقاليم والعكس، وكان يحمل هذه الرسائل فى طيات شال العمامة، وعندما كان يقرأ القرآن فى القاهرة أو فى الأقاليم كان يختار الآيات التى تحض على الاستبسال فى الدفاع عن الأوطان والجهاد فى سبيل الله، فمثلا أثناء وزارة «يوسف وهبة باشا»، التى تولت الحكم رغم أنف الساسة الوطنيين ورغم إجماع الأمة على مقاطعة الحكم، كان يقرأ وسط الشبان الوطنيين الثائرين قول الله تعالي: «اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم»، وكان يقرأ هذه الآية بالسبع قراءات مرة وبالأربع عشرة قراءة مرات أخرى، وأكثر من مرة اشترك فى اجتماعات الأزهر وألقى خطبا وأناشيد وأغانى كانت تقابل من الجمهور بالتصفيق والهتاف.
ولحن زكريا أحمد فى هذه الفترة ألحانا سرت فى الشعب مسرى النار فى الهشيم، ومنها ماغناه عبد اللطيف البنا، مثل « قال يا سعد مين غيرك زعيم»، و»يا مصر دى أيام أنسك»، و»لمصر فيك رجال» و»نار الوطنية فى القلب». وكان لزكريا نشيد اسمه «سعد زغلول» كان يلقى فى بداية العمل بمسرح الماجستيك، حيث كان الجمهور والمنشدون والمطربون يرددونه جميعا وقوفا.
المتهم فكرى أباظة.. إعدام!
ومن الجنود المجهولين أيضا فى ثورة 1919 الكاتب الكبير فكرى أباظة الذى كتب للثورة نشيدا كان سببا فى اتهامه بجريمة تأليف نشيد وطنى، وكان من جراء ذلك أن أصدرت سلطات الاحتلال حكماً بإعدامه، والقصة كما جاءت على لسانه كالتالي: كنت فى يوم 20 أبريل 1919 فى مدينة أسيوط الدامية الباكية الحمراء المشتعلة بالنار، نار الثورة المصرية ونار الحريق الهائل الذى شب فى عاصمة الصعيد، كنت قبل ذلك ألفت نشيدى عن الثورة ولحنته وعاوننى صديقى «ليون ويصا» بتوقيعه على البيانو ثم أذعناه فى مختلف أنحاء البلاد المجاورة فبدأ الإنجليز التحقيق وبحثوا عنى، وكان مصيرى الحتمى هو الإعدام، لكنى استطعت الهرب فى ذلك اليوم مع بعض عساكر مركز «ديروط» على زورق بخارى مسافر من أسيوط إلى ديروط، ولم أكد أستقر فى الزورق حتى اكتشف ضابط البوليس المصرى أننى غريب على الجنود فقذف بى إلى الشاطئ، وكانت تلك اللحظة أتعس لحظة فى حياتى لأن معناها العودة إلى الإعدام رميا بالرصاص ولكن الله سلم، وفى اليوم التالى حصلت من المستر «ترانك» الإنجليزى على جواز سفر بصفة «تاجر حمير» فى قطار السلطة المتجه إلى القاهرة، وقد وصلت إلى القاهرة سالما بعد رحلة 15 ساعة.
أما كلمات النشيد الذى كان سببا فى إصدار الاحتلال حكم إعدام فكرى أباظة فتقول:
أبناء الوطن هلموا.............
............. سيروا إلى الأمام
ارفعوا الصوت قوياً.........
................. فالحُر لا يضام
أوادى النيل تطلع..............
................. وفاخر بالأبناء
بذلوا الدماء فداء..............
.............. وفقدناهم شهداء
بالصدر تلقوا طعنا...........
......... ورصاصا فى الفؤاد
أسلموا الروح فأحيوا.......
................ روحا فى البلاد
فلتحيا مصر الحرة..........
............ وليحيا الاستقلال.
بديع خيرى والجمعية السرية
لعل من أجمل ما كتبه الشيخ «زكريا أحمد» تلك الكلمات النابضة بالحياة التى حلل بها دور الفن فى ثورة 1919 وكشف فى مقال له نشرته مجلة «العروسة» عن الدور الوطنى الذى لعبه الشاعر «بديع خيرى»، وهذا الدور لم يقتصر على كتابة خيرى لمجموعة من أشهر الأغنيات الوطنية لثورة 19، التى لحن معظمها الشيخ سيد درويش، ولكن دوره كثائر وطنى، حيث قال الشيخ زكريا: أحب أن أسجل أن كثيرا من الفنانين أثناء ثورة 1919 كانوا أعضاء فى الجمعيات السرية التى تكافح المحتلين، من هؤلاء الأستاذ بديع خيرى، حيث كان يقوم بطبع المنشورات الوطنية التى توزع على الشعب فى مطبعة سرية كان مقرها فى بلدة محلة حسن، بضيعة أحد الأمراء السابقين، ذرا للرماد فى عيون الجواسيس، وكثيرا ما حدث أن فاجأه الإنجليز برصاص المدافع والمترليوزات أثناء ذهابه إلى الجمعية أو رجوعه منها، وقد اضطر مرة إلى البقاء عشر ساعات كاملة مختبئا فى صندوق القمامة للنجاة من رصاص الإنجليز.
وكان سعد زغلول زعيم ثورة 1919 يعرف لبديع فضله فى تأييد الثورة، وقد زاره مرة فى المسرح ومعه المرحوم سعيد عنائى، وبعد أن شاهد الرواية التى كانت تمثل، فى تلك الرواية أثنى عليه كثيرا وأفاض فى تقدير وطنيته.. وخلال ثورة 1919 ظهر ثلاثة من المونولوجستات الذين استعاضوا عن الخطب الحماسية بمونولوجات لإثارة الحماس، وهم حسن فايق، وعبد الفتاح القصرى، وحسن كامل. وهكذا كانت ثورة 1919 ثورة تفجير الوعى الذى أثر فى البنية الاجتماعية المصرية وجعلها تنطلق فى مسيرة الحرية بميادينها كافة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.