ارتفاع أسعار النفط بعد تراجع ترامب عن تهديداته بفرض رسوم جمركية جديدة    استقرار اسعار الذهب اليوم الخميس 22يناير 2026 فى محال الصاغه بالمنيا    فولفو تكشف عن سيارتها الكهربائية الجديدة إي.إكس 60    ديلي ميل: ترامب يريد تقديم مليون دولار لكل مواطن في غرينلاند    وول ستريت جورنال: الولايات المتحدة تعتزم تغيير النظام في كوبا    بدء امتحان مادة الدراسات الاجتماعية لطلاب الشهادة الإعدادية بالجيزة    السيطرة على حريق بسيارة بمدينة السادات فى المنوفية    تجديد حبس عاطلين متهمين بقتل مسنة وسرقتها بعد تخفيهما بنقاب في بولاق الدكرور    حالة الطقس اليوم.. الأرصاد تحذر من أجواء مغبرة    حسام حسن: الاستعداد لكأس العالم بدأ.. والمواهب المصرية تحتاج للاحتراف الخارجي    أسعار الأسماك فى أسيوط اليوم الخميس 2212026    اللواء عادل عزب: 25 يناير لم تكن ثورة مكتملة.. والإخوان خططوا ل«أخونة المجتمع»    أسعار الخضروات فى أسيوط اليوم الخميس 2212026    دونالد ترامب: الرئيس المصري قائد عظيم وركيزة للسلام في الشرق الأوسط    محمد علي السيد يكتب: طقوس.. قصص قصيرة..    لبلبة من «المسار» إلى «الزمن الجميل»… اعترافات إنسانية وتكريم تعتبره الأهم في مسيرتها    تعرف على مواقيت الصلاة اليوم الخميس 22-1-2026 في محافظة الأقصر    الاحتلال يستأنف عدوانه العسكري في جبل جوهر والمنطقة الجنوبية من مدينة الخليل    انتظام حركة القطارات من أسوان للوجهين البحري والقبلي اليوم الخميس 22 يناير 2026    مرشح فلسطين الرسمي للأوسكار: عرض فيلم «فلسطين 36» للمخرجة آن ماري جاسر في رام الله    طقس اليوم: دافئ نهارا شديد البرودة ليلا بأغلب الأنحاء.. والعظمى بالقاهرة 24    بعد قفزة أمس القياسية، تطورات مفاجأة في سعر الذهب اليوم بعد تراجع ترامب عن الرسوم الجمركية    أكسيوس: ترامب والأمين العام لحلف الناتو ناقشا مبدأ احترام سيادة الدنمارك على جزيرة جرينلاند    الأول حقق العلامة الكاملة، أول ناديين يتأهلان رسميا لدور ال 16 بدوري أبطال أوروبا    ملتقى الدمى الخامس يكرّم رواد فنون العرائس في الوطن العربي    بمعرض فني ومحاضرة توعوية.. قصور الثقافة تختتم القافلة الثقافية الثالثة للمرأة بالإسكندرية    ضبط مهندسة منتحلة صفة طبيب بمحافظة بورسعيد.. صور    برشلونة يفوز على سلافيا براج برباعية في دوري أبطال أوروبا    أبطال أوروبا - بمشاركة صلاح.. ليفربول يقترب خطوة من ثمن النهائي بثلاثية ضد مارسيليا    الزمالك يوضح موقف سيف جعفر من الرحيل عن النادي    ضبط سلع غذائية منتهية الصلاحية ومجهولة المصدر بدمياط    أبطال أوروبا - بايرن ميونيخ يحسم تأهله لثمن النهائي.. ويوفنتوس يحقق انتصاره الثالث على التوالي    أبطال أوروبا - فريقان إلى ثمن النهائي.. وقمة حاسمة و5 هدايا منتظرة في الجولة الأخيرة    ستارمر: تهديدات ترامب لن تجعلنا نتراجع عن موقفنا تجاه جرينلاند    ترتيب دوري أبطال أوروبا بعد الجولة السابعة.. بايرن ميونخ يتأهل رفقة أرسنال    سوق الأسهم الأمريكية تنتعش بعدما ألغى ترامب الرسوم الجمركية المتعلقة بجرينلاند    منهم عدوية شعبولا وإخوته، نجوم الأغنية الشعبية يواسون رضا البحراوي في عزاء والدته بطنطا (فيديو)    فن الهروب من الأسئلة الثقيلة    تراجع المبيعات المؤجلة للمساكن في أمريكا بأكثر من المتوقع الشهر الماضي    احذري، نقص البوتاسيوم يعرضك لمشاكل بالقلب والأعصاب    اتصال بين قائد «سنتكوم» والشرع لبحث وقف النار ونقل معتقلي «داعش»    «في يدي مكنسة» جديد محمد السيد الطناوي بمعرض الكتاب    10 فوائد ل شوربة العدس في فصل الشتاء.. تعرف عليها    مجلس الدولة يوقع بروتوكول أكاديمي مع الجامعات الأوروبية بمصر    أحمد موسى عن القمة المصرية الأمريكية في "دافوس": ترامب معجب جدًا بالرئيس السيسي    القومي لذوي الإعاقة يشارك في فعاليات معرض الكتاب    كيف يتم احتساب زكاة شهادات الاستثمار والودائع البنكية؟.. أمين الفتوى يجيب    هل قص الأظافر ليلاً مكروه؟.. أمين الفتوى يجيب    مباراة نارية الليلة.. بث مباشر مشاهدة النصر وضمك مجانًا في دوري روشن السعودي    وكيل الأزهر يستقبل وزير الشؤون الدينية بولاية صباح الماليزية لبحث سبل التعاون المشترك    وكيل قصر العيني: قسم طب العيون بالكلية يلعب دورا هاما في مجال زرع القرنية    علاج المواطنين مجانا بقافلة طبية بقرية في الشرقية    إعلام الشرقية ينفذ 3 ندوات توعوية تستهدف 400 مستفيد    وصول الأنبا يوآنس مطران أسيوط إلى النمسا للاطمئنان على صحة البابا تواضروس    رئيس جامعة أسيوط يشهد افتتاح المؤتمر العلمي السنوي لقسم الأمراض الجلدية    السعودية تمنع بث الصلوات عبر الوسائل الإعلامية خلال رمضان    ما حكم الصيام تطوعًا في شهر شعبان؟ وما هى الأيام المنهى عن صيامها؟    نقابة الإعلاميين تُخاطب الوسائل الإعلامية لتقنين أوضاع العاملين بها في الشُعب الخمسة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



القاهرة في ذاكرة سيف الرحبي
نشر في الأهرام اليومي يوم 15 - 07 - 2012

يرتبط اسم سيف الرحبي بشعر الحداثة في سلطنة عمان‏,‏ واحدا من المتمردين علي التقاليد الشعرية الطويلة الأمد‏,‏ والحالمين بشعر جديد مغاير‏,‏ وكتابات لها نكهة المغامرة ودهشة الاكتشاف‏.‏ وهو في كتابه الجديد: القاهرة أو زمن البدايات يعود إلي مختزنات الذاكرة, ليطل من جديد- حيث هو الآن نضجا واكتمال عمر وخبرة- علي سنوات تكوينه المعرفي والعاطفي والوجداني الأولي- في السبعينيات-, فيدرك أن القاهرة كانت هي البوابة بالنسبة له نحو العالم بما يعنيه من سياسة وحداثة أدبية وفكرية, وهي البداية الحقيقية للتعرف علي الذات جسدا ومشاعر, وكذلك علي الآخر أو العالم- ليس ذلك الغربي البعيد كما درجت الدلالة- إنما العربي أيضا الذي ننتمي إلي لغته وإرثه وثقافته.
فقد كانت عمان- كما يقول عنها- قبل سبعينيات القرن المنصرم, علي نحو من عزلة قسرية, وانغلاق حرمها لفترة طويلة من هذه المعرفة والتقابل الطبيعيين.
وفي القاهرة- التي عاش فيها السبعينيات بتحولاتها والتباساتها الكثيرة- كانت هذه المرحلة من حياته, هي الوحيدة علي هذا النحو من الاستمرار الزمني, والتماسك, في المكان الواحد.
ولأن الكتاب أشبه ما يكون باللوحات المعبرة, المختلطة بأمشاج من قصائد الشاعر وطيوفه الكونية والإنسانية المصاحبة, فإن سحر الكتاب يظل في حميميته, وتعبيره عن الوجوه التي صاحبت الشاعر في سنواته القاهرية, وارتبطت بها مغامراته وغزواته- في الليل والنهار- وفي الأماكن التي ارتبطت بها حيوات عديد المثقفين والفنانين والمبدعين.
أترك سيف الرحبي لوصف ارتطام وجدانه لأول مرة بالقاهرة, قادما من بيروت, وهو يقول: اتجهنا نحو القاهرة, ونزلنا بادئ الأمر بفندق في العتبة, وفي الصباح حين فتحت الشبابيك, شاهدت صخب ميدان العتبة يلتصق بعنان السماء. كل شيء يختلط بكل شيء, والألفة الحميمية والشتائم تجرف الجميع. هذه القاهرة, سأقضي فيها ثمانية أعوام, يمكن القول إنها من أجمل سنوات العمر وأكثرها حضورا وحنينا وتأثيرا, قبل الأفول الماحق لسنين أخذت تهرب بسرعة البرق من بين أيدينا ونحن نرقب المشهد في ذهول منكسر, نري الشرر والشظايا تتطاير في الفضاء ونعرف أنها أرواحنا. أبناء جيل ومرحلة- كما المصنفون- انفرط عقدهم قبل الأوان. بعدها سأتجه إلي دمشق إثر عمل تمهيدي في دولة خليجية.
وصولا إلي قوله:مواطن الخطوة الأولي لا شك ستقود إلي هاوية خطوات لا حصر لها, ستقود إلي تيه الخطوة. لقد قصفنا المسافة بأحلام الشعراء, والأكيد أنها قصفتنا, فمكمن الخطورة كلها في تلك الخطوة الأولي, هذا ليس بالتنظير, وما حاجتنا إلي ذلك أمام هذه الحيوات المحتدمة بأباطرة عابرين, وإنما كلام الخطوة الأولي وهي تنغرز في عنق المضيق. وتري الصحراء محمولة علي قرون الأكباش.
بعد سنين, سنين من البرد والمسافة والحنين, تعود إلي مواطنك الأولي, وتغمض عينيك علي عاصفة ستقتلعك بعد قليل إلي رحيل آخر. منازل تصطفق أبوابها, دائما في أعماق الريح, بجانب رأسي.
هكذا تمضي بنا لغة سيف الرحبي وسحر لوحاته البديعة عن قاهرة السبعينيات, ونحن نطالع من خلالها الوجوه والأماكن التي استوقفته, وسبقت غيرها إلي الظهور: أمل دنقل وعلي قنديل وغالب هلسا وسارتر ونجلاء فتحي وأروي صالح, وسكة القطارات في بولاق, وسينما سفنكس, وحديقة الميرلاند, وغيرها من الوجوه والأماكن.
بضربات قليلة من ريشته المصورة, يرسم سيف الرحبي شخوص عالمه وأماكنه, لا يحتاج إلي سرد طويل أو ثرثرة, يكفيه أن يلتقط اللمحة الدالة, والقسمة المعبرة, لتتجسد لنا الشخصية بلحمها ودمها, وصدقها وحرارتها, وزهوه وتمايزها, في نبل وجسارة. يقول- مثلا- عن غالب هلسا, الروائي والثوري والمناضل الأردني: منذ انفصاله المبكر عن بيئته الولادية في الأردن, صارت القاهرة مسرح حياته وحريته الإبداعية وسجنه. صار جزءا من نسيج هذه المدينة الشاسعة المتشظية, من أحلام نخبها وطليعتها في السراء والضراء, في خوض غمار التجربة والإبداع.
منذ هجرته المبكرة الأولي, صار الراحل الكبير لا تحده حدود الجغرافيا والأقاليم العربية والبشرية المصطنعة, صارت جغرافيا الخيال والأحلام واللغات سكناه الأساسي ومضارب عشيرته المبعثرة في أصقاع الأرض والتاريخ.
يصف سيف الرحبي مسيرة غالب هلسا في الرواية من خلال رواياته الثلاث: الخماسين والضحك والروائيون, بأنها مسيرة روائية غابية( نسبة إلي الغابة) شديدة الغني والأصالة بالمعني المفارق. تشكل ملحمة الزمن العربي الراهن بتخلفه وحداثته المكسوة بأفراده وجماعاته, بمدنه وصحرائه الموصدة الأبواب.
في ختام لوحته البديعة عن غالب هلسا يقول: في القاهرة, هذه المدينة التي أحببناها حتي الوله والتكرار يحضرني غالب هلسا, يحط طائر روحه علي شجر الخريف الزاحف.
مثل هذا الكتاب الذي يتوهج بالسرد والشعر والرسم والنقد, ويمتلئ بالحس الإنساني والحضاري والسياسي لصاحبه, تبدو القاهرة لنا- نحن القاهريين- مدينة تستيقظ في صباح جديد, ثم تغتسل حتي تكون أنظف وجها, وأرق التفاتة, وأغني حضورا. أمثالنا يعيدون اكتشافها وامتلاكها- إن استطاعوا- من خلال كتابات غير القاهريين عنها, العابرين فضاءها لمدة تقصر أو تطول. وتلك هي الإضافة الثرية والجميلة التي يسخو بها سيف الرحبي علي قاهرتنا في السبعينيات, المستقرة في ذاكرتنا.
المزيد من مقالات فاروق شوشة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.