أسعار العملات العربية في بداية تعاملات اليوم 9 يناير 2026    تنفيذ 995 ندوة ونشاط توعوي استفاد منها أكثر من 108 آلاف مواطن بأسيوط    محافظ سوهاج يتابع مقترح التطوير التنفيذي لشارع المحطة وفق الهوية البصرية    الوكالة الفرنسية: روسيا أطلقت ليلا 36 صاروخا و242 مسيّرة على أوكرانيا    الخطوط الجوية التركية تلغي رحلات الجمعة بين إسطنبول وطهران    موعد مباراة مالي والسنغال في ربع نهائي أمم أفريقيا 2025.. والقنوات الناقلة    قيادة بنزيما.. تشكيل اتحاد جدة المتوقع أمام الخلود في الدوري السعودي    محافظ أسيوط: ختام فعاليات أوبريت الليلة الكبيرة بقرى حياة كريمة تأكيدًا لحق المواطن في الثقافة    أتلتيكو مدريد ضد الريال.. الملكي يدعم فينيسيوس بعد أزمته مع سيميوني    إزاي تتحدد القيمة العادلة لسيارتك المستعملة؟.. 10 نصائح للبيع أو الشراء    ارتفاع حصيلة مزاد سيارات الجمارك في الإسكندرية لأكثر من 5 ملايين جنيه    مدحت عبد الهادي: لا بد من تواجد مهاجم صريح لمنتخب مصر أمام كوت ديفوار    سقوط أمطار متوسطة على دمياط فجر اليوم    الاحتلال الإسرائيلي يحتجز العشرات ويداهم منازل في الخليل    مدغشقر تشدد الإجراءات الصحية في القطاع السياحي بعد تسجيل إصابات بجدري القرود    الأعلى للجامعات يبحث نظم الدراسة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية    أسعار الذهب تنخفض قبيل صدور بيانات الوظائف الأمريكية.. اعرف التفاصيل    لمدة 12 ساعة، تعرف على أماكن قطع المياه غدا في الدقهلية    تفاصيل إطلاق تاجر خضار النار على موظف بمركز لعلاج إدمان في مدينة 6 أكتوبر    انطلاق امتحانات الفصل الدراسي الأول للصفين الأول والثاني الإعدادي بالجيزة غدا    مواعيد القطارات من أسوان اليوم الجمعة 9 يناير 2026    انقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص في بيلجورود بعد هجوم أوكراني    تنوع «محمد بغدادى» الثرى وحدة الإبداع وتعدد المسارات    هويدا حافظ يكتب: من الميلاد.. إلى المعراج    فضل الحضور مبكرًا لصلاة الجمعة قبل صعود الخطيب للمنبر    ذهاب المرأة إلى المسجد لصلاة الجمعة موقف شرعي وآداب مستحبة    فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة نور وبركة للمسلم    حافظوا على وحدتكم    مستشفى طنطا للصحة النفسية ينظم احتفالية كبرى لدمج المرضى المتعافين بالمجتمع    طريقة عمل تشيلي صوص بمكونات بسيطة وأحلى من الجاهز    إشارات لا يجب تجاهلها قد تنبهك لجلطة الرئة مبكرًا    ضبط 80 مخالفة بالمخابز ولحوم ودواجن غير صالحة بكفر الشيخ    مجلس النواب الأمريكي يقر مشروع قانون لتمديد إعانات الرعاية الصحية    مصرع طفلة سقطت في بيارة منزل بنجع حمادي    ترمب ل«نيويورك تايمز»: أخلاقي وحدها تضع حدودًا لاستخدام القوة العسكرية    افنتاح محطة تحلية مياه الشرب بمنطقة وادي العمرو بوسط سيناء    ترامب: لم أتناول أدوية إنقاص الوزن وربما يجب علي ذلك    صعود مؤشرات الأسهم اليابانية في جلسة التعاملات الصباحية    رامي إمام يتغزل في محمد سعد والفنان يعلق: اتبسطت بالشغل معاك يا حبيبي يا وش الخير (فيديو)    الدنمارك ترحب بالحوار مع واشنطن بشأن جزر جرينلاند    مصطفى بكري: الرئيس السيسي تحمل ما تنوء عنه الجبال.. وبكره التاريخ سيعطيه حقه    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    وفاة شقيقة «وسيم السيسي» وتشييع الجثمان اليوم بمصر الجديدة    القمص موسى إبراهيم: القيادة السياسية تؤكد متانة النسيج الوطني    سليمان ينتقد مجلس إدارة الزمالك    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    عامل يعتدى على مدير مطعم بسبب خلافات العمل ثم ينهى حياته فى العجوزة    وزير خارجية عُمان يتجول في المتحف المصري الكبير ويشيد بعظمة الحضارة المصرية    «إن غاب القط» يتصدر إيرادات السينما.. ماذا حقق في 8 أيام؟    تموين الإسكندرية يضبط 1589 زجاجة زيت تمويني مدعم بالمنتزه    قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    موعد مباريات اليوم الجمعة 9 يناير 2026| إنفوجراف    نجوم هووليوود فى لقاءات حصرية مع رامى نوار على تليفزيون اليوم السابع.. فيديو    وسيم السيسي: النبي إدريس هو أوزيريس.. وأبحاث الكربون تثبت أن حضارتنا أقدم ب 2400 عام    رئيس جامعة المنوفية يتابع خطط التطوير ويكرم الأمين العام المساعد لبلوغه سن المعاش    "مدبولي" يُشيد بجهود منظومة الشكاوى.. ويُوجه بمواصلة تلقي بلاغات المواطنين    خالد الجندي يحذر من الزواج من شخص عصبي: هذه صفة يكرهها الله    مواجهة نار في كأس آسيا تحت 23 عامًا.. العراق يفتح النار على الصين في انطلاق المجموعة الرابعة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



غواية الجبل والاحلام

أنجبت نيمو ولدًا (تُرى هل وصل الخبر إلى دونيو، هل عرف أنه صار أبًا؟ ربما، فهو لم يكتب لها أية خطابات حتى الآن), كم انتظرت منه أن يكتب لها شيئًا، أى شيء، بل اقتنعت بأنه لا بد سيرسل لها خطابًا ذات يوم. تُرى هل نسيها؟
أيًا ما كان، فهو لم يكتب لها، ولا لأجل طفله رجع. ظلت نيمو تقاسى شتائم أبيها ولعناته، وما أفظعها، فقد كان الرجل بوذيًا خالص الإيمان والتقوى، متعبدًا فى محرابه منذ أن أدرك وجوده على ظهر الدنيا، منذ صباه الباكر، لكنه فقد امرأته فى شبابه الأول ووجد نفسه مسئولًا عن طفلة يتيمة. وهنت فيه إشراقة الإقبال على الحياة وانعزل منحرف المزاج منفردًا بكئوس خمر يخمد بها سطوة شعور ممضّ بالأسى، حتى لم يعد يفيق إلا بعض وقت، بصدر حرج وذهن مكدود. لحظات الوعى الضئيلة هى لحظات سخطه المحموم على الناس والحياة.
ابنته، نيمو، أنجبت ولد زنا فاستحقت اللعن وقسوة قلب عنيد. والرجل، الأب، يقبل على شعائره راجيًا من السماء أن تنزل نقمتها وغضبها على الزانية، عسى أن يقبل منه الدعاء فى كل الأوقات، حتى وهو سكران، يعب من الكأس ثملًا يدعو بالشقاء وهو تائه عن الوعى. لم يعد أمام نيمو إلا أن تترك له البيت وتقوم قاصدة إلى أقصى بقعة من الأرض، تنصب خيمة وتدلف إليها مع ولدها، وتمضى بها الحياة على الوتيرة التى يستطيع خيالك أن يستقصيها.
كان هناك من يعرفون أن الطفل هو ابن دونيو، لكن المرأة لم تفتح فمها بشيء, بل ظلت تلزم حدود الصمت لسنوات طويلة، لم تنطق بشيء. لعلها كانت تتكلم خفية مع وليدها، مع قطيع الحملان، أو مع كلاب الرعاة بذيولها المنثنية وفرائها الأملس. لعلها كانت تحدّث نفسها جهرًا عندما تسنح لها ساعات العزلة، لكن أحدًا لم يسمعها تثرثر على أى نحو؛ وشيئًا فشيئا انحسر اختلاطها بالناس ولاذت بالعزلة، حتى نسيها معظم أهل القرية، وغفلوا عن وجودها.
إلى البيت القديم كانت ترجع. غالبًا ومع عتمة المساء، تدلف إلى مسكن أبيها خلسة، كفهد يأوى متلصصًا إلى وِجاره. أبوها فى تلك الأثناء يكون قد انثنى بجذعه إلى وسادة مطوية فوق البساط وتردد غطيطه عاليًا وسط كومة أشياء متناثرة فى أرجاء الغرفة. تأتى هى فتشمر عن ساعديها وتجمع كل النفايات، تضع القدر فوق النار، تغلى الشاى ثم تريح جسد أبيها ليستقر نائمًا مكانه، تمسح عن جانب فمه سيل لعابه وتبسط فوقه معطفه الواسع، تغطيه بردائه وتدوس فوق بقايا الرماد كى يثبت مكانه ولا يتطاير فى الأنحاء، ومثلما جاءت تنسلُّ خارجة، يذوى خيالها وسط الظلمة.
فى تلك اللحظات يكون الصغير قد شبع من اللعب فى جنبات الخيمة، ولا بأس، فالأم عائدة حتمًا مثلما انسلت ذاهبةً تحت جنح الليل. تعود آخر المطاف، ووحدها تعود دومًا، من أين؟ من عند جده، لكنه لم ير جده فى حياته. الولد ابن الثالثة من العمر يعجز عن الكلام، يتحجر لسانه؛ فليس ثمة من يكلمه أو يناغيه وسط الصمت الطويل سوى لعبه بمفرده، فى سكون. أحيانًا ينتابه الشرود الذاهل العميق، مثل الكبار, فى انشغال الخاطر بالأفكار وتصورات الذهن. قلما كان يبدى انشغالًا بالناس من حوله، سواء من العابرين أمام الخيمة أم الرائحين والغادين فى الطرقات، بما فى ذلك أمه التى أنجبته. متجهمًا يطالع الأشياء وقد ضرب صفحًا عن الانتباه، فلا الصوت الصارخ يفزعه ولا النغم الهادئ يرقّ له سمعه. يقبل على العالم من وجهته التى يطل منها، غير مكترث بضوضاء الدنيا ولغط الأشياء.
كعادتها، كانت نيمو فى ذلك المساء ذاهبة إلى بيت أبيها، منقبضًا صدرها من وحشة الليل والسكون. غطت خديها بوشاحها، مشت والخطو يكاد يرتطم بعثرات الطريق الذى بدا خاليًا من كل حس. هناك كان الكهل مطروحًا من السكْر ككومة طين لزج. سرعان ما أنجزت شغلها وقد انتابها شعور بالقلق، والعتمة مابرحت كعهدها فى الأمسيات، والولد لا بد أنه نام. لكن ما علاقة الظلمة بطفل راقد؟ ولماذا انعقدت الصلة هكذا فى خاطرها المشعث هذا المساء؟ الصدر منقبض والشاى قد برد قليلًا فى القدر. فى هذا الكفاية الليلة, فالوالد لا يريد أكثر من هذا ساعة أن يفيق وسط الليل، والأفضل أن يجد الشاى دافئًا قليلًا. ليس ثمة داعٍ للتريث أكثر من هذا، فلتغلق الباب وراءها وتمضى. الظلمة حالكة والقلب منقبض، وقد كادت أن تتعثر مرتين على الدرب الخالي؛ وليكن، فهى الطرقات ودأبها مع الخطى المتعجلة. عند اقترابها من خيمتها تهادى إلى سمعها صوت أنين خفيض، كلبها الحارس! ثم كان المنظر المريع.. ستارة الخيمة منزوعة وملقاة بعيدًا، المصباح الذى أوقدته قبل خروجها مطفأ، والجو معتم بالداخل. فى أقل من الثانية أدركت كل شيء، أدركت سر انقباض قلبها وفزعها من مجهول لا تعرف كنهه، عندما التقطت علبة الكبريت من صدرها وأشعلت عود الثقاب ووقع بصرها على المنظر الذى رأته، لمدة ثلاث ثوان ليس أكثر، سقطت من طولها جالسة، وقعت مكانها كالمشلولة، انقضى وقت وهى على هذه الحال وسط الظلام الحالك، ثم انتبهت إلى ضرورة أن تشعل الثقاب مرة أخرى، كى تحمل الكلب وتدخل به إلى الخيمة. كانت ذراعه مكسورة وثمة جروح عميقة فوق الفك العلوى من أثر عضة عنيفة، وآثار جروح قطعية فى الجسم. فيما بعد, فقد ثابر على الحياة ولم يمت. بقى حيًا رغم الحادثة!
هو الدب!
لم تدر كيف تفسر شعورها بعدم الفرحة، أو قُل: عدم الدهشة, أثناء الثوانى الثلاثة التى أعقبت إشعال عود الكبريت، عندما رأت طفلها راقدًا فى أمان! ماذا؟ أما كان ينبغى لها وقتئذ أن تفرح وتمتزج فرحتها بدهشة؟ كل ما تذكره هى لحظة سقوطها، لحظة فقدان القدرة على التماسك، لحظة إنهيارها المفاجئ دون أن تعرف كم من الوقت مرّ عليها وهى على هذه الحال! لم يبعث فيها الانتباه إلا أنين صادر عن جريح مطروح يلعق آلامه، هو ثالث أعضاء هذه العائلة الصغيرة. أفاقت على أوجاعه، بقيت طويلًا بعدها تتعجب.. أى دب هذا الذى يدع طفلًا راقدًا فى أمان ليؤذى كلبًا، ويقلب كل هذه الأوانى وأكواب الشاى، يثير جلبة مفزعة وسط هدأة ليل، دون أن يوقظ وليدها من نومه أو يمسه بأذي؟ هى تعرف ابنها جيدًا، وتعرف أن قدرته السمعية طيبة تمامًا.
من وقتئذ صارت نيمو تجلس تحت ضوء المصباح المتأرجح، تلحظ وجه وليدها النائم، تدقق النظر فى شفتيه المكتنزتين وبشرة وجهه المائلة للخشونة، تجتهد فى استدعاء ذكرى تلك الليلة البعيدة مع دونيو، تذكر مشاعرها الكثيرة المتضاربة عندما أدركت أنها حملت منه. كانت تحاول جاهدة أن تستعيد ملامح دونيو فى المرة الوحيدة التى لمحت فيها انقباض عضلات وجهه (ما أعذبه من انقباض يدعو المرء إلى مزيد من استعادة لحظته المفقودة!)- دون فائدة! دون أن تفلح فى تذكر أى شيء. لا فائدة، لا فائدة على الإطلاق. ثم كانت تميل بوجهها فوق وجه الطفل النائم، باحثة عن ملامح باقية من دونيو، بغير جدوى. لقد وقعت فى إسار دهشة لا فكاك منها!
دَهِشْت لشدة الشبه بين وجه الصبى وملامح دونشو. غير معقول، لا بد أنه الاستنتاج البليد من جرّاء تأخر الاستجابة الانفعالية. لكن انظر، أليس يشبه دونشو حقًا؟ ما معنى كل هذا؟ فكّرَت كثيرًا دون أن تهتدى إلى معنى.
شُفى الكلب، وعادت أسرة صغيرة من ثلاثة أعضاء تعيش حياتها على غرار زمن مستعاد.
...............................................
صار دونشو منشدًا للسير والملاحم، فوق أنه راعى حملان وولد بار بأهله، بأمه التى كانت مثله تمامًا، لا تقرأ ولا تكتب. يجيء إليه ساعى البريد بالحوالة، ويقرأ له فى كل مرة العبارات القصيرة المرفقة بها.. اسمعى يا أمّ، اشترى المزيد من الأكل، لا تبخلى على صحتك بشيء! أنا هنا بخير فاطمئنى، وأعرّفك أن رقم الوحدة سرى جدًا فلا داعى لإرسال الخطابات من طرفكم. أنا الآن ترَقّيت إلى رتبة قائد مجموعة... الآن ترقيت إلى رتبة قائد فصيلة... تمت ترقيتى إلى قائد سرية، ولعلمك فأنا أقدر الآن على قيادة سيارة. عندى هنا مهام كثيرة, فاعذرينى إذا تأخرت عليك فى الإجازات، إلخ إلخ. كل هذا كان يحفظه دونشو، كلمة بكلمة، لكى ينقله إلى الوالدة التى كانت تنصت مليًا، بنفسٍ راضية وروح مفعمة بالأمل.
دونشو كان يقلّب موضوع نيمو فى رأسه باستمرار دون أن يصل إلى شيء واضح ومفهوم؛ صحيح أنه كان الوحيد الذى يعرف مدى تعلّق أخيه بحبها، لكن هذا لم يكن يعنى اعترافه بأن الولد الذى أنجبته نيمو هو ابن أخيه، ثم إنه, وباعتباره راعى أغنام بسيطا، لم يكن يستطيع أن يحسب بدقة تامة فترة تسعة الأشهر التى استغرقها حمل نيمو وولادتها لطفلها، خصوصًا وأن الشيء البسيط جدًا والمعروف للجميع أنها وضعت حملها بعد فترة طويلة من سفر دونيو، فمن يدرى إن كان الولد هو ابن أخيه حقًا؟ لماذا لا يكون ابن أى سلالة عفنة أخري؟ ثم إن هناك واقعة حدثت تحت سمع وبصر الجميع، والدليل فيها حاسم حيث قد جاء على يد والدها نفسه: عندما طردها من بيته. ليس هذا فقط بل قد لعنها وأبرأ ذمته منها إلى يوم موتها (قالوا إنهم وجدوه ذات صباح، فى بيته، ممددًا على بساطه ورائحة الخمر تفوح منه، وقد تيبّست مفاصله) هذا، فضلًا عن الواقعة الأخرى التى يعرفها دونشو تمام المعرفة بشأن الولد الذى نجا من براثن الدب. الولد ذو الأعوام الخمسة أو الستة، خشن البشرة ضخم الوجه، السارح مع أمه وراء القطعان قابضًا على أطراف ذيول البهائم، لا رفيق له سوى كلب الرعاة والنسر الحائم فى الأعالى. كل هذا يعرفه دونشو ويدركه إدراكًا مكين الرسوخ فى قرارة النفس. الآن، صار يخرج فى سرحاته النهارية بقطعانه فى المروج، إلى جواره ومن خلفه وقدامه آذان تنصت إليه وهو ينشد الملاحم والسير وروعة البطولة فى تواريخ الشجعان، طالت الأيام به ولم يعد يسأله أحد عمن علّمه كل هذه الحكايا، ولا أين أو كيف استوعب عقله تفاصيل الأحداث وسرد الفصول، جاء اليوم الذى أصبحت فيه روايته لملحمة الملك كيصار طقسًا من شعائر الحياة اليومية بين رعاة التبت.
آه، لو لم تكن الذاكرة تضيق بما تحويه، إذن لبقى محتفظًا فى تلافيف الوعى بإشراقة الأمل فى عين أخيه، ليلة سفره الطويل. آهٍ، لو كان الطبع قد حباه بشيء من القدرة على استحضار جنبات من تفاصيل ما جرى، بشيء من رومانسية التذكار، إذن لاستطاع دفق خياله الحى أن ينسج وقع كل تلك الآمال، يرسم صورًا للأخ الأصغر وهو يقود عربة تجرى جَرى رهوان على طريقٍ مُعبّد إلى «تشنغدو»، إلى»شيآن»، «بكين»، «شنغهاى». صورة ضابط فى زيه الرسمى على رأس جماعة من مجندين، صورة قائد فصيلة.. قائد سرية، صورة تحيا الآن فى عين الأيام، فلتهنأ بحظوظ أيامك يا دونيو! ولتسعد بمرأى المشاهد فى زمانك. تُرى كم رأيت من عروض التمثيل على خشبات المسارح فى عمرك؟ كم من العروض انزاحت عنها الستائر فى «لهاسا»، فى»قلب الصين»، فى كل الأماكن التى تخطر على البال، فلم تكن لتفلت فرصة اللحاق بأى منها. ذلك لأنك يا دونشو تعرف الكثير الكثير عن أخيك الأصغر.
تعرف أنه طاف بأرض التبت كلها، لم يدع موضعًا منها إلا نزل به: «شيغاتسى»، «آليشان»، «لهاسا»، «شانان». نعم، بل لعله زار أيضا «تشاندو»، من ركن إلى ركن مضى، ألم يطارد يومًا قطيع غزلان مغولية وحده؟ بلى يقدر من دون رفيق، ويمسك بالقرون والأذناب فيوقع فى شباكه منها العشرات والمئات، أعداد بغير حصر، فالولد ابن جَولات، صائلٌ، جائبٌ آفاق المدى. قال دونشو لنفسه، إن دونيو لم يكن ليعجز عن أن يطالع كتب الجغرفيا ويعيد الدرس على نفسه لكى يجوب العالم وتتفتح مدركاته على هذا النحو، بالتأكيد يستطيع، بنجابة عقله يستطيع، قال دونشو إن الولد ذو نباهة منذ يومه، حتى هو نفسه لا يدانيه موهبة.
حال دونشو الآن لا يختلف كثيرًا عن جملة أحواله المعتادة: يعمل ويشقى، ساعة الراحة يجمع روث الأبقار، يلتقط أنفاسه ثم يطوف بالأنحاء لجمع الحطب، يعود آخر النهار من تطوافه البعيد بأحماله على ظهره. وهو حتى الآن لم ينس وعد أخيه الأصغر له، ينتظر قدومه راكبًا عربة فيأخذه إلى جواره ذاهبًا به إلى حافة الجبل الغربى، لدى الغابة، غابة الجبل، يدوران بأنحائها يجمعان حمولة عربة من الأغصان الجافة، يصعدان دروب الغابة البعيدة التى لم يبلغ حدها أى من الأهالى.
يتمنى كذلك أن يجيء اليوم الذى يشاهد فيه فيلمًا سينمائيًا، فلماذا لا يأخذه أخوه إلى دار السينما فى البلدة «لهاسا»؟
من يدري؟ فكل شيء رهن الاحتمال.
لكن..
ماذا عن نيمو؟ وعما قاله دونيو عنها قبل سفره؟ تلك أشياء لا يمكن ل دونشو أن ينساها أبدًا، بل هو يذكرها كلمة بكلمة، فما العمل؟
لا أعرف ما الذى ينبغى أن يجيء بعد «ما العمل» هذه؛ لا أعرف إن كان ممكنًا مثلا أن أضع عدة نقاط متجاورة، على نحو ما يرد عند حذف الكلمات التى لا داعى لها فى السياق. أو هل أكتب عبارة أو اثنتين لربط الفقرات؟ لا أعرف، ثم إنى لا أجد شيئًا مناسبًا؛ لأن النتيجة مفارقة مغايرة للتوقعات، والمعضلة تكمن فى إيجاد معيار مناسب (معيار أخلاقى، يعني) لقياس مدى ملاءمة النتيجة لما هو مقبول. المسألة بكل وضوح هى أن دونيو قد أصبح بالنسبة للمرأة نيمو طريقًا ضائع الخطي؛ أصبح مفقود الأثر! وبالنسبة ل دونشو فهو ما زال جائلًا فى طول البلاد وعرضها على قدر اتساع طاقة الخيال. فى عين دونشو بدت نيمو مجرد أم لولد سفاح (لم تعد، منذ زمان بعيد، حبيبة أخيه الأصغر دونيو), فى الوقت نفسه، فهى أنثى فى عمره تقريبًا، ليست دميمة على كل حال ولا هى قد جاوزت العمر.. إلى آخر تلك الأشياء.
هكذا، فقد وارت جثمان أبيها لدى شاطئ النهر، مرت عليها ساعات طويلة وهى واقفة بجوار مدفنه لا تغادره، قيل إن عينها لم تذرف عليه قطرة دمع، انقضى العام، قصدت إلى دونشو، وقت أن كان يجمع روث البهائم، والشتاء كان فى أوله. لا أحد يعرف ما الذى قالته له وقتها، لعلها قالت.. «تزوجني!» أو.. «اتخذنى امرأتك.» كذا ببساطة ووضوح، لطالما بقيت صامتة نيمو مدى الأيام حتى لم يعد فى طاقة الكلام عندها إلا القليل. وأظن أنها بالفعل قد دخلت خيمته مع ابنها الذى كان يمضى وراءها ساحبًا ذيل القطعان، ساكتًا مثلها. أما عن رأى والدة دونشو فى الأمر وما انطوت عليه جوانحها من مشاعر تجاهه، فالقارئ يعرف ما الذى يمكن أن تشعر به عجوز تجاه حفيدها الأول، ولا أظنها ترضى بأن تعتبره ولد زنا، بأى حال!
...............................................
إلى هنا فقد انتهت القصة تقريبًا، لكن يبدو أن بعضًا من القراء سيجدون أنفسهم أمام عدد من الأسئلة حول جوانب ذات صلة بتقنية الكتابة وفن السرد، ولنحاول هنا تخيل مثل هذه الاسئلة فى نقاط محددة:
أ. فيما يتعلق ببنية القص، فنحن تقريبًا أمام ثلاث قصص مستقلة عن بعضها البعض، وقلما تنشأ رابطة داخلية بينها، وهذه مسألة تقنية خالصة، سنحاول توضيحها.
ب. فى مسار السرد، أو، خط السرد الرئيسى، نلاحظ أن دونيو يبقى معنا حتى الجزء الأول ثم وبشكل غريب، غير مفهوم، نفقد اتصالنا به فيما يلى ذلك ولا نفهم مثلًا لماذا لم يرسل خطابًا إلى نيمو، على الأقل، ولماذا لم يظهر مرة أخرى فى فصول السرد التالية؟ وتلك مسألة أخرى متصلة بطريقة الكتابة، تحتاج إلى توضيح.
ج. بخصوص المآل السردى [إن جازت التسمية، اصطلاحًا] فلنفترض هنا أن دونيو قد عاد من سفره، تُرى ماذا كان يمكن أن يحدث بين العائد وأخيه التوأم، وبين دونيو وامرأة أخيه نيمو؟ وكيف يمكن تفسير دوافع الشخصيات الثلاثة وعلاقتها بعضها ببعض؟
والنقطة الثالثة، تلك، تقودنا إلى مشكلة تتعلق بكل من تقنية الكتابة وفن السرد معًا.
طيِّب، فلنتأمل أولًا النقطة الثالثة.
أساسًا، فإن دونيو لن يرجع (ولم يكن من المتوقع أن يرجع، وبالتالى، مع استبعاد احتمال رجوعه تصبح الأمور أكثر بساطة) لأنه, وبعد التحاقه بالخدمة العسكرية بقليل, سيلقى حتفه شهيد الواجب، وسيكون على القائد أن يتصرف بإنسانية إزاء الأم المسكينة ويقرر إخفاء الخبر عنها، يقوم سيادته بدور الابن الغائب على مدى عشرة أعوام كاملة، يتولى خلالها إرسال مبلغ ألفى يوان عبر حوالات بريدية، ثم..
تُرى، عزيزى القارئ، هل نحتاج حقًا أن نواصل شيئًا بعد «ثم» هذه؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.