استقرار أسعار الحديد ومواد البناء بأسواق أسوان اليوم السبت 10 يناير 2026    فنزويلا تعلن عودة ناقلة النفط "مينيرفا" إلى مياهها الإقليمية    مصر للطيران تعلن تعليق رحلاتها من وإلى أسوان وأبو سمبل| إيه الحكاية!    أخطر مما تتصور وغير قابلة للعلاج، تحذير هام من الاستخدام اليومي لسماعات الأذن    من الشمال إلى جنوب الصعيد، الأرصاد تحذر من 4 ظواهر جوية تضرب البلاد اليوم    المركزي للإحصاء يعلن اليوم معدل التضخم في مصر لشهر ديسمبر 2025    انتهاء أعمال الصيانة وعودة ضخ المياه تدريجيًا لمناطق الجيزة وقرية البراجيل    مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو لإجراء تحقيق في أحداث الاحتجاجات بإيران    الشوط الأول:؛ دون تشويش بث مباشر.. مباراة الجزائر × نيجيريا | Algeria vs Nigeria في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    17 مكرمًا و15 عرضًا مسرحيً| اليوم.. انطلاق الدورة السادسة لمهرجان المسرح العربي بالقاهرة    بداية ساخنة ل2026.. دخول الذكاء الاصطناعي كل أركان صناعة الترفيه    مجمع البحوث: 90% من المتسولين لا يستحقون الصدقة    هل يجوز قتل القطط والكلاب الضالة؟ دار الإفتاء تحسم الجدل    تحذير أزهري: التنجيم والأبراج كهانة معاصرة تهدم الإيمان وتضلل العقول    تعرف علي القنوات الناقلة والمفتوحة لمباراة مصر وكوت ديفوار    رحلة شاقة تبدأ قبل العام الجديد ب10 شهور.. البحث عن مدرسة    الصين ترد على افتراءات وزير بإقليم "صومالي لاند": مهما فعلتم لن تستطيعوا تغيير الحقيقة    تحالف ثلاثي، رئيسة فنزويلا المؤقتة تكشف نهجها لمواجهة "العدوان الأمريكي"    منتخب مصر يختتم استعداداته لمواجهة كوت ديفوار.. وتريزيجيه يشارك في التدريبات الجماعية    «سيادة جرينلاند».. تدفع أوروبا إلى التكاتف ضد ترامب    تسلل الرعب لصفوف الجماعة.. حملة اعتقالات في تركيا لعناصر إخوانية مصرية    العريس فر بعروسته.. بعد قتله طفلة أثناء الاحتفال بفرحه    القتل باسم الحب.. رفضها لابن عمها ينتهي بمقتل حبيبها بطل الكارتيه    الصحة توفر الأمصال العلاجية مجانًا عبر مستشفياتها ووحداتها الصحية    وزير الخارجية الفرنسي: من حقنا أن نقول لا لواشنطن    «الأعلى للإعلام» يحذف حلقة برنامج شهير لمخالفته لمعايير حماية الطفل    مصرع شخص أصيب بحجر طائش أثناء مشاجرة بين طرفين بقليوب    السكوت عن الدجالين جريمة| محمد موسى يفتح النار على «دكاترة السوشيال ميديا» المزيفين    شرخ فى الجمجمة.. تفاصيل واقعة سقوط قالب طوب على طفل 14 عاما في شبين القناطر    الخطيب: نبنى بيئة أعمال تنافسية تحفز القطاع الخاص.. وتجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة    مصلحة الجمارك تطلق منظومة شكاوي الجمارك المصرية عبر الإنترنت    زياد ظاظا: «يزن» يشبه جيلى.. والتمثيل حلم لم يسرقه «الراب»    بعضًا من الخوف    كأس عاصمة مصر – الثانية للأبيض.. مصطفى شهدي حكما لمباراة الزمالك ضد زد    صلاح يطارد دياز، ترتيب هدافي كأس أمم إفريقيا 2025    أمم إفريقيا - أزمات نيجيريا في البطولات الكبرى لأنهم "على دراية بالتاريخ"    وزير الزراعة: سعر الكتكوت ارتفع من 8 ل35 جنيهًا وكلا السعرين غير عادل    «المالية»: تحقيق فائض أولى 383 مليار جنيه خلال 6 أشهر    المهلبية بالبسكويت.. حلى سهل بطعم مميز    "أنا مش عارف أشتغل".. محمد موسى يهدد بإنهاء الحلقة بعد خناقة على الهواء    المطرب شهاب الأمير يشعل استوديو "خط أحمر" بأغنية "حد ينسى قلبه"    المطرب شهاب الأمير يفتح النار على أغاني المهرجانات: ليست فنًا حقيقيًا    مسؤول سابق بالبنتاجون: ترامب يعتبر نفسه رئيسًا فوق القانون    سيدتان تقتلان سيدة مسنة لسرقة مشغولاتها الذهبية بالفيوم    أوضاع مأساوية في جنوب كردفان... 300 ألف شخص يعانون نقص الغذاء بسبب الحصار    موعد مباراة الجزائر ونيجيريا في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 والقنوات الناقلة    كونسيساو يشيد بأداء الاتحاد في رباعية الخلود ويرفض الحديث عن الصفقات    شعبة مخابز الدقهلية تؤكد التزامها بمواعيد العمل الرسمية    أول امرأة تتقلد المنصب، المستشارة يمني بدير مساعدًا لرئيس هيئة قضايا الدولة    وزارة «التخطيط» تبحث استراتيجية دمج ذوي الإعاقة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية    الصحة: إجراء الفحص الطبي الشامل ل 4 ملايين طالب على مستوى الجمهورية    «الرعاية الصحية» تُطلق مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر _In Egypt We Care»    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    التركيبة الكاملة لمجلس النواب| إنفوجراف    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    حافظوا على وحدتكم    إعلاميون: أمامنا تحدٍ كبير فى مواجهة الذكاء الاصطناعى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بريد الجمعة يكتبه: أحمد البرى
المؤامرة الخفية !
نشر في الأهرام اليومي يوم 03 - 08 - 2018

أكتب إليك حكايتى بلا مقدمات، فأنا شاب تخرجت فى الجامعة هذا العام، وأنتمى إلى أسرة متوسطة، وأبوين متحابين، وليس لى أشقاء، وعرفت أن أبوىّ أنجبانى بعد سنوات طويلة من الزواج، وأنهما ترددا على الأطباء فى بداية حياتهما الزوجية، وخضعا للتحاليل الطبية المعروفة للوقوف على حالتهما الصحية، وأكدت جميعها خلوهما من أى موانع للإنجاب، وكان أبى يشغل وظيفة مهمة بإحدى الوزارات، وجاءه عقد عمل بدولة خليجية، فاصطحب والدتى، واستقرت بهما الحال فى الخارج، ومرت سنوات، وشاءت إرادة الله أن يرزقا بى فى السنة الأخيرة لهما فى البلد العربى، وبعدها عاد أبى إلى عمله، وبرغم أن لى ثلاثة أعمام، فلم تكن لنا علاقة مع أى منهم، واقتصرت علاقتنا على أهل والدتى، فكنت أقضى معظم وقتى مع أبناء خالى وخالتى، ولم أعرف أقارب غيرهم، ولما كبرت ووعيت على الدنيا، سألت أبى عن أعمامى، فقال لى إنهم مشغولون فى حياتهم، وأن بعد المسافة بيننا وبينهم، هو السبب فى عدم التواصل المستمر معهم، حيث إنهم يعيشون فى القرية التى نشأوا وتربوا فيها، واقتصرت علاقتنا بهم على السؤال بالهاتف من حين إلى آخر!
وعندما وصلت إلى المرحلة الثانوية، حاولت التواصل مع أبناء أعمامى، فلم أجد منهم ترحيبا، وأحسست أن ظروفهم المادية سيئة، وأن أبى لم يساعد أيا منهم بالقدر الذى كانوا يتصورونه، بمعنى أنه ظل على الدوام محل طمع منهم، فى حين لم يبذل أى واحد فيهم مجهودا يناسب ما يتطلع إليه من الحصول على المال أو العمل والتعليم، وعبثا حاولت رأب الصدع بيننا، ولكن عزيمة الكبار لم تكن بنفس مستوى محاولاتى، ووجدتنى فى النهاية أستسلم للأمر الواقع، ووجدت ضالتى فى عائلة والدتى التى أحاطتنى بالرعاية والاهتمام، وربطتنى بهم جميعا علاقة صداقة وحب، خصوصا وأن بعضهم يقطنون بالقرب منا، وحصلت فى الثانوية العامة على مجموع أهلنى للالتحاق بكلية شهيرة، وعمت الفرحة بيتنا، ولمحت السعادة فى عيون أبى وأمى، ولمست رضاهما عنى، فزادنى ذلك إصرارا على مواصلة النجاح، والحق أنهما ربيانى تربية صالحة، وشرحا لى حقوقى وواجباتى، فعرفت الالتزام الدينى والخلقى، وعشت فى حالة سلام مع نفسى ومن حولى، ومضت حياتنا فى هدوء، ولم أعش المناوشات المعتادة فى كل بيت بين الآباء والأمهات والأبناء، وكان أول اختبار حقيقى لى فى الحياة هو مرض والدتى، وأنا فى السنة الدراسية الثانية بكليتى، حيث لاحظت شحوب وجهها، واضطراب أبى الذى لازمها يوميا فى التردد على الأطباء والمستشفيات، ولم يطل بها المرض، إذ لقيت وجه ربها راضية مرضية، وكتم أبى أحزانه، وازداد ارتباطا بى، وقد خرج إلى المعاش، وأصبح يقضى معظم وقته فى قراءة القرآن، ومتابعة البرامج الدينية، ولم يكن يقطع صمتنا سوى اتصالات خالى وخالتى وأبناؤهما، ولك أن تتصوّر الحياة بدون «ست بيت» ترعى شئونه، وتسهر على راحة أسرتها، فلقد ذقنا أنا ووالدى الأمرين فى ترتيب أمورنا، وطريقة معيشتنا، وحاولت رفع الحرج عن أبى، ففاتحته فى الزواج من إحدى قريبات أمى لكى تكون لنا سندا فى الحياة، فرفض تماما، وربت على كتفى قائلا: إنه يفكر فى أن يزوجنى من فتاة صالحة وطيبة مثل والدتى رحمها الله، أما هو فلا طاقة له بالزواج من بعدها، وأنه راض بما قسمه الله، فاغرورقت عيناى بالدموع، ولما رفع ناظريه إلىّ، أدرك الحالة التى وصلت إليها، وغيّر مجرى الحديث، وعزمنى على تناول الغداء فى أحد المطاعم الشهيرة، وروى لى الكثير من المواقف التى صادفها فى حياته، والصعوبات التى اعترضت طريقه، لكنه تغلب عليها بالإيمان والعزيمة والإصرار.
ومر عامان على هذه الحال، وازددت التصاقا به، فكنا نجلس يوميا معا، ويفضى كل منا للآخر بما عاشه فى يومه من أحداث، وذات مرة، وبينما كنا نتناول العشاء، أمسك أبى بصدره، وأشار إلى دواء يتعاطاه بانتظام، وطلب منى أن أحضره إليه، لكن حدة الأزمة الصحية زادت عليه، فأسرعت به إلى الطبيب الذى كان يزوره من حين إلى آخر لمتابعة حالته الصحية، وبعد أن فحصه قال إنه فى حاجة إلى جراحة عاجلة، وكتب له تحويلا إلى المستشفى الذى يعمل به، ولما حان موعد الجراحة، انتظرت بالخارج أمام حجرة العمليات، وبعد حوالى ساعة خرج الطبيب، وهو متجهم الوجه قائلا: البقاء لله.. ياربى رحل أبى، كما رحلت أمى، وها أنا صرت وحيدا بلا سند ولا معين، قلتها بصوت مسموع، فتجمع الأطباء والممرضون وبعض المرضى حولى، وحاولوا تهدئتى، وتطوع أحدهم بالإتصال بأقاربى الذين أسجل أرقام هواتفهم على هاتفى، وهناك أرقام أخرى على هاتف أبى الذى تركه معى قبل دخوله غرفة العمليات، وجاء خالى وخالتى، وأحد أعمامى، ونقلوا جثمان أبى إلى المقابر، واقتصر العزاء على تشييع الجنازة، وجاء إبن خالتى الأكبر، ومكث معى فى البيت، ولم تتركنى عائلة والدتى لحظة واحدة بمفردى، أما أعمامى وأهل أبى فظللت على مدى شهرين لا أسمع لهم حس ولا خبر، ثم كانت الفاجعة الكبرى التى تكاد تقضى علىّ، إذ جاءنى عمى الأكبر، وقال لى إن الميراث الذى تركه أبى من حقهم، لأنك لست ابنا له، وأنه تبناك لكنه لم يخبر أحدا بذلك، وأنهم قاطعوه منذ البداية لذلك، فثرت عليه وطردته من منزلى، وأنا أصيح فيه: «وأين كنتم طوال هذه السنين، ولماذا لم تفتحوا هذا الموضوع فى وجوده هو وأمى رحمها الله؟»، وبلغ الخبر خالى، فذهب إلى القرية التى يعيش فيها أهل أبى، والتقى بكبار عائلته، فأنكروا على عمى الأكبر صنيعه، ووصفوا ما فعل بأنه «مؤامرة خفية» لكى أعطيهم جزءا من الميراث الكبير الذى تركه أبى، وانتشر الخبر فى القرية، ولك أن تتخيل ما يمكن أن يترتب عليه من أقاويل، وافتراءات لا أساس لها من الصحة، لكنه الطمع فى مال زائل.. والله يا سيدى لو أن عمى هذا أو أعمامى كلهم طلبوا منى أن أعطيهم كل ما أملكه على سبيل الهدية، أو الهبة لفكرت فى الأمر بجدية، لكن أن تصل الحال إلى حد التشكيك فى نسبى لمجرد الطمع فى ثروة أبى، فهذا ما لا أقبله، وقد أدركت الآن سبب الجفاء بينهم وبين أبى، وخصوصا منذ إنجابى، فلقد كانوا ينتظرون اليوم الذى يرحل فيه عن الحياة لكى يستأثروا بكل شئ، لكنها إرادة الله عز وجل الذى خيّب ظنهم، ورد كيدهم فى نحورهم.
لقد طار النوم من عينىّ، ولا يشغلنى شىء سوى هذه المؤامرة التى حاول عمى الأكبر تدبيرها ضدى، ونسيت أحلامى فى العمل والزواج والحياة، وبرغم يقينى فى أنّ ما حاول إلصاقه بأبى وأمى بأنهما تبنيانى، و لست من صلبهما، محض افتراء، فإننى أريد أن يعرف أولاده حقيقة أبيهم، وكم أود أن تنقشع هذه السحابة من عائلتنا، وأن تمتد جسور الصلة بيننا، ولكن كيف السبيل إلى ذلك، وقد أعمى الطمع قلبه، وتسبب فى انهيار علاقة عائلتى أبى وأمى؟، فأرجو أن تشير علىّ بما يمكن أن أتخذه من خطوات تعيد إلىّ توازنى المفقود؟، وتبين لعمى خطأه الفادح فى حق شقيقه الراحل، ولك الشكر والتقدير.

ولكاتب هذه الرسالة أقول:
قد يصاب الإنسان بخيبة أمل ودهشة، من موقف أقرب الناس إليه، فينعكس ذلك عليه بشكل سيئ، وقد يصاب بالأمراض والهواجس وتنتابه الحسرة لموقفهم الغريب منه، والمعاند له، ولكن عليه أن يتماسك، وأن يضع الأمور فى حجمها الصحيح، ولا يتأثر بكلامهم، ولا يعبأ لمؤامراتهم، ولنا فى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة فى ذلك عندما آذاه قومه، وأخرجوه من أرضه وسلطوا عليه سفهاءهم، فلقد حزن حزنا عظيما، فأنزل الله قوله تعالى: «أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا، فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يشاء فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ» (فاطر 8)، وقوله أيضا: «وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ» (النحل 127)، وهذا هو الدرس العظيم الذى نستقيه مما تعرض له الرسول، ومن ثمّ فلا تأبه للمؤامرة الخفية التى حاول عمك أن يحيكها ضدك، لكى يشل تفكيرك، ويجعلك مضطربا، فلا تهنأ بمال أبيك، ولا تسعد بنجاحك فى دراستك، وتتطلع إلى تحقيق آمالك وأحلامك، فكن ذا صدر واسع، لا تهزك الزوابع، وكن جبلا شامخا لا يعلوه التراب، ولا يمسك الماء بقممه بل يرسلها للسهول لترتوى، وتذكر قول النبى بعد الأذى الذى تعرض له على يد «قريش»: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون»، ولما طرد من الطائف وكان ب «قرن الثعالب»، وجاءه جبريل معه ملك الجبال فقال يا محمد: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فقال: «لا إنى لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا».
إنك على حق بكل تأكيد، وما قاله لك عمك، ليس له أساس من الصحة، وإلا لقال لك خالك وخالتك، أن ما قاله صحيح، ولما سجلك والدك باسمه، لو أنه تبناك من إحدى دور الأيتام، إذ كان بإمكانه أن يسجل لك كل ما يريد بيعا وشراء دون أن ينسبك إليه، من منطلق أن التبنى حرام، وأن الكفالة هى الأصح لمن فقدوا آباءهم وأمهاتهم، وفى ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: «ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِى الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ»(الأحزاب5).
إن الإنسان يمر فى حياته بابتلاءات عديدة، و لعل أصعب ابتلاء قد يمر به هو تشويه سمعته، كما حدث من عمك الذى لا أدرى كيف طاوعه قلبه أن يتهم شقيقه الراحل بتبنيك وليس إنجابك من صلبه، ولماذا لم يواجهه بذلك، وهو على قيد الحياة، لكى يرد عليه بالحقائق الدامغة التى تدحض هذا الاتهام؟، ولكن أما وقد دحض خالك اتهامه على رءوس الأشهاد، ولم يستطع الرد، فإن عليك أن تبدأ صفحة جديدة تماما، وأن تنسى هذا الكلام تماما، وأن تعمل بنصيحة رسول الله: «اتقِ اللهَ حيثما كنت، وأتْبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالِقِ الناسَ بخلق حسنٍ»، فإذا كان عمك قد أُسِاءَ إليك، فعليك أن تعفو وتَصفَحُ عنه، وقد امتدَحَ الله العافِين عن الناس، فقال فى صفات أهل الجنةِ: «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (آل عمران134(، وقال الله تعالى: «وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى» (البقرة237).. إن العفْوُ من صفات العزة يومَ القيامة، لأن العفوَ هو أن تترُكَ معاقبةَ كلِّ من يستحق العقوبة وأنت قادر على عقوبته، فعن عبدالرحمن بن عوف رضى الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَنقُصُ مالٌ من صدقةٍ، فتصدَّقوا، ولا يَعفو عبدٌ عن مَظلمةٍ، إلا زادَه اللهُ بِها عزّا يومَ القيامةِ، ولا يفتَحُ عبدٌ بابَ مسألةٍ، إلا فتحَ اللهُ عليهِ بابَ فقرٍ»، والهدفُ من العفوِ هو الإصلاحُ، فإن لم يتحقَّقِ الإصلاحُ مع تَكْرارِ العفوِ، وتمادى المُسىء فى إساءتِه، إلى درجةٍ تتسبَّبُ فى الأذَى البالغِ لمن أسىء إليه، فهنا وجبَ الأخذُ بالحقِّ، والمطالبة بعقوبة المسئ، بمعنى أن الإصلاحُ واجب، والعفوُ مندوبٌ، فإذا كان فى العفو فواتُ الإصلاحِ، فمعنى ذلك أننا قدَّمْنَا مندوبًا على واجبٍ، وهذا لا تأتى به الشريعةُ، وقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغِى للمؤمنِ أن يُذلَّ نفسَه، قالوا: وكيف يُذلُّ نفسَه؟ قال: يتعرَّضُ من البلاءِ لمَا لا يطيقُ».
أَيْ: إن الإنسانَ لا ينبغى له أن يترُكَ نفسَه تتعرضُ للإساءة والإهانة باستمرار، مُتَّسمًا بالعفو فى موضعٍ لا يؤدِّى العفوُ لإصلاح، زاعمًا أن الشرعَ حثَّ على العفْوِ، بل ينبغى أن يكون المسلمُ عزيزًا بدينِه وتسامحِه، وإذا تحوَّلتِ العزةُ بالعفوِ إلى ذِلَّةٍ وإهانةٍ، فهنا وجَبَ عليه أن يقف وقفةً حازمة، فالله - عز وجل - عادلٌ لا يقبل الإهانةَ والذلَّ، وكما حث سبحانه على العفو، فقد حث أيضًا على القِصاص والأخذِ حينما يَستدْعى الأمر ذلك.
وقد حذَّر رسول الله من يؤذون المسلمين قائلاً: «يا معشرَ مَن أسلمَ بلسانِه، ولم يُفضِ الإيمانُ إلى قلبِه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيِّروهم، ولا تتَّبعوا عَوراتِهم؛ فإنه مَن تتبَّع عورةَ أخيهِ المسلم، تتبَّع الله عورتَه، ومَن تتبَّع اللهُ عورتَه، يفضَحه ولو فى جَوفِ رَحْلِه».
إن القصاص لا يعنى عدمَ المسامحةِ فى القلب، بل تتم المسامحة فى القلب مع أخذِ الحقِّ بالجوارحِ؛ ردعًا وزجرًا للمسىء؛ ليتوقفَ عن إساءتِه، وليس انتقامًا منه.
والسؤال:ما هو الواجبُ بعد أخذِ الحقوق وردعِ المسيء؟.. والإجابة أن الأمر يعتمد على مدى الإساءةِ، وهل كان الأخذ سببًا لردع المسىء أم لا، فإن تحقق الإصلاحُ، وتم ردع المسىء، فينبغى على المُسَاءِ إليه أن يعفوَ، ويصفحَ ويسامحَ.. أما إن لم يتحقَّقِ الإصلاح، واستمر المسئ فى قناعاتِه بأنه غيرُ مُخطئٍ، واستمر فى إساءتِه، فهنا وجَبَ تجنبُه؛ اتِّقاءً لشره وأذاه، وقد اعتبر النبى صلى الله عليه وسلم من يتجنَّبه الناس اتِّقاءَ شرِّه وفُحْشِه، من شِرارِ الناس منزلةً عندَ اللهِ يومَ القيامة، فقال: «إن شرَّ الناسِ عند اللهِ منزلةً يومَ القيامةِ مَن تركَه الناسُ اتِّقاءَ شرِّه».. وتحضرنى قصة سيدة تعرضت لظلم مستمر من الأهل، وقالت عن تجربتها: « لقد كنت دائمًا أعفو وأسامحُ، ورأوا هذا ضعفًا فى شخصيتى؛ فزادوا فى الإساءةِ، حتى اعتبروا أن العفوَ حقٌّ مكتسَبٌ لهم، وأنه ليس من حقِّى حتى الحزنُ على إساءتِهم، وزادَتِ الإهانةُ، والتجريحُ، لدرجةِ أنهم اغتصبوا بعضَ حقوقي، وتعدتِ الإساءةُ إلى زوجى وأولادي، وكان هذا الموقِف بالنسبة لى كالقَشَّة التى قصمَت ظهر البعير، وهنا قررتُ أنه لا بد من وقفةٍ حازمة لوضعِ الأمورِ فى نِصابِها، وطالبت باعتذار عما تعرضتُ له من إهانةٍ وتجريحٍ، ورفضت أن أردَّ على الهاتف، وأخبرتهم أنى لن أتواصل صوتيًّا حتى يتم الاعتذارُ، لعلمى أن المكالمةَ الهاتفيَّة قد تفسد أكثرَ مما تصلحُ؛ بسبب تسلُّط شخصيتِهم ورفضِهم الاعتذارَ، ومرَّ عامان تعرضْتُ فيهما للكثير من الاتهامات والإساءات، واتُّهمتُ بأنى قاطعةٌ للرَّحمِ، وأن قلبى مليءٌ بالحقدِ لرفضى العفوِ، وبعدَ عامين من استمرارِ التجريحِ والإساءةِ لى - فى غيابى حتى امتلأَت قلوبُ بعضِ المعارف بالشحناءِ تجاهى جاءَ الاعتذارُ جبرًا للموقفِ، مع الإصرارِ على أنهم لم يُخْطِئوا فى حقي، وهنا لم يكن هناك بُدٌّ من الاقتصارِ على الواجبِ فى الصلة والبرِّ، وهو السلامُ عن طريقِ الهاتفِ، كما أشار عليَّ كلُّ من استشرتُ من أهل العلم، ولم أعُدْ أبالى بما يُقال عنى فى غيابي، ولا ما يرسل لى من رسائلَ تتهمُنى بالحقدِ والعقوقِ وقطيعةِ الرَّحمِ، ولا أملِكُ غيرَ الدعاءِ بأن يكفِيَنى اللهُ إياهم بما شاء، وكيفما شاء، وأينما شاء».
من هذا المنطلق أطالب عمك بالاعتذار عما سبَّبه لك من أذى، وعما قاله فى حق أبويك ظلما وبهتانا طمعا فى أن يأخذ ما ليس له حق فيه، فإن اعتذر، فأرجو أن تفتح معه صفحة جديدة، وإن تمادى فى ظلمه، فاترك أمره لله، وانس كل ما فات، وعش فى هدوء واطمئنان واستشرف المستقبل بقلب صاف، وعقل واع، وفقك الله وهداك إلى سواء السبيل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.