بدء اختبارات الدفعة الثانية لبرنامج القيادات البترولية الشابة والمتوسطة    القوى العاملة : تعيين 335 شاباً بأسوان    «رجال الأعمال»: الصناديق العقارية من أهم أدوات السوق    روسيا تُسجل 17 ألفا و906 إصابات جديدة بفيروس كورونا    بلينكين يؤكد على قوة الشراكة البولندية الأمريكية لحلف شمال الأطلسي    بايدن يناشد الأمريكيين للإسراع فى الحصول على اللقاحات المضادة لكورونا    منظمة التعاون الإسلامي تستنكر استمرار الحوثيين استهداف المدنيين بالسعودية    موعد مباراة الأهلي والترجي في دوري أبطال أفريقيا    يورو 2020| مواجهة ساخنة بين إسبانيا وبولندا    اليوم.. الزمالك يبدأ استعداداته لمواجهة المقاصة    80,3 % نسبة النجاح في الشهادة الاعدادية بدمياط    الاثنين بداية فصل الصيف.. 5 نصائح من الأرصاد    اليوم.. محاكمة المتهم بخطف محام وقتله وحرق جثته    إلهام شاهين وليلى علوي تستعدان لحضور تكريم اسم الراحل محمد الصغير في المغرب    خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف.. الفساد صوره ومخاطره    تعرف على أسعار الأضاحي في مصر 2021    نبيلة مكرم: الاتفاق على إمداد الدارسين بالخارج بمادة إعلامية متكاملة    وزير المالية: الموازنة الجديدة تحمل أخبارا سارة للموظفين وأصحاب المعاشات    الأرجنتين ضد أوروجواي.. ميسي يحطم الأرقام القياسية وسقوطه يثير الرعب "صور"    صور.. الدبلومات الفنية 2021| طلاب منشأة ناصر يؤدون أول امتحان    إصابة 4 أشخاص فى حادث اصطدام ملاكى بعمود إنارة بقنا    السكة الحديد تعلن تأخر حركة القطارات على خط «بنها - بورسعيد» 35 دقيقة    مايان السيد تدعم طليقة تميم يونس: الاغتصاب الزوجي جريمة    شقيقة محمد حلاوة لياسمين عبد العزيز: بقينا سعداء واحنا بعيد عنك (فيديو)    رئيس جامعة حلوان لمصراوي: الأعلى للجامعات يجتمع بعد قليل لتحديد موعد تطبيق تعديلات نظام الدراسة    دليل أولياء الأمور في حالة تأخر الطفل عن تناول جرعة من التطعيمات الإجبارية    فحص 60 ألف سيدة منذ مبادرة العناية بصحة الأم والجنين في الدقهلية    طبيب يكشف مفاجأة عن متحور "دلتا".. ويحذر هذه الفئة (فيديو)    هل القرآن من كلام النبى محمد (صلي الله وعليه وسلم)    موعد مباراة فرنسا ضد المجر في كأس أمم أوروبا    مصرع 7 أشخاص وإصابة 13 آخرين جراء تحطم طائرة في سيبيريا الروسية    مهرجان الطبول الدولي يسدل ستاره بمشاركات متميزة وتكريمات    البرلمان الكندي: ملء سد النهضة دون اتفاق دولتي المصب مخالف للقانون الدولي    بدء امتحان مادة الفقه لطلاب القسم العلمى فى أول أيام الثانوية الأزهرية    لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه.. الطمع ظلمات    بث مباشر.. حركة المرور بطريق إسكندرية الزراعى فى أول أيام الأسبوع    فوز إبراهيم رئيسي في انتخابات الرئاسة الإيرانية ب17 مليون صوت    ألمانيا تسجل 1108 إصابات جديدة و99 وفاة بفيروس كورونا    الصحة تكشف عن تراجع جديد في إصابات كورونا    مواقيت الصلاة بمحافظات مصر والعواصم العربية.. السبت 19 يونيو    دعاء الرسول في الكرب والهم والحزن    برج العقرب اليوم...عليك الحذر ولا تفرط في ثقتك بنفسك    الزمالك يبحث عن بديل ساسي    أحمد وفيق خلال تكريمه بمهرجان الإسماعيلية السينمائي: أنحاز للجمهور    فيديو.. المفتي: الانضمام لجماعة الإخوان حرام شرعا    رئيس جامعة القاهرة يوجّه باستمرار تطوير البنية التحتية لمركز التعليم المدمج    عبدالمنعم فؤاد ردًا على تجاوزات مفتي إثيوبيا: عليه توجيه النصيحة لحكومته.. والإمام الأكبر تكلم وفقا لمسئوليتة الدينية    بعد تحقيق كأس الطائرة| فتحي: تتويج الزمالك أفضل رد على المشككين    شومان عن تطاول مفتي إثيوبيا على شيخ الأزهر: "حكومتكم ليس في عدل النجاشي وتسير على نهج أبرهة"    "المهن الموسيقية" تعتذر عن خطأ نعى وفاة مجدي بولس.. والفنان: أنا حي وبخير الحمد الله"    التنمية المحلية: مركز سقارة ينظم 3 دورات تدريبية الأسبوع المقبل    كوبا أمريكا | إيقاف «مهاجم بوليفيا» لانتقاده «منظمي البطولة»    ضبط 2 طن دواجن فاسدة بالقاهرة    الصحة: تسجيل 589 حالة إيجابية جديدة بفيروس كورونا.. و31 حالة وفاة    الأنبا باسيليوس يتفقد مبنى التنمية بالإيبارشية    إطلاق مشروع مصري لمكافحة الملاريا بجنوب السودان    وقف التأشيرات المؤقتة للمسافرين إلى مطار أديس أبابا بإثيوبيا    إبراهيم عيسى يكشف سر اعتذار أحمد وأمير مرتضى منصور عن عدم الظهور معه في البرنامج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





قوةُ مصر الناعمة.. أفكارٌ وتساؤلات

حول هذا الموضوع دارت إحدى ندوات الصالون الثقافى لمكتبة الإسكندرية صباح الأربعاء الماضى فى مسعى الإدارة الجديدة للمكتبة للمزاوجة بين الانفتاح على العالم بطروحاته ومتغيراته الجديدة جنباً إلى جنب مع الانشغال بقضايا وطنية مصرية خالصة. تضمنت الندوة شقين أولها للأكاديمى الأمريكى «أوس جنيس» متحدثاً عن تحديات قضية الحرية فى أمريكا، والشق الثانى خُصِص لموضوع القوة الناعمة لمصر. والواقع أن موضوع قوة مصر الناعمة هو نفسه موضوع نهضة مصر وتقدمها وإلهامها وتأثيرها لكن خارج حدودها. وهنا تكمن الإشكالية لأننا حين نتحدث عن تقدمنا أو تراجعنا فى أى مجال من مجالات العلوم أو الفنون أو الآداب أو الرياضة أو التعليم أو السياسة أو الفكر أو الإعلام، فنحن فى الواقع نتحدث أيضاً عن قوة مصر الناعمة فى الخارج. نعم كان لمصر قوة ناعمة ملهمة ومؤثرة فى محيطها العربى بل ولا مست هذه القوة أحياناً ما وراء العالم العربى من خلال الدور التاريخى للأزهر فى العالم الإسلامي. المطلوب اليوم هو إجراء مقاربة جديدة لقوة مصر الناعمة بلا جلدٍ للذات ولا تجاهل للمتغيرات.
فى موضوع القوة الناعمة كلامٌ نظريٌ كثير يُقال، مهمٌ بالطبع من زاوية التفكير العلمي. فالذين اهتموا بالمصطلح من الباحثين الغربيين وضعوا مؤشرات لقياس القوة الناعمة لدولة ما، من هذه المؤشرات السياسى والثقافى والعسكري، يتفاوت عددها من باحث لآخر لكن المؤكد أنها تضم أشكالاً شتى وصلت فى التقرير الدولى الأخير Soft power الصادر فى يوليو هذا العام إلى حد إدراج فنون المطبخ ضمن مؤشرات القوة الناعمة ربما وصولاً لأصدق قياس واقعى للقوة الناعمة لدى كل الشرائح والأجيال! وبصرف النظر عن عدد هذه المؤشرات بل وعن مدى إمكان قياس مؤثرات وظواهر إنسانية معظمها ثقافى وفنى وترجمتها إلى أرقام وجداول وتصنيفات حتى أصبح العالم مهووساً بهذا النوع من التقارير الدولية السنوية فيما تضمه من مؤشرات وتصنيفات فى كل كبيرة وصغيرة فى حياة الشعوب.. أقول بصرف النظر عن كل هذا، فالمؤكد أن مفهوم القوة الناعمة أمر حقيقى ولو أنه نسبى ومتغيّر. كان الأستاذ بجامعة هارفارد Joseph Nye ( عمل مساعداً لوزير الدفاع الأمريكى فى حكومة بيل كلينتون) هو الذى قام بصك المصطلح فى كتابه الشهير «القوة الناعمة ، وسائل النجاح فى السياسة الدولية». يختزن المصطلح بعداً سياسياً مضمراً بالحديث عن دور المنظمات السياسية وغير السياسية حتى ولو بدت أقل شفافية- بحسب كلمات من صكوا المصطلح ذاته- لممارسة التأثير والضغط كنتيجة للقوة الناعمة. رؤية جوزيف ناى ليست مقدّسة بالطبع ولا تفسر لنا فى كل الأحوال ما تتمتع به بعض الدول من ترتيب متقدم وفقاً لمؤشر القوى الناعمة فى السنوات الأخيرة مثل السويد والدانمارك والنرويج بالرغم من أنها لا تمتلك القدرات الاقتصادية والعسكرية والثقافية للتأثير والضغط التى تمتلكها دول مثل أمريكا أو بريطانيا أو فرنسا. أصبح لمثل هذه الدول فى شمال أوروبا حضوراً لافتاً فى العالم. فما هو إذن المعيار الحقيقى للقوة الناعمة بعدما صارت مصطلحاً أرهقته المؤشرات ومناهج التحليل السياسى ومساحات الجدل الأكاديمى والفكري. مثال ذلك إشارة البعض إلى القوة الناعمة لتركيا ربما وفقاً لتقرير سابق بينما تقرير مؤشرات القوة الناعمة لعام 2017 ، قد وضع تركيا ضمن آخر ثلاث دول فى القائمة التى تصدرتها فرنسا هذا العام.
ثمة تفرقة واجبة ابتداء بين منبع القوة الناعمة وبين مظاهرها وأدواتها. هاتان مسألتان مختلفتان ومتتاليتان الأولى تحدّد مسار الثانية. منبع القوة الناعمة، وأساسها أن نمتلك فكرةً تُلهم من حولنا، هذه الفكرة الملهمة هى التى تبث فى العقول والنفوس التأثير وكل ما عدا ذلك يأتى تالياً. من هنا السؤال هل ما زالت مصرتمثل قوةً ناعمة فى محيطها العربى ؟ إجابة السؤال تستدعي- إثباتاً أو نفياً- رصد حقيقة لافتة بل مدهشة وهى أن الأفكار أو الإلهامات الخمسة التى صاغت الوعى العربى طوال القرن العشرين وحتى الآن قد انطلقت من مصر فصنعت قوتها الناعمة.1- كان التنوير هو الفكرة الملهمة الأولى التى عرفتها مصر وصدّرتها إلى محيطها العربى فى النصف الأول من القرن العشرين. 2- جاءت القومية العربية فكرةً ملهمةً تالية لمصر حين نجح عبد الناصر فى تحويلها إلى مشروع ملهم (بصرف النظر بالطبع عن مدى نجاح المشروع) لكن المؤكد أن مصر ألهمت محيطها العربى بالفكرة القومية فتوالت الثورات والانقلابات والحركات التى تماهت مع الدور المصرى الجديد. 3- ثم كانت الفكرة/ الانقلاب فى التصالح مع إسرائيل على يد أنور السادت والتى برغم أية اختلافات بشأنها لم تلبث بعد سنوات قليلة من المعارضة العربية أن أصبحت فى العالم العربى وجهة نظر وربما ما هو أبعد من وجهة النظر! 4- جاء الإسلام السياسى ليمثل بدوره من خلال جماعة الإخوان المسلمين فكرة تم تصديرها واستقبالها فى العالم العربى لتصبح تنظيماً أممياً له فروع فى كل الدول العربية تقريباً تدين بالولاء الفكرى وربما التنظيمى للمركز فى مصر. والمفارقة أنه حين انتكست فكرة الإسلام السياسى فى مصر انتكست فى اليوم التالى فى العالم العربى ! 5- ثم كانت الفكرة الملهمة الخامسة التى صدّرتها مصر إلى محيطها العربى هى فكرة الثورة فى عام 2011 إذ سرعان ما تطايرت الشُرر والتهبت مشاعر الجماهير فى أكثر من بلد عربى حتى كادت أن تصل إلى الأرض المحتلة فى فلسطين ذاتها ! صحيح أن تونس كانت هى الأسبق لكن ما حدث فى مصر بدا هو الأعمق. ولهذا فحين استكانت الأمور فى مصر ساد الهدوء الثورى فى العالم العربي. ولعلى أضيف أيضاً فكرة سادسة تكاد تُشكل جزءا من الوعى العربى وهى أن مسارعة المؤسسة العسكرية المصرية إلى الاحتكام إلى أسس الدولة الوطنية والتصدى لأى محاولات للاختراق أو إثارة الفوضى سرعان ما جعلت دولاً كثيرة تنتبه إلى مخططات واحتمالات شتى. ماذا يعنى كل هذا ؟
ما سبق يعنى بتجربة الواقع ودلالة المنطق أن مصر برغم إنهاكها الاقتصادى وتدهور نظامها التعليمى وتراجع منظومة القيم فيها ما زالت دولة ملهمة فى محيطها العربى فمنها خرجت الأفكار الخمسة الأكثر تأثيراً فى محيطها العربى على امتداد قرن من الزمان. السؤال الواجب والشائك- سؤال اللحظة- هو ما إذا كانت مصر تمثل اليوم بالفعل قوة مؤثرة وملهمة فى محيطها العربي، أم أننا نعيش حقبة أفول قوة مصر الناعمة؟ الواقع أن مصر ما زالت تمتلك جذوة الإلهام والتأثير، وككل جذوة فإن ما ينقصها هو إشعالها من جديد. إحياء وتعظيم قوة مصر الناعمة يعنى ابتداء أن نثق بأنفسنا ثقة مصحوبة بمراجعة الذات دونما استعلاء أو شوفينية. فمصر برغم كل صعابها صاحبة ثالث أكبر اقتصاد عربى بمعيار الناتج القومي، وهى تصدر وحدها أكثر من نصف ما يصدره العرب سنوياً من كتب وفقاً لمؤشر حركة التأليف والنشر فى كل التقارير العربية والدولية، وسجلها يحتوى على أربع جوائز نوبل. لكن هذا بالطبع لا ينفى التراجع الثقافى الذى دلّل عليه د. ممدوح حمزة بورقة علمية مزوّدة بالأرقام، ولا التراجع التعليمى الذى أشار إليه د. حسام بدراوي، مؤكداً أنه يمكن أن يتحوّل من مأزق إلى فرصة، ولا إشكالية الحرية كمفترض للإبداع التى تحدثت عنها المناضلة اليسارية أمينة شفيق. التحدى الذى نواجهه يبدأ باستنهاض دورين لا ينفصلان، دور الدولة ودور المجتمع. أحدهما لا يصنع وحده قوةً ناعمة. فالدولة أولاً مطالبة بأن تقوم هى بالثورة على ترهل وشيخوخة وعدم كفاءة الكثير من مؤسساتنا. هذا يعنى بأوجز تعبير ممكن أن الإصلاح (بالقطعة) فى الكثير من المؤسسات والمجالات قد يحتاج إلى مائة عام مقبلة، ونحن لن ننتظر كمومياوات كل هذا الزمن. حسناً يرى البعض أن التحول الديمقراطى وإقامة مجتمع الحريات هو أحد أهم عناصر القوة الناعمة، كثيرون من المشاركين فى ندوة مكتبة الإسكندرية أكدوا ذلك، وهذا بالفعل صحيح، وكل مؤشرات القوة الناعمة تضع هذا العنصر فى صدارتها، لكن علينا فى الوقت ذاته أن نتذكر أن دولةً مثل الاتحاد السوفيتى السابق كانت تمثل يوماً ما نموذجاً للقوة الناعمة بقدر ما كانت تمثل أيضاً نموذجاً لنظام شمولى قمعي. واليوم لدينا الصين التى تتقدم أكثر فأكثر كقوة ناعمة بل وساحرة برغم أنها مازالت لا تعرف التعددية السياسية ولا حريات الرأى والتعبير. هذه الإشكالية التى أشار إليها بحق د.مصطفى الفقى فى إدارته للندوة تدعو إلى مراجعات ومقاربات جديدة بشأن مفهوم القوة الناعمة. فلم يقدم الاتحاد السوفيتى سابقاً ولا الصين اليوم الكوكاكولا، أو البيتزا، أوالجينز، أو السينما المبهرة، لكنهما قدما إبداعاً إنسانياً مؤثراً فى مجالات كثيرة. مرة أخرى ما العمل ؟ طرح د. أحمد يوسف أفكاراً حول آليات تنشغل بموضوع القوة الناعمة، واعتبرت د. علياء المهدى أن القوة الناعمة لا تُفرض بقرار، ومعها حق لأن القوة الناعمة ليست سوى نتيجة لمجموعة من الأسباب. فلنغيّر الأسباب إذن حتى تتغيّر النتائج. جزء من هذه الأسباب يثير استنهاض دور المجتمع كما الدولة سواء بسواء.
لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم;


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.