ما إن لامست فرقة الجيش الشاطئ الجنوبى حتى بدأ يحن للأهل. كان الوقت وقت حصاد، وهو مع ذلك يحمل سكينه الحادة ويزداد عن البيت ابتعادا. فيما مضى كان يفصل بينه وبين البيت سهل مستوٍ صغير كحقل قمح، والآن صار السهل سهلين وبينهما نهرٌ، نهرٌ صغير يصل الماء فيه إلى الكاحل أو الركبة صانعا تموجات تحدث وميضا. فى ماء النهر كان يرى بيته ووجه أمه الخشن وجديلة أخته الصغيرة وجسم أبيه المقوس. ومع التوغل أكثر نحو الجنوب، اقتربت خيام العدو وبدت أشبه بقرية عامرة لا يفصل بينها وبين فرقته سوى تل أجرد منخفض، قرب المسافة بين الفريقين جعله يسمع بوضوح صوت ضحكات العدو وسعاله. عند الغروب هبت من التل الأجرد روائح أرز وطعام وخمر وربما لحم أيضا. كانت الرائحة قوية تملأ الأرجاء حتى إنها اندفعت مباشرة نحو أنفه فازداد الحنين للأهل توحشا. كان يربط حول خصره ثلاثة أكياس لا ينزعها عنه أبدا حتى عند النوم، كيس من الخيش به أرز، وآخر للماء هو قربة من جلد يسمع لها عند سيره رجرجة، أما الكيس الثالث فكان لحفظ الآذان. كيس الآذان بالغ الصغر دقيق الصنع رقيق له حواشٍ تتدلى منه، ومطرز عليه ورود، لكنه ما إن يفتح ويقرب من الأنف حتى تنبعث منه رائحة كريهة. لم يكن فى كيس الآذان سوى آذان، الأذن اليسرى فقط لكل جندى من جنود العدو لقى حتفه على يديه. كان يعرف جيدا تاريخ كل أذن ويذكر بوضوح تلك العينين المذعورتين اليائستين وهو يهوى بسكينه على عظام الرأس. تلك العيون الصافية كحجر كريم وتلك الأجساد التى تشبه نمرا صغيرا قد ولد لتوه. والآذان......! آذان غضة وجميلة، رقيقة وحساسة، كلها الآن اسودت أو صارت رمادية اللون، تزاحمت وانكمشت وتعفنت، كل واحدة فيها تمثل حياة ماتت. قال لهم القائد من يقتل عشرة من جنود العدو فله بضع قطع فضية وفرصة للعودة للديار. هو بحاجة للنقود وبحاجة أكثر للعودة. فى الليل يرقد فى خيمته وقد أفرغ الكيس ورص الآذان فى صف، يعدها من اليسار لليمين ومن اليمين لليسار فيجدها ستا فى كل الأحوال، بدت الآذان فى شكلها وقد التصقت بالأرض وكأنها انتبهت وراحت تصيخ السمع، لكنها فى الحقيقة لم تعد تسمع أيا من أصوات العالم. كان نور الشمس ضعيفا عندما اندفع مرة أخرى نحو ساحة القتال، درعه أشبه بجدار متحرك من الحديد والنحاس، وسكينه الكبيرة تومض هنا وهناك، والدم يتناثر فى كل مكان. لم تستمر المعركة طويلا، هُزم العدو شر هزيمة وتفرق شمله حتى لم يعد جيشه جيشا. وعلى مرمى البصر لم يعد يبصر سوى ما تبقى من جثث متفرقة والسهل وقد تطاير التراب فيه فى كل اتجاه، وبعد أن مسحوا ساحة المعركة جيدا قال لهم القائد إن المعركة القادمة ستكون على بعد مائة كيلو من هنا. سمع ذلك فتبدلت ملامحه فجأة غير أن يده لم تتوقف عن لف سكينه بخفة لتسقط أذنا فى كيسه. قتل ثلاثة من الأعداء، أصبح لديه الآن تسع آذان، لكن لا فرق لديه بين تسع آذان وأذن واحدة. عندما استأنفت الفرقة التقدم نحو الجنوب فكر أنه قد لا يعود لبيته أبدا. إنه بحاجة إلى أذن واحدة. أذن لجندى واحد من جنود العدو. أذن يسرى، الأذن مكافأة، إطلاق سراح، طريق العودة للبيت، إنها البيت، أمه وأبوه وأخته الصغرى وحبيبته، دخان الفرن والحقل والكلب والفأس. الأذن هى النهاية وهى البداية، هى الفرار من الموت، هى الحياة المستقرة الحرة. فى الليل احتفلوا وأشعلوا خارج الخيام حطبا، وفوق الحطب وضعوا اللحم لشيه، وانطلق الضباط والجنود على سجيتهم وفاحت رائحة الخمر النفاذة فى المكان. أتوا على نصف جرار الخمر فانسل هو عائدا إلى خيمته وفتح كيس الآذان وأفرغ محتوياته. وضع الآذان جنبا إلى جنب فى صف واحد ومد أصبعه يعدها، يعدها من اليسار إلى اليمين مرة ومن اليمين لليسار مرة فيجدها تسعا فى كل مرة. بدأ يمسح دموعه وراح يبكى بصوت خفيض ثم لم يلبث أن أجهش بالبكاء حتى انقلبت ملامحه وبدأت تتوحش، نظر خارج الخيمة فوجدهم يتمايلون يسارا ويمينا من أثر الشراب، بدت له جرار الخمر الملقاة هنا وهناك كأنها رءوس مقطوعة الآذان رفع سكينه وأصر على أسنانه من الألم و...... قدم الكيس لقائده الذى راح يعد الآذان بحرص شديد، وبعد أن انتهى من عدها رفع رأسه ونظر إليه فجفل، سأله هل جرح؟ فأجابه بأنه جرح صغير. سأله ثانية هل جرحت أذنه؟ فأجابه نعم. كان الدم قد تسرب خارجا فتلونت الضمادة باللون الأحمر وكأنه قد رسم لنفسه أذنا من الدم. تنهد الضابط المسئول عن مراقبة المعارك قائلا: حسن.. يمكنك فى صباح الغد أن تعود مع عربة الحبوب......إن أشد ما يخشى فى الحرب هو الشوق للديار. أليس كذلك؟ ألقى الضابط بالآذان العشرة فى قلب النار ورسغه يرتعش ارتعاشة خفيفة فازدادت النار توهجا وكأنها يد امتدت نحو السماء وانبعث منها صوت فرقعة متزامنا مع انبعاث رائحة نفاذة غريبة. ولكن...... لم يكن هناك غد؛ فعند الفجر باغتهم هجوم عنيف، كانت أسلحة العدو فتاكة تنهال عليهم من كل اتجاه. لا أحد يعرف كيف استطاعوا أن يجتازوا مسافة المائة كيلو فى يوم واحد. عندما انتبهوا لما يجرى لم يروا سوى غابة من الرماح، وسهاما تغطى وجه السماء وتحجب الشمس. باغتتهم الحرب فاضطربوا وجزعوا حتى إن أكثرهم قتلوا فى خيامهم، رائحة الخمر لاتزال فى الأجواء والرماد لايزال دافئا، جثث الرفاق تكومت بعضها فوق بعض. تراقصت سكينه فى الهواء، فقتل بها جنودا لا يحصيهم عداً، لكنه لم يكن يرى أى بصيص من أمل ورفاقه يتساقطون واحدا بعد الآخر والخيام وكأنها بحر من نار. رأى قائده وقد اخترق رمح حلقه وقطعت ذراعه اليمنى، رأى سهما نافذا دخل من عين مراقب المعارك اليسرى ثم خرج من مؤخرة الرأس......كان يرى جنود العدو المسلحين كموج يتدافع، كل موجة أعلى من سابقتها، ثم رأى سكينا تقترب منه لتشق صدره على مهل. كان هو آخر من سقط، أبيد جيشه عن آخره.. رأى ثلاثة أكياس تتأرجح على خصر، وصدرا قد برزت عضلاته وكتفين عريضتين قويتين، رأى وجها شابا ذكيا وسكينا حادة ملطخة بالدماء. كان الجندى يحدق فى وجهه وهو يقول: ألم تمت بعد؟ ضحك. فلأزيدك طعنة بسكينى إذن، ثم اندفع نحوه بوجه شيطانى ورفع يده لتشق سكينه صدره، ألم رهيب والسكين تمزق القلب، لكنه ظل واعيا، أحيانا يكون الموت أمرا صعبا بشكل غير عادى. نزع الجندى السكين من صدره ونظر بسرعة إلى رأسه وقد تغيرت تعبيرات وجهه وراح يمزق الضمادة فى جنون، عندئذ تبدلت ملامحه تماما وسقط منهارا ثم بدأ يمسح دموعه وشرع يبكى بصوت خفيض ثم لم يلبث أن أجهش بالبكاء. انقلبت ملامحه وبدأت تتوحش. نهض الجندى ورفع سكينه عاليا ثم...... صرخ الجندى: أماه: وأذن يسرى تسقط فى كيسه.