متحدث الشباب يكشف أسباب طلب البرلمان تعديل قانون الرياضة (فيديو)    رئيس الوفد يفتح باب التظلمات من الفصل المخالف للائحة    إدارة شرق تفتتح معرضا لقسم الموهوبين والتعلم الذكي بالإسكندرية    وزير التربية والتعليم يوجه المديريات بتسليم الكتب للطلاب دون تأخير    أخبار مصر اليوم.. تعليمات هامة من وزير التعليم للمديريات بخصوص الترم الثاني.. وتحذير عاجل من الكهرباء للمواطنين بخصوص فواتير الاستهلاك    الديهي: خبر مقتل سيف الإسلام القذافي يشعل موجة من عدم الاستقرار في ليبيا    طبيب الأهلي يكشف تفاصيل إصابة زيزو    الزمالك يعلن تعيين أيمن حفني مديرًا فنيا للأكاديمية    بعد حجز القضية للحكم، العقوبة المتوقعة لقاتل صغير الإسماعيلية    عبد اللطيف: الحفاظ على هيبة المعلم وتطبيق لائحة الانضباط المدرسي بحزم    محامي شيرين عبد الوهاب يصدر تحذيرا شديد اللهجة.. لهذا السبب    جمال رائف: فتح معبر رفح من الاتجاهين يعزز حق العودة ونجاح للدبلوماسية المصرية    أحمد كشك مفاجأة مسلسل «أب ولكن » في رمضان 2026    أحمد رشاد ل الشروق: حقوق الملكية الفكرية ما زالت التحدي الأكبر أمام صناعة النشر رغم خطوات التقدم    نجوم ودبلوماسيون ووزراء في عرض خاص لفيلم زاهي حواس    أخطاء تصنع فجوة بينك وبين أبنائك في الإجازة، وهذه طرق إصلاحها    يامال يقود تشكيل برشلونة أمام ألباسيتي في كأس الملك    اللواء 444 الليبي ينفي علاقته بمقتل سيف الإسلام القذافي    4 مسلسلات تعرض على قناة ON في رمضان 2026.. رأس الأفعى وكلهم بيحبوا مودي الأبرز    على من يجب الصوم؟.. أمينة الفتوى تجيب    بالرقم 90.. الهلال السعودي يقدم كريم بنزيما لوسائل الإعلام.. صور    جراحة دقيقة تنقذ شابًا من ورم بالمخ في مستشفيات جامعة قناة السويس    إخلاء سبيل الفنان محمود حجازي في واقعة التعدي على فتاة داخل فندق    وزير الرياضة يكرم أبطال المنتخبات القومية الحاصلين على ميداليات عالمية    وزير السياحة يشهد مناقشة رسالة دكتوراه حول إدارة التراث الحضاري واتساقها مع أهداف التنمية المستدامة    بعثة المصري تطير إلى جنوب أفريقيا استعدادًا لمواجهة كايزر تشيفز بالكونفدرالية    فان دايك يكسر الصمت: لا أزمات داخل ليفربول والانتقادات جزء من اللعبة    ضبط المتهم بقتل شاب جامعي بسبب الإتاوة في السيدة زينب    أمين عام حزب الله اللبناني يدعو للضغط على إسرائيل وأمريكا لتنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية    رسميا.. بيراميدز يتعاقد مع الموهبة الأردنية عودة الفاخوري    ما حكم العمل كصانع محتوى والتربح من الإنترنت؟.. أمين الفتوى يجيب    هل الشهرة مقصد شرعي أم فتنة يجب الحذر منها؟.. أمين الفتوى يجيب    الهلال الأحمر: استمرار تدفق المساعدات الغذائية والطبية لغزة    «الحوار للدراسات»: الاتفاق السوري مرجح للفشل بسبب غياب التوافق    إخلاء سبيل سائق وآخر في جريمة العثور على جثة فتاة بحقيبة فى الإسكندرية    1872 اعتداءً خلال شهر واحد.. الاحتلال والمستوطنون يصعّدون عدوانهم ضد الفلسطينيين في يناير    وزارة التموين تُطلق خطة «أهلاً رمضان» لضمان وفرة السلع واستقرار الأسعار    مخالفات لعقارات سكنية فى أحياء الجيزة.. والمحافظ يتدخل    حفل افتتاح النسخة الثانية من ملتقى إعداد القادة «قادة بإرادة» بجامعة القناة    القومي للأشخاص ذوي الإعاقة يلتقي مساعد وزير العدل لحقوق الإنسان    مصر تبحث مع البنك الدولي الجهود المشتركة لتعزيز التنمية الاقتصادية والاستثمارات المناخية    الأنوار المحمدية ترسم البهجة في أورام الأقصر احتفالًا بليلة النصف من شعبان    وزير الثقافة يقرر تعيين الدكتورة نبيلة حسن رئيسًا لأكاديمية الفنون    وزير العدل يوقع مع النائب العام القطرى اتفاقية المساعدة القضائية المتبادلة    إزالة 5 حالات تعد ضمن حملات الموجة 28 في أسيوط    غلق منزل كوبري التسعين الجنوبي 3 أسابيع (تفاصيل)    الأزهر للفتوى: تحويل القبلة يؤكد وسطية أمة الإسلام والعلاقة الوثيقة بين المسجدين الحرام والأقصى    تجديد حبس خفير لاتهامه بالشروع في قتل زميله بالصف    ماذا ينتظر إبراهيم عادل في أيامه الأولى مع نورشيلاند؟    الفلسطينيون القادمون من غزة يشكرون الرئيس السيسي: الله يحفظه ويبارك فيه    بيطري قنا ينجح في تحصين 86 كلباً ضالاً ضمن حملة مكبرة    وزير الزراعة يشارك في افتتاح «فروت لوجيستيكا 2026» في برلين.. ويؤكد: نستهدف تعزيز نفاذ الصادرات المصرية للأسواق الأوروبية    رئيس الوزراء يتابع مستجدات ميكنة منظومة التأمين الصحي الشامل    توقيع مذكرة تفاهم بين مصر والسويد لدعم الشراكة في المجالات الصحية والطبية    وزير الري: مصر لن تقبل المساس أو التفريط في أي قطرة من مياه نهر النيل    الحكومة تسحب مشروع قانون المرور لتقديم نسخة جديدة ل"النواب"    فايننشال تايمز: خطة أوكرانية غربية للرد على أي خرق روسي لوقف النار    دعاء استقبال شهر رمضان.. كلمات إيمانية لاستقبال الشهر الكريم بالطاعة والرجاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من طبائع الاستبداد إلى صنائعه !
نشر في الأهرام اليومي يوم 11 - 03 - 2017

هناك كتب طبعت ونشرت بوسائل بدائية منذ آلاف السنين، بدءا من الكتابة على الطين وورق البردى وجلود البقر ولم يفقدها التاريخ صلاحيتها، بل عبرت العصور بكامل عافيتها، مقابل كتب نشرت على ورق صقيل وبأرقى تقنيات الطباعة لكنها فقدت صلاحيتها فور نشرها، وحين نتذكر كتاب الموتى الفرعونى ومطارحات الثالوث الإغريقى الخالد سقراط وأفلاطون وأرسطو وأساطير السومريين وما أنجزه الصينيون القدماء وغيرهم من حضارات الشرق نجد انها تبدو كما لو ان من كتبوها كانوا قادمين من المستقبل حتى فى المجال العمراني، فإن الاهرام وسور الصين وقنوات الرى اليونانية وفن التحنيط تبدو اقرب الى المعجزات البشرية من العجائب، لهذا ارى ان كتابين على الاقل صدرا قبل اكثر من قرن، أحدهما بالعربية لعبد الرحمن الكواكبى هو «طبائع الاستبداد» والآخر لجوستاف لوبون وهو «سايكولوجية الجماهير» قد يعبران عن الراهن اكثر من مئات الكتب التى تصدر الآن، بالرغم من الفارق بينهما، فكتاب الكواكبى يتعذر على من يحققه ان يحذف مفردة واحدة منه، لكن كتاب جوستاف لوبون كما يقول كاتب مقدمته اوتو كلينبيرج يجب ان يقرأ قراءة نقدية بسبب ما طرأ على السايكولوجيا من تطور وما اضيف اليها من كشوفات .
وما كتبه الكواكبى قبل اكثر من قرن كان عن طبائع الاستبداد، ولم يكن التاريخ قد أنجب بعد من زواج سفاحى مع الاستبداد ما اسميه صنائع الاستبداد، فالتطور الذى اوصل الرأسمالية والنظم الاوتوقراطية والباترياركية والثيوقراطية الى حدّ غير مسبوق من التوحش افرز نمطا من التصنيع، شمل الاستبداد والطغيان وشحذ نزعة التملك حتى اقصاها، مما دفع عالم نفس هو اريك فروم الى تأليف كتاب بعنوان «ان تملك او ان تكون»، وفيه إحالة متعمدة الى المقولة الشكسبيرية الشهيرة عن سؤال الوجود وهو ان تكون او لا تكون تلك هى المسألة .
الكواكبى الحلبى الذى فرّ من الشام ولاذ بمصر فى ايام العثمنة والتتريك وجد فى مصر الحاضنة والرافعة شأن ابناء جيله ممن هاجروا الى مصر، ورغم اهمية كتبه الاخرى ومنها اليوتوبيا القومية المتخيلة بعنوان «ام القري» الا ان طبائع الاستبداد تبقى الاشدّ نفوذا وجاذبية، لأن الرجل رأى فى الاستبداد سلالة ولم يتحدث عنه كما يتحدث الناس فى أيامنا عن الفساد وكأنه مجهول النسب، بحيث تنصب اللعنات كلها وبصورة تجريدية على الفساد ولا تصل هذه اللعنات الى الفاسدين انفسهم، فالاستبداد شرّ أنجبه اب اسمه الظلم، وام اسمها الإساءة، واخ اسمه الغدر، واخت اسمها المسكنة، وعم اسمه الضرّ، وخال اسمه الذل، وهو بدوره انجب توأما احدهما اسمه الفقر واخته اسمها البطالة .
وقد تبدو شجرة عائلة الفساد مُتخيلة او إسقاطا عضويا على مفاهيم تاريخية، لكن الحقيقة هى ان السياقات المتداخلة للفساد شأن كل الظواهر هى الرؤية البانورامية الشاملة للمشهد من كل زواياه ، وما كتبه الكواكبى قبل اكثر من قرن عن الاستبداد والدين واستثمار المتطرفين والغلاة للدين لتبرير الاستبداد يبدو طازجا وكأنه فرغ من كتابته بالأمس القريب.
فى تلك الآونة كانت بواكير النهضة وتباشيرها تمهد لقيامة عربية لولا ان الإجهاضات المتعاقبة ادت الى تأجيلها، فالمهاجرون من بلاد الشام الى مصر قبل اكثر من قرن لم يكن عددهم يتجاوز واحدا بالألف من عدد المهاجرين الآن بسبب الازمة المستفحلة والمتفاقمة فى سوريا، لكنهم أنجزوا أضعاف ما يمكن ان ينجزه مهاجرو القرن الحادى والعشرين ربما لأن مصر كانت المجال الحيوى الذى يتيح لهم التعبير عن كل ما لديهم من ممكنات، سواء فى الصحافة او المسرح والسينما، ولا يغيب عنا فى هذا السياق ان سليمان الحلبى الذى قتل الجنراك كليبر بوازع وطنى هو شريك الكواكبى فى مسقط رأسه وكذلك السهروردى المقتول الذى كان اخر ما كتبه بدمه على حائط الزنزانة : ارى قدمى أراق دمى .
ومنذ طبائع الاستبداد فى زمن الانتداب والوصاية والارتهان وامتصاص نخاع الشعوب حتى صنائع الاستبداد فى زمن العولمة مضى قرن كانت تقاويمه كلها غارقة فى الدم، من حربين عالميتين الى عشرات الحروب المتباعدة والموضعية، وحدث ما يشبه القطيعة مع هؤلاء الرواد الذين انتهوا الى نهايات تراجيدية ودفعوا ثمن الرنين الذى صدر عن الأجراس التى قرعوها بقوة، والكواكبى - كما يلوح من مقارباته ذات الصلة بالدولة - قرأ ابن خلدون قراءة معمقة وغير افقية كما يفعل معظم الأكاديميين، واخذ عنه مقولات منها ما يتعلق بعدوى الاستبداد حين تصيب حتى ضحايا الاستبداد، وكذلك النفاق الذى كان اقصر طريق معبد الى السلطة وابن خلدون كان من اوائل الذين تحدثوا عن خريف الدولة ، ونذر انهيارها وفرّق بين الطبع والتطبع، تماما كما ان الكواكبى فرّق بين المجد والتمجد، فالمجد يصنعه ابطال وطنيون يضحون بحياتهم، بينما التمجد يحاول صناعته أتباع أذلاء يصلون الى الحكم على صهوات خيول الغزاة او دباباتهم لا فرق !
وان كنت قد اشرت الى التزامن بين صور طبائع الاستبداد وسايكولوجيا الجماهير لجوستاف لوبون فذلك لأن ما يحدث الآن يشبه الى حد كبير ما اشار اليه لوبون فى زمانه، وهو دور الميديا المؤدلجة والمدججة بالبروباجاندا فى شحن الرأى العام بكل ما هو مضاد لمصالحه الوطنية والقومية والإنسانية، لأن امثال جوبلز وجدانوف لم تمت نظرياتهم فى التضليل معهم، وهناك اطراف متخصصة فى تمديد صلاحية التضليل وإعطاب البوصلات وخلط الأولويات لكن من خلال التلاعب بتواريخ الصلاحية .
والغرب الذى يزعم انه يعانى من فائض الليبرالية والشفافية والديمقراطية اصبحت له مصانع ومختبرات خاصة لتصنيع الاستبداد خارج حدوده لأنه من خلال ظلاله واصدائه وسماسرته يستطيع الاستمرار فى النهب والتمدد والتحكم عن بُعد، واذا كان عرب الالفية الثالثة بحاجة الى قيامة قومية تخرج النهضة المفترى عليها من سباتها فإن حروب الاستقلال التى خاضوها لم تكتمل بعد، لأن النوستالجيا الامبراطورية والكولونيالية لم تغادر رءوس هؤلاء الذين لا يطيقون الاعتراف بأن ضحاياهم لعدة قرون بلغوا رشدهم الوطنى والتاريخى واعلنوا الفطام عن الحليب السّام !!
لمزيد من مقالات خيرى منصور;


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.