الجيش اللبناني يؤكد تضامنه مع مطالب المتظاهرين ويدعوهم للتعبير بشكل سلمي    تعرف على التشكيل المتوقع للزمالك أمام المقاولون في الدوري    جريزمان يفك عقدته خارج كامب نو (فيديو)    حبس شقيقين لحيازتهما 10 كيلو بانجو بالشرقية    سعيد مرعي: المحكمة الدستورية تمضي قدما دون تردد أو تخاذل    صور| بحضور أهل الفن.. عمرو دياب يُشعل زفاف شقيقة ملك قورة    رينيه فايلر يطمئن على مدافع الأهلي    الرئيس السيسي: نفخر بالمحكمة الدستورية العليا    كامل أبو علي: السياحة المصرية تحتاج إلى «عقل» لتجذب 30 مليون سائح سنويا    إعدام 150 كيلو أغذية منتهية الصلاحية في البحر الأحمر    حزب "الحركة الوطنية": مشاركة مصر باجتماعات صندوق النقد يعكس نجاح الإصلاح الاقتصادي    بالفيديو| عمرو دياب يكشف عن "قدام مرايتها" سادس أغاني "أنا غير"    نائب رئيس البنك الزراعي : دراسة إطلاق منتج مصرفي لعسل النحل    أفغانستان.. مقتل 16 مسلحًا من طالبان وداعش خلال عمليات عسكرية    الحكم فى دعوى ترحيل السوريين المخالفيين من الأراضى المصرية.. 23 نوفمبر    حقيقة مقاطعة وزير الأوقاف أثناء إلقائه خطبة الجمعة ب"السيد البدوي"    هندسة الزقازيق تساهم في تنفيذ مشروعات قومية بتكلفة 4 مليارات جنيه    النصر يرصد مكافأة للاعبيه.. وجوليانو ضمن القائمة لمواجهة الرائد    الأوقاف تستخرج 10 آلاف بطاقة رقم قومي للسيدات الأولى بالرعاية    ثبات أسعار اللحوم بالأسواق اليوم 19 أكتوبر    برلماني يُحذر نقابة المهندسين من استغلال المواطنين في قانون التصالح    الأرصاد: انخفاض ملحوظ بدرجات الحرارة وسقوط أمطار على القاهرة منتصف الأسبوع الجاري    ضبط 6 مراكز لعلاج الإدمان غير مٌرخصة فى الجيزة    بتكلفة 3.5 مليون جنيه.. إحلال وتجديد شبكات مياه الشرب بالبحر الأحمر    إزالة 20 حالة تعد على الأراضي الزراعية بدسوق    تكريم العاملين المتميزين بمصلحة الضرائب والجمارك بالإسكندرية    فيديو| المشرف على مشروع المتحف المصري الكبير: عرض آثار جديدة لتوت عنخ آمون    مي كساب تعاني من قسوة بعض الجمهور.. وهكذا كان ردها على تعليق مسئ (فيديو)    نجلاء بدر: مفاجآت تنتظر الجمهور في أحداث مسلسل «شبر ميه»    منظمة خريجي الأزهر تندد بالهجوم الإرهابي على مسجد "ننجرهار" بأفغانستان    حكم صلاة العاجز في ثوبه النجس    هل تلعن الملائكة الرجل الجنب في كل خطوة.. المفتي يجيب    وزير التعليم العالي يفتتح مؤتمر «حياة صحية.. بيئة آمنة»    طريقة عمل بيتزا الدجاج بأسهل الخطوات    بالصور| انتظام الدراسة في الإسكندرية بعد شائعة «الالتهاب السحائي»    غدا.. وزير النقل يشهد تشغيل أكبر محطة مترو في الشرق الأوسط    تلميذة محبوسة داخل مدرسة بمفردها.. وقرار عاجل من التعليم    حملة تفتيشية لأمن الجيزة على 6 مراكز لعلاج الإدمان بأبوالنمرس    السبت الكبير|جونسون في مواجهة نواب البرلمان للتصويت على «بريكست»    الأقصر الأزهرية تعلن موعد إجراءمسابقة "الإمام الأكبر" لطلاب المعاهد ومكاتب التحفيظ    فالفيردي يدفع بالقوة الضاربة لبرشلونة أمام إيبار    موعد مباراة مانشستر سيتي وكريستال بالاس اليوم والقنوات الناقلة    الشباب تنظم جولة سياحية بالأهرامات للمشاركين بالمؤتمر الدولي للسكان    مقتل ما لا يقل عن 11 بعد انهيار سد بمنجم ذهب في سيبيريا    مانشستر سيتي يخشى تعميق جراحه أمام كريستال بالاس في الدوري الإنجليزي    وزيرة الصحة توجه بتحويل مركز طبي بجنوب سيناء إلى مركز لعلاج الأورام    كوبا: عقوبات واشنطن الجديدة تعبير عن العجز والتدهور الأخلاقي    "المصريين" عايزين يرجعوا مصر في أول طيارة    محمد رشاد ل«الشروق»: أطلقنا حملة للتوعية بالملكية الفكرية.. والتزوير يهدد الاقتصاد القومى    دار الأوبرا تستعد لإطلاق الدورة 28 لمهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية    وفد من "الصناعة" يستقبل أحد مستثمري "مصر تستطيع بالاستثمار والتنمية"    متظاهرون يشتبكون مع الشرطة في برشلونة احتجاجا على أحكام بسجن قادة انفصاليين في إقليم كتالونيا    كهنة تايلاند يخضعون لنظام غذائي لإنقاص الوزن    حظك اليوم| توقعات الأبراج 19 أكتوبر 2019    الرئيس الفرنسي يستقبل البابا تواضروس في قصر الإليزيه| صور    إعلان حالة الطوارئ وتوقيف خدمة مترو الأنفاق في تشيلي بسبب الاحتجاجات العنيفة    بعد أول سير نسائي تاريخي في الفضاء.. رائدتا الفضاء كوتش ومير تعودان إلى المحطة الفضائية    حكم مخالفة الترتيب في السور عند التلاوة.. فيديو    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





وثيقة الإخوة الإنسانية: العقلاء يصنعون التاريخ
نشر في الأهرام اليومي يوم 16 - 02 - 2019

فى أغلب المراحل التاريخية التى تمر بها الإنسانية يقيض الله لها عددا من العقلاء والحكماء، تتفاوت مراتبهم ومكانتهم وتأثيرهم من الأنبياء والرسل والمصلحين والمفكرين والعلماء، نذروا حياتهم لإضاءة الطريق أمام البشر، وكشف الجوانب المظلمة فى حياتهم، وتعيين الطريق والسبيل الذى يكفل السير فيه نحو المدينة الفاضلة، التى تحظى بالسعادة والفضيلة، وتتخلص من الانحطاط والرذيلة وتدفع الإنسان، للنظر لذاته ورؤيتها على حقيقتها والسعى لتغييرها ومواجهة هذا التحدى لتفعيل إنسانيته وتأكيد استحقاقها لهذا الوصف.
فى هذا السياق تنخرط وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمى والعيش المشترك التى صدرت عن مؤتمر الأخوة الإنسانية الذى انعقد فى أبو ظبى بدولة الإمارات، والتى وقعها فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر والحبر الأعظم بابا الفاتيكان البابا فرانسيس، فكلا الرجلين بتأثيرهما الروحى والدينى لدى ملايين المسلمين والمسيحيين الكاثوليك فى العالم، يكتبان صفحة جديدة فى تاريخ العلاقات بين الإسلام والمسيحية، صفحة تتجاوز موروث الماضى وتتجه صوب المستقبل فضلا عن مواجهة التحديات العالمية الراهنة.
المناخ الذى صدرت فيه هذه الوثيقة, وثيقة الأخوة الإنسانية، ربما يستدعى إلى الذاكرة الإنسانية، الظروف والآثار الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية التى أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية والدمار والخراب والقتل وجرائم الإبادة والاستعمار، وهى الظروف التى أدت إلى إصدار الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى 10 ديسمبر عام 1948، والذى أسهم فى إخراجه إلى حيز النور لفيف من الساسة والدبلوماسيين والحقوقيين الذين أرادوا وضع ميثاق أخلاقى وقانونى ملزم للعالم، ويحول دون تكرار هذه الجرائم. قد تتشابه ظروف العالم اليوم فى جانب كبير مع تلك الظروف الماضية وبما يواكب إصدار وثيقة الأخوة الإنسانية, فالإرهاب والتطرف والعنصرية تتصدر المشهد العالمى، كما أن الحروب الأهلية وتفكيك الدول الوطنية وانتشار ظاهرة اللجوء والنزوح والمجاعات تعصف بالعديد من الكيانات الوطنية فى الشرق الأوسط والعالم العربى، المؤكد أن التشابه السالف الإشارة إليه قد يكون جزئيا مقارنة بنتائج الحرب العالمية الثانية، ولكنه بالقطع كفيل بأن يدفع صوب صدور هذه الوثيقة «الأخوة الإنسانية»، وإذا كان التاريخ يكتبه المنتصرون والأقوياء، فإن العقلاء قادرون على تصويب التاريخ وكتابة رواية لأحداثه مختلفة عن رواية الأقوياء.
وثيقة الأخوة الإنسانية غنية بالدلالات والمعانى والقيم والمبادئ، فى مقدمتها تأكيد الاختلاف والتنوع بين البشر من حيث الديانة والنوع والعرق والجنس واللغة والمذاهب، وهذا التنوع والاختلاف هو سنة الله فى الأرض والكون، وفطرته التى فطر عليها الناس، وهذا التنوع أحد مصادر التدافع الحضارى والتفاعل والتواصل بين بنى الإنسان، ولم يدرك البشر تمام الإدراك الحكمة الإلهية فيما وراء هذا الاختلاف، ولم يستوعبوا بعد رسالة التنوع بين البشر فى الثقافة والديانة والجغرافيا، ونتيجة لسوء الإدراك وقصوره عن استجلاء كنه هذا التنوع، فإن بعضهم يرفضه ويبحث عن الوحدة القسرية، ويريد اختزال هذا التنوع فى قالب دينى واحد ومذهبى واحد يتعارض مع حكمة الخالق، ويرى أن التعصب والتطرف والإرهاب والقتل هى أدوات خلق هذه الوحدة الإنسانية والقسرية بالإضافة إلى العنصرية والكراهية.
لفتت الوثيقة الانتباه إلى الطابع المتناقض للتقدم المعاصر وشموله الإيجابيات والسلبيات، الأولى تتمثل فى التقدم العلمى والتقنية والطب والصناعة والرفاهية، أما الثانية فتتمثل فى تراجع الأخلاق، وانهيار عوامل الضبط الأخلاقية، وتراجع القيم الروحية، وتدنى الشعور بالمسئولية وهذا الجانب على نحو خاص هو أحد الدوافع للتطرف والعنصرية والكراهية، ومن ثم تضطلع الوثيقة بتقليص سلبية هذه الجوانب من خلال إحياء القيم الدينية وتأكيد الأهداف الحقيقة للأديان فى نشر السلام والمحبة والانفتاح والتسامح، وتشدد الوثيقة على أن احتواء الآثار السلبية للتقدم المعاصر هو مسئولية كبيرة تقع فى مقدمة الأولويات التى ينبغى معالجتها.
أما ثالث هذه المبادئ فيتمثل فى تكامل الحضارات وتفاعلها وتداخلها, إنه بالمعنى الحضارى العام او بالمعنى الثقافى والسياسى والاقتصادى والدينى، فالعلاقة بين الشرق والغرب هى ضرورة قصوى لكليهما، لا يمكن الاستعاضة عنها، أو تجاهلها ليغتنى كلاهما من الحضارة الأخرى عبر التبادل وحوار الثقافات فبإمكان الغرب أن يجد فى حضارة الشرق ما يعالج به بعض أمراضه الروحية والدينية التى نتجت عن طغيان الجانب المادى، كما بإمكان الشرق أن يجد فى حضارة الغرب كثيرا مما يساعد على انتشاله من حالات الضعف والفرقة والصراع والتراجع العلمى والثقافى والتقنى ويؤكد هذا المبدأ الاعتراف المتبادل بقيمة الحضارات الإنسانية غربية أو شرقية. من ناحية أخرى يبقى أن وثيقة الأخوة الإنسانية جمعت بين سطورها بين الدينى والزمنى، بين الدين والمحتوى السياسى والإيديولوجى والاقتصادى للسياسات المعاصرة، ومن ثم فهى ليست وثيقة دينية فحسب أو زمنية معاصرة فحسب، بل الاثنان معا، وبهذا المعنى فإن الوثيقة تحمل المسئولية فى النهوض بالعالم من أزمته الراهنة للقيادات الدينية والسياسية والزمنية فى العالم، لأنه كما أفضى التعصب الدينى والإرهاب إلى العنف والقتل ومصادرة التسامح فإن السياسات الراهنة أساءت توزيع الثروات وأفضت بالملايين من البشر فى أحضان الجوع والمرض والتهميش والعنصرية.
فى هذا السياق فإن الوثيقة حرصت على الإشارة للمواثيق الدولية الخاصة بحقوق المسنين والضعفاء وذوى الاحتياجات الخاصة للمستضعفين؛ لكى تؤكد طابعها المتوافق مع منجزات المجتمع الدولى الحديث والمكمل لها.
من الناحية العملية فإن هذه الوثيقة التاريخية فى التطبيق العملى وترجمتها فى الواقع، يمكنها أن تتخذ صورا شتى، كما فعلت جامعة الأزهر التى قررت عقد ندوات لشرح مضمونها للطلاب، وكما يمكن أن تقرر وزارتا التربية والتعليم والتعليم العالى أن تضمنها مناهج التربية الدينية والوطنية، وغير ذلك من الأساليب والإجراءات التى تكفل إخراج ترجمة صادقة وأمينة للوثيقة واعتبارها دليل عمل عالميا لمكافحة الإرهاب والتطرف والعنصرية.
لمزيد من مقالات د. عبد العليم محمد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.