كثيرًا ما يحلو لنا نحن المتثاقفين المدّعين أصحاب الكلام- تكرار مقولة أحمد شوقى فى مجنون ليلى (اختلاف الرأى لا يفسد للود قضية)، أو مقولة الإمام الشافعى (قولى صواب يحتمل الخطأ.. وقول غيرى خطأ يحتمل الصواب).. دون أن نكون مؤمنين بالمقولتين بجد، أو واعين معنييهما الحقيقيين.. وهكذا نظل مصرين على ادعاء تبنى حرية الرأى مع أننا لا أحرار ولا حاجة ! الأمثلة على ذلك كثيرة.. ويمكن الحديث عن قفة مملوءة بالأمثلة، إلا أنه نظرًا إلى ضيق المساحة قد يجوز الاكتفاء هنا بمواقف ثلاثة تضج بها الآن الساحة السياسية فى مصر، وأدت إلى صخب هائل، وضجيج مدو بينما الطحين قليل. المشهد الأول ما جرى قبل أيام بين أساتذتنا القضاة وأساتذتنا نواب البرلمان، فيما يتعلق بتعديلات قانون رئاسة الهيئات القضائية، والتى أقرها البرلمان رغم معارضة السادة القضاة. لقد قال البعض إن المستهدف هو تقليص استقلالية القضاء والانتقاص منها، بينما رأى آخرون أن الأمر لا يعدو كونه مجرد إعادة تنظيم وصولًا إلى المزيد من تحقيق العدالة الناجزة. ماشي.. هناك خلاف.. فما المشكلة؟، فليدل كل من الطرفين بدلوه ويطرح حججه، أما أن ينتهز البعض تلك المحاورة بين القضاة والبرلمان كى يصطاد فى الماء العكر ويزيد الطين بلة، فهذا ما لا تحتمله مصر أبدًا فى هذا الوقت بالذات. ومن المعروف فى كل الديمقراطيات الحديثة أن مثل هذا الجدل يقع دائمًا، لكنه أبدًا لا يتحول إلى سعى نحو هدم الأوطان أو تعطيل عمل المؤسسات. وارجعوا إن شئتم إلى المجادلات والمناقشات فى كل برلمانات العالم ( المحترمة) وسوف تجدون من أمثال هذا الكثير كلما طرحت السلطة التنفيذية قانونًا ما على البرلمان، لأن الديمقراطية هى بالأساس لعبة صراع بين المصالح، ولكل فريق وجهة نظره ومكاسبه التى يسعى للحفاظ عليها، ثم يأتى الحوار الحضارى الناضج فيحسم الخلاف، وصولًا إلى الحلول الوسط، وتلك هى فحوى القول الشهير إن «السياسة هى فن الممكن». فماذا وجدنا عندنا؟ لقد دخل كل من هبّ ودبّ فى الحوار، وصرنا أمام معجنة من الكلام كادت تعطل المراكب السائرة فى البلد، ثم ها هما طرفا الحوار على وشك الوصول إلى الحل الذى يرضى الطرفين، وتلك هى أصول الديمقراطية.. وإذن فلتصمت أصوات المزايدين والمهرتلين ودعاة التحرر المزعوم. العقل البشرى توصل فى العصر الحديث إلى مبدأ عبقرى لا تقوم للديمقراطية قائمة بدونه، وهو مبدأ «الفصل بين السلطات»، إلا أن هذا الفصل لا يتم هكذا تلقائيًا أو ببركة دعاء الوالدين، بل من خلال أخذ ورد، ومناقشات، وضغوط، ومقايضات، وِ«هات وخذ»، ومن ثم لا يصح أبدًا أننا مع كل قانون يطرح على المجلس النيابى يجب أن نقطع ملابس بعضنا البعض. وما ينطبق على المثل الأول ينطبق أيضًا على المثل الثاني، وهو ما يشاع عن أن الحكومة تسعى هذه الأيام إلى قصقصة ريش الأزهر الشريف، من خلال تشريع جديد يحد من سلطاته ونفوذه.. فهل هذه حقًا هى الحقيقة.. أم أن المسعى هو مزيد من التنظيم لأداء تلك المؤسسة العظيمة التى تفاخر بها مصر بقية الأمم؟ هناك معارضون للتشريع الجديد.. أهلًا وسهلًا.. لكن هناك أيضًا مؤيدين.. أهلا وسهلًا.. ما المشكلة؟ لماذا يصر البعض على افتعال «خناقة»؟ فليجلس علماؤنا الأجلاء الأفاضل مع نواب البرلمان ويتفاوضوا وصولًا إلى إقناع الطرف الآخر وتنتهى القصة.. ما المشكلة؟ إن الشخصنة والعناد والثأرية، وتصور كائن من كان أن هذا البلد ملك له هو وحده لن يترتب عليه إلا الخراب.. والكل سيخسر.. فأين إذن مقولة الإمام الشافعي، أو بيت شعر شوقي؟ لا يمكن لعاقل فى هذا البلد أن يتصور أن مصر ستضحى بأزهرها الشريف؛ مصدر عزها وفخارها ووسطيتها واعتدالها، كما لا يمكن فى الوقت نفسه اتهام علماء الأزهر الشامخين بالاستعلاء أو الرغبة فى الاستئثار وفرض الرأي.. فليجلس الطرفان معًا ويتحاورا، وصولًا إلى حل يضمن تحقيق التقدم فى مسعى تجديد الخطاب الدينى المنشود، ويضمن فى الوقت نفسه بقاء الأزهر على مبادئه الثابتة ورؤيته. تصوير كل محاورة فى المجتمع بين طرفين على أنها شجار ولى ذراع ( وإما أن أحصل على كل شيء أو لا شيء) هو منتهى السطحية والسذاجة، ويقود البلد إلى مآزق لا حدود لها وهو أصلًا لا تنقصه المآزق. إن علينا أن نتعلم فضيلة التفاوض، فتلك هى سمة العصر الحديث، حيث لم تعد الأمور تحسم بالطرق القديمة وفرض الرأى والمشاكسة بل بالمحاورة الهادئة المنطقية.. ولعل الإعلام عندنا يعى هذه الحقائق فلا يسكب البنزين على النار! وأما المثال الثالث، فهو ما يتردد الآن عن رغبة البعض فى بيع الجنسية المصرية لمن يدفع أكثر.. فهل هذا حقًا ما يبتغيه مقدمو قانون (الإقامة مقابل الوديعة)؟ هل الأجهزة الأمنية بالبلد بتلك السذاجة التى تسمح لمخربين وإرهابيين بالدخول إلى الوطن بهذه البساطة لتخريبه؟ علينا أن نكون منطقيين ونحن نناقش تلك الأمور.. وحبذا لو تركنا الأمر لأصحابه، فلا نسمح لمشعلى الحرائق بحرق الوطن. هناك أفكار كثيرة يموج بها المجتمع الآن، وهناك تصورات عدة لحل المشكلات العويصة التى تواجهنا.. ما المشكلة؟ فليطرح كل فريق حججه ومبرراته، وفى النهاية يتوصل المجتمع إلى ما يراه فى صالحه، أليست هذه هى أهم تجليات ( رأيى صواب يحتمل الخطأ .. ورأيك خطأ يحتمل الصواب)؟.. أما البجاحة والفتونة وسياسة ( اطلع لى برّه).. فليس لها إلا اسم واحد؛ هو «البلطجة».. فهل نحن بلطجيون؟ لمزيد من مقالات سمير الشحات