الحوار مع الدكتورة منى مكرم عبيد مختلف وثرى ليس لكونها ابنة أخيه الرمز القبطى الأهم والأكثر تأثيراً فى الحياة السياسية المصرية فى القرن الفائت مكرم باشا عبيد فقط لكن لكونها امرأة فاعلة فى المشهد السياسى المصرى فى القرنين الفائت والحالى فهى الوفدية العتيدة وهى أول امرأة تنضم للجنة السياسية العليا لحزب الوفد وهى البرلمانية المهتمة بقضايا التعليم وغير ذلك كثير مما يجعلها شاهدة حقيقية على أحداث وتطورات وطنية هامة، وان كنا نحتفل اليوم بمئوية ثورة 19 ونريد التحدث عن تأثير الثورة الأهم فى التاريخ المصرى على شكل الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية المصرية وماذا حدث بعدها لهذا المجتمع صعوداً وهبوطاً نجد شهادتها اليوم هى الأقرب وهى بتقديمها لنفسها تقول: اذا كنت مكرمية بالاسم الأسرى أو بالانتماء الوجدانى أو بالإقتناع التاريخى بالزعيم مكرم عبيد فإنى أنتمى قبل ذلك وبعده للوطن الذى انتمى اليه مكرم عبيد وشهادتى لوجه الوطن وليس وجه مكرم، وان كنت لا أرى أى تناقض بين الإثنين. كيف خلقت ثورة 19 تاريخاً جديداً غيرت به وجه الحياة المصرية فى القرن العشرين؟ أولا وضعت أسس ودعائم الدولة الوطنية الدستورية الحديثة وكانت حركة فريدة من نوعها بلورت دستورا وبرلمان وكذلك اهتمت بالتقدم الحقيقى والتنمية الحقيقية عن طريق منح الرأسمالية الوطنية دورها فى بناء وطن حقيقى حديث مستقل غير خاضع كذلك اهتمت للغاية بالفنون والثقافة والفكر الحقيقى ونجد أمامنا أم كلثوم والمثال محمود مختار وفن السينما والمسرح والثقافة وحركة الكتابة والادب والعلوم كذلك الحرية الحزبية، ورسخت ثورة 19 لفكرة الوحدة الوطنية الحقيقية وليست الشعارات وزرعت الثورة بذرة المواطنة خاصة وأنه قبل ثورة 19 كانت هناك بعض المشكلات مثل تأسيس حزب قبطى 1911 رداً على المؤتمر الإسلامى الأول وقد رفض فكرة هذا الحزب معظم الأقباط وقتها حيث إنه ضد فكرة النسيج الواحد، نجد أيضاً أن ثورة 19 هى أول خروج للسيدة المصرية ومشاركة حقيقية مما فتح الطريق لها للمطالبة بحقوقها والمساواة مع الرجل بعد ذلك. هنا يجب أن أشير إلى أن الشعب المصرى لديه حكمة حضارية، ولديه ذكاء فطرى حتى لو كان غير متعلم يعيش بالنضال المستمر ويحب لكنه فقط يحتاج لتنظيم ولزعامة حقيقية يلتف حولها وهذا ما خلقته ثورة 19، ثورة شعبية يلتف حولها كل المصريين بكل طبقاتهم وأديانهم وفئاتهم وأعمارهم تساوى فيها الغنى والفقير والمرأة والرجل ونرى خروج المرأة للمظاهرات غير مبالية بالعواقب وقد مات منهن كثيرات ثم ذكاء المرأة فى الربط بين التحرر الوطنى ونيل الحرية الشخصية، وكانت رحلة النضال طويلة للغاية لتجاوز القيود الاجتماعية المهولة التى كبلت النساء قبل تلك الفترة وإلى اليوم لم تحصل المرأة على حريتها كاملة ومستمرين فى النضال بأشكال مختلفة. كيف ترين تطور مسيرة المرأة بعد ثورة 1919؟ فى الفترة الأولى كانت القيود الاجتماعية أقوى من الجميع حتى الوفد رغم دعمه الهائل للمرأة وايمانه بدورها واحترامه الكبير لها لم يستطع منح المرأة حق الانتخاب والترشح إلى أن أعطاها عبد الناصر هذا الحق فى عام 56 هدى شعراوى وصفية زغلول وسيزا نبراوى لم يخلعن البرقع سوى بعد المشاركة السياسية الوطنية الحقيقية وأتى الجيل الذى تلاهمن أكثر وعياً بحقوقه على رأسهم درية شفيق التى طالبت بحق الترشح وحصلت عليه والمساواة الحقيقية مع الرجل. عبد الناصر أعطى حق الانتخاب والترشح للمرأة مع وجود ثقافى وعلمى وفنى للنساء من الجيل الذى تربى على أفكار ووعى وثقافة ثورة 19 لكنه سلب الوجود الفعلى للنساء بسيطرة الدولة على الاتحاد النسائى ولذلك تم تجميد وضع المرأة ومبرة محمد على وتحولت كافة الكيانات لسيطرة الدولة. وبالنسبة لعصر السادات نجد مرحلتين فقد بدأ بحقوق ومشاركة فعلية للمرأة فى ظل التعددية التى بدأ بها عهده ودعم ذلك حماس زوجة الرئيس، إلى أن سيطر التيار الدينى على الدولة بتشجيع السادات وقتها فتغير وجه الوطن تماماً وسادت ثقافة مغايرة لكل القيم الليبرالية والعلمانية ووضع المرأة المصرية لأن الحجاب الذى رجعوا به من الخليج كان حجاباً على العقل وليس فقط على الرأس، ونتج عنه تراجع فى النظرة للمرأة ودورها وقيمتها الحقيقية فى المجتمع، وفى عصر مبارك ظلت المرأة تناضل وتقاوم صعوبة الحياة وصعوبة الثقافة السائدة، اليوم الموضوع مختلف واعتقد أن المرأة المصرية تشعر بالسند والدعم من الرئيس بعد أن أدرك أن أكثر فئة دعمته هى المرأة فى الانتخاب والتفويض وغيره لذلك يقدر دورها ويعطيها بعداً هاماً فى الحياة العامة فهذا يعطيها طموحا ومساحة للمشاركة الحقيقة بما يفيدها ويفيد المجتمع لكن تبقى هذه الطموحات مكبلة بعدم وجود المجتمع المدنى الحاضن لها، فالمجتمع المدنى هو من تعلمنا به وانطلقنا من خلاله دون القيود الحزبية التى تلزم الجميع بسياسة واتجاهات واطار الحزب المنتمى إليه السيدة أو الرجل لكن المجتمع المدنى يعطى المساحة وفرص التعليم والإفادة الاجتماعية دون إطار مقيد. هناك أيضاً قوانين تخص النساء يجب مراجتعها مثل قوانين الأحوال الشخصية منها قوانين غير مفعلة ومنها قوانين يجب تعديلها كرفع سن الحضانة والنفقة وتجريم التحرش ورفع سن الزواج وتعديل قوانين الرؤية وغيره لأننا للأسف مازلنا فى مجتمع ذكورى ويجب المزيد من العمل لدعم حقوق المرأة وتحسين حياتها ليتحسن المجتمع كله. منى مكرم عبيد ماذا تقولين عن عمك اليوم وكيف ترين العوامل التى شكلت وعيه ووجدانه؟ أقول عنه أنه رجل عظيم لم ينل ما يليق به لليوم ويجب أن تتعرف الأجيال الجديدة على تاريخ هذا المناضل الوطنى الكبير ومواقفه بالنسبة لى هو المعلم الأول والجد والقدوة الذى تربيت فى بيته وتعلمت كل شيء ورأيت فى طفولتى عظماء السياسة المصرية فى وقتها واكتشفت هذا العالم الذى جعلنى وفدية بالفطرة ومبادئ الوفد هى التى تربيت عليها وعشتها قبل الخروج للدنيا أو السفر للتعلم، بالنسبة لتشكيل وجدان مكرم باشا نجد أن فترة المنفى كانت أثرى فترات حياته والتى شكلت وجدانه كاملا» وقد كتب عن تلك الفترة «ما أحسست طوال عمرى أن الوطن قريب إلى قلبى إلا عندما أبعدونى عنه إلى سيشل، فكانت أداة الفصل هى أداة الوصل وهناك قام النحاس باشا بتمريضه من الملاريا وكان المنع فى سبيله هو الجمع فاذا بالنفى والبعد المانع هو القرب الجامع»، قال أيضاً «لم نشعر فى حياتنا أننا مصريون عاشقون لمصر بمقدار ما شعرنا بذلك فى المنفى». إلى هذا الحد وصل احساسه بعمق التغيير الذى أحدثه النفى بالخارج وفى تلك الفترة تعمقت علاقته بشدة بالزعيم سعد زغلول وآمن به لدرجة التبنى لدرجة أنه عرف فيما بعد بابن سعد وتعلم منه كيف يعيش حياة التحدى والقوة المعنوية التى تقهر الصعاب، كذلك كانت تلك الفترة هى أساس الصداقة العميقة بين مكرم والنحاس والتى استمرت بعدها سنوات طويلة حتى خلافهما الأخير الذى مثل صدمة للجميع، فى المنفى أيضاً أتيحت له الفرصة لإثراء لغته العربية وحفظ القرآن الكريم حتى إنه فيما بعد كان يستشهد فى مرافعاته بآيات منه. اذا أسست ثورة 1919 لمجتمع المواطنة والمساواة والعيش المنسجم بين كافة المواطنين متى حدثت التفرقة بين عناصر المجتمع، هل حدث ذلك بقيام جماعة الإخوان المسلمين عام 28 أم بقيام ثورة 52؟ بعد الحرب العالمية 45 كان هناك أيدلوجيات سياسية مختلفة وأحزاب متعددة، مصر الفتاة مثلاً، الإخوان المسلمين كان لهم وجود كبير أيضاً، الوفد بالطبع كان الحزب الأهم والأكثر شعبية وتأثيرا، غيرهم أقصاهم عبد الناصر تماماً. الأيدلوجيات المختلفة لم يستطع عبد الناصر الاستفادة بها وكان هناك غل شخصى تجاه الوفد رغم أن الجيل الجديد من الوفد لم يكونوا من الأثرياء أو الإقطاعيين وكانوا أقرب لسن وأفكار جمال عبد الناصر لكنه لم يكن يريد أى تعدديه حزبية أو ديمقراطية. كان بداخل الوفد مشاكل لكن هناك جيل جديد عبرت عنه جيل الطليعة الوفدية كانت أفكارهم تميل لليسار وتتماشى كثيرا مع مبادئ ثورة يوليو لماذا لم يتم البناء على التجربة الوفدية والاستفادة من خبراته هذا هو السؤال. النتيجة للأسف دفع ثمنها المجتمع كله فى قرارات فردية كانت تحتاج لأهل الخبرة وليس للمقربين وأهل الثقة فقط، لكن للأسف تم وضع الجميع فى سلة واحدة واعتبروهم جميعاً اقطاعيين لا يجب التعامل معهم كذلك وضع كافة التيارات الأخرى فى نفس السلة. حضرتك وفدية (الميلاد) والهوية وكنت أول امرأة تدخل اللجنة السياسية العليا للوفد، ثم استقلت وعدتى واستقلت لكن الوفد بالتأكيد فى كيانك حتى لو كان لديك ملاحظات اليوم على أدائه، كيف ترى منى مكرم عبيد دور ووجود الوفد 2019 اليوم؟ تحدث الرئيس مؤخراً عن التعددية لذلك هى فرصة للعمل ليس لمؤازاة الدولة أو لمعارضتها لكن لتقديم حلول بديلة وأفكار مختلفة لما تقدمه الحكومة خاصة وأن هناك كفاءات اقتصادية وقانونية تستطيع المشاركة الحقيقية اذا أردنا الوجود الفعلى لحزب مهم وفاعل مثل الوفد. كيف ترين الوسيلة المناسبة للاحتفال بمئوية ثورة 1919? اهمية الاحتفال اليوم بمئوية ثورة 19 كى يتعلم منها الجيل الجديد وكيف يرى القدوة الحقيقية لهم وتعريف الشباب غير المتابع للفترات التاريخية الهامة فى عمر الوطن ماذا فعل أبناؤه للحصول على الحرية والاستقلال والكرامة، معنى كلمة زعيم، معنى التضحية والفداء كذلك أهمية الوفاق الوطنى بين الجميع يكون ذلك من خلال كتب وأفلام ودراسات وبرامج وأفلام وثائقية مصنوعة بشكل مشوق وحديث كى يستوعبها ويهتم بها الفئة المستهدفة.