تنطلق اليوم فى إسبانيا جلسات محاكمة قادة الانفصال فى إقليم كاتالونيا، الذين قضوا مضاجع مدريد، بل وأوروبا كلها، عندما قادوا حكومة الإقليم لإجراء استفتاء على الاستقلال فى أول أكتوبر 2017، أعقبه اتخاذ قرار أحادى بالانشقاق عن إسبانيا، التى رفضت الاعتراف بالنتائج لتعارض الاستفتاء بكامله مع الدستور. واستعدادا لبدء المحاكمات، نقلت السلطات الإسبانية قبل عدة أيام تسعة من السياسيين وعددا من النشطاء الانفصاليين الكاتالونيين من سجون الإقليم إلى العاصمة مدريد لكى يمثلوا أمام المحكمة بتهمة التورط فى مخطط الانفصال، وسط توقعات بأن يواجه 12 متهما على الأقل أحكاما بالسجن لعقود فى حالة إدانتهم بتهمة «التمرد». ومع بدء المحاكمات، احتدم السجال بين مدريد والانفصاليين، على غرار ما يحدث بين جماهير الفريقين الكبيرين ريال مدريد وبرشلونة قبل مواجهات «الكلاسيكو» التقليدية بينهما. ففى الوقت الذى اعتبر فيه كارلوس بويتشدموند رئيس إقليم كاتالونيا السابق، الذى قاد محاولة الانفصال عن إسبانيا، والهارب الآن فى بلجيكا، محاكمة حلفائه على أنها «عملية ثأرية»، أكدت السلطات الإسبانية ووسائل الإعلام المحلية أن لحظة الحقيقة والحساب. وتركز السجال على نقاط عشر رئيسية، نستعرض أبرزها فيما يلي، من وجهة النظر الكاتالونية، ثم الرد الرسمى الإسبانى عليها. فأولا: يقول الكاتالونيون إنهم يحاولون استعادة استقلالهم الضائع، وإن لديهم الحق فى تقرير المصير، وإنهم ممنوعون من ممارسة الحق فى التصويت عامة، وترد إسبانيا بالقول إن كاتالونيا لم تكن دولة مستقلة مطلقا، بل جزء من التراب الإسبانى منذ أكثر من خمسة قرون، ولا تتوافر فيها أى شرط من التى ينص عليها القانون الدولى بخصوص حصول الشعوب على حق تقرير المصير. وثانيا: يقول الكاتالونيون إن إقليمهم متوافق اجتماعيا ومقوماته مستقلة، وترد إسبانيا بالقول إن المجتمع الكاتالونى يتسم بتجذر التعددية، ولم تفرض مدريد تعليم اللغة الإسبانية بالقوة مثلا على مدارس الإقليم رغم صدور أحكام قضائية ضد فرض اللغة الكاتالونية وإقصاء الإسبانية. وثالثا: يقال إن النزعة الانفصالية فى كاتالونيا نزعة سلمية وغير شعبوية وجزء من الديمقراطية، وتقول مدريد إن العملية الانفصالية الكاتالونية تقوم على خرق القانون وازدراء التعددية السياسية، وترتبط بالحركات الشعوبية والقومية المتطرفة والقومية المناهضة للنظام التى نشأت فى أوروبا والولايات المتحدة فى السنوات الأخيرة. ورابعا: الانفصاليون يقولون إن الحكم للصناديق، ويرد الإسبان على ذلك بالقول إن التاريخ مليء بالأنظمة الاستبدادية التى جاءت بالصناديق، بينما الديمقراطية أمر أكثر جدية يتطلب إطارًا وقوانين دستورية لحماية المواطنين من الاستخدام التعسفى للسلطة، وحكومة إسبانيا شأنها فى ذلك شأن أى نظام حكم ديمقراطي، عليها واجب تنفيذ وإنفاذ الدستور والقوانين، دفاعا عن الأغلبية الكاتالونية التى تريد أن تبقى «إسبانية» ومواطنين داخل الاتحاد الأوروبي، بينما يعتزم الانفصاليون أن يحولوهم إلى أجانب فى بلدهم! خامسا: الانفصاليون يطالبون باحترام نتائج استفتاء أكتوبر 2017، بينما تقول إسبانيا إن ما جرى لم يكن استفتاء، لأنه لم يستوف الشرط الأول لتحويل استطلاع رأى لاستفتاء، وهو أن يجرى فى إطار القانون، فضلا عن وجود إشكاليات كثيرة تحد من نزاهة هذا الاستفتاء. سادسا: يقول الانفصاليون إن أوروبا والمجتمع الدولى يتعاطفان مع حركتهم، بينما تؤكد إسبانيا أن أى حكومة فى العالم لم تعترف بنتائج استفتاء أكتوبر، وأعلن كبار زعماء العالم تأييدهم وحدة إسبانيا. سابعا: يتهم الانفصاليون إسبانيا بأن كاتالونيا تتعرض لسوء معاملة، ثقافيا وماليا، وترد إسبانيا بالقول إن كاتالونيا من أكثر مناطق إسبانيا ازدهارا ونموا، ويفوق دخل الفرد متوسط باقى السكان على مستوى البلاد، كما حصلت كاتالونيا على نصيب الأسد من استثمارات البنية التحتية أكثر من باقى أقاليم الحكم الذاتي. ثامنا: يتهم الانفصاليون إسبانيا برفض الحوار، بعكس ما جرى فى كنداوبريطانيا بشأن كيبيك والبريكست، وتقول إسبانيا إن الحوار الوحيد الذى تقبله الحكومة الكاتالونية يتعلق فقط بإجراء استفتاء حول استقلال محتمل، والحكومة الإسبانية لا تستطيع قبول هذه المطالب لأنها مخالفة للدستور، وتضيف أنه فى حالتى بريطانياوكندا لم يتم وضع ممارسة الديمقراطية فوق القانون، بل كان هناك التزام صارم بكل المعايير القانونية والدستورية، فضلا عن أنه فى الحالتين، ظلت سلطة سير عملية انفصالية محتملة دوما فى يد البرلمان الكندى فى حالة كيبيك، وفى يد برلمان ويستمنستر فى حالة بريطانيا. تاسعا: يتهم الانفصاليون السلطات الإسبانية باستخدام القوة المفرطة ضد المشاركين فى الاستفتاء، مما تسبب فى وقوع مئات الإصابات، وترد مدريد على ذلك بتأكيد على أن القوات وأجهزة الأمن تعاملت بحرفية وبصورة متناسبة، تنفيذا لأمر قضائي، لمنع «استطلاع رأي» غير قانوني، نظرا للتقصير المتعمد من جانب قوات الشرطة المحلية فى مهامها، وتضيف أيضا أن الكثير من المشاهد حول قمع الشرطة المزعوم، التى نشرها أنصار الاستقلال، والتى لاقت صدى لدى الكثير من وسائل الإعلام، زائفة، أو تخص أحداثا تتعلق بأحداث تورطت فيها قوات أمن أخرى، ومن بينها قوات الأمن المحلية، وقعت فى أعوام سابقة. أما عاشرا وأخيرا: فيقول الكاتالونيون إنهم لا يتمتعون بحرية التعبير، وهو ما ترد عليه حكومة إسبانيا بقولها إنها دولة ديمقراطية تسودها دولة القانون ومكفول بها الحقوق والحريات، ولم يتعرض أى مواطن للملاحقة بسبب أفكاره أو تعبيره عن رأيه، ولكن بسبب السلوك المخالف للقانون، على غرار ما يحدث فى أى نظام ديمقراطي. وهكذا، تدافع الدول الديمقراطية عن وحدتها واستقلالها وأمنها، حتى وإن كان من يهدد ذلك يحتمى بشعارات الحريات والديمقراطية والشعوب وحق تقرير المصير. وسنرى كيف تسير المحاكمات خلال الفترة المقبلة.