ارتفاع أسعار الذهب في مصر بقيمة 200 جنيهًا خلال أسبوع    الإمارات تدعو إلى تحرك دولي لوقف الاعتداءات على سوريا    رئيس شرطة دبي يعلق على قرار ترامب تصنيف الإخوان المسلمين على لائحة الإرهاب    يورتشيتش: بيراميدز لم يضمن التأهل رغم الفوز على ديناموز    حجز محاكمة صاحبة حساب مروة بنت مبارك بتهمة التشهير بمنتجة عبر الإنترنت ل31 يناير للحكم    إعلان جوائز مسابقة الأفلام الطويلة بختام مهرجان الفيوم الدولي    هايدي عبدالخالق عن مسلسل "كارثة طبيعية": بكيت لما اتفرجت على الحلقة الأخيرة    الصحة تكشف ارتفاع معدل الإنفلونزا وتؤكد دور المبادرات الرئاسية في فحص أكثر من 20 مليون مواطن    الطقس اليوم.. تغيرات سريعة في درجات الحرارة ومناطق تقترب من الصفر    اعتداء طالبة علي مدرسة بالضرب داخل مدرسة بالبحيرة    روسيا وأرمينيا تبحثان آفاق تطوير التعاون البرلماني المشترك    مصدر بالتعليم يوضح أسباب فصل طلاب الإسكندرية وإمكانية تطبيق العقوبة في وقائع مشابهة    تداول 42 ألف طن و862 شاحنة بضائع عامة ومتنوعة بموانئ البحر الأحمر    وزارة الصحة توجه 5 رسائل للحماية من نزلات البرد المنتشرة.. اعرف التفاصيل    تقرير: طلب إيرباص فحص طائرات أيه 320 لن يؤثر كثيرا على تشغيل الرحلات الجوية    نقابة المحامين تحقق فى شكوى محامى رمضان صبحي ضد عمر هريدي    جامعة قناة السويس تعلن إعادة تشكيل منسقي برنامج "ابن الهيثم" لتعزيز التحول الرقمي    محافظ الجيزة: تنفيذ 90%مشروعات المبادرة الرئاسية "حياة كريمة" في مركزي الصف وأطفيح    ماهر فرغلي: الغرب جنّد الإخوان كمخبرين.. والتنظيم يسرق أموال تبرعات غزة    أحمد السقا بعد تكريمه في ملتقى التميز والإبداع: رأس مالنا هو الناس العادية الطيبين    زوجة شهيد الشهامة بالمنوفية بعد إنقاذة 13 فتاة: كان نفسه يشوف ولاده في كليات عليا    مصر تتصدر المشهد العالمي للرماية.. القاهرة تستضيف كأس العالم للناشئين 2026    رمضان 2026 .. أحمد العوضي يشارك جمهوره صورة من كواليس «علي كلاي»    إصابة 10 فلسطينيين في هجمات للمستوطنين بالضفة الغربية    وكيل وزارة الشباب والرياضة بالدقهلية يعقد اجتماعا موسعا لوضع ملامح خطة العمل والتطوير المستقبلية    رمضان 2026 .. يوسف الشريف يبدأ تصوير «فن الحرب»    موعد صلاة العشاء..... مواقيت الصلاه اليوم السبت 29 نوفمبر 2025 فى المنيا    «بيت الزكاة والصدقات» يعلن الانتهاء من تسليم مساعدات الدُّفْعة الأولى من شاحنات الى غزة    هيئة السكة الحديد......مواعيد قطارات المنيا – القاهرة اليوم السبت 29 نوفمبر 2025    مسؤول جمهوري: واشنطن قد تجمد أموالًا مرتبطة بالجماعة وتمنع أي نشاط داخل أمريكا    آخر تطورات سعر الريال القطري أمام الجنيه في البنك المركزي اليوم    الصحة: 66% من الإصابات التنفسية إنفلونزا.. والمختلف هذا العام زيادة معدل الانتشار    وزيرة التنمية المحلية: تنمية الصعيد يعد من المشروعات الناجحة للغاية    الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي يدعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته    بيطري أسوان يضبط 186 كيلو لحوم فاسدة متنوعة وتحرير 6 محاضر مخالفة    بين الحريق والالتزام بالمواعيد.. "الكينج" يواجه تحديات التصوير بنجاح |خاص    هل يجوز إعطاء زميل في العمل من الزكاة إذا كان راتبه لا يكفي؟ .. الإفتاء تجيب    السبكي: بناء نظام صحي من الصفر هو التحدي الأكبر    «الإدارية العليا» تحجز 187 طعنا على نتيجة المرحلة الأولى لانتخابات «النواب» لآخر جلسة اليوم    الاثنين.. الأوقاف تعلن تفاصيل النسخة ال32 من المسابقة العالمية للقرآن الكريم    محافظ كفرالشيخ عن محطة مياه الشرب بدقميرة: أنهت معاناة قرى من ضعف الخدمة لسنوات    التصريح بدفن جثة شاب والاستعلام عن حالة صديقه ضحايا حادث الهرم    الأردن يوسع التعليم المهني والتقني لمواجهة تحديات التوظيف وربط الطلاب بسوق العمل    مجلس جامعة القاهرة يعتمد قرارات لدعم تطوير الخدمات الطبية بكلية طب قصر العيني ومستشفياتها    قرارات عاجلة لوزير التعليم بعد قليل بشأن التطاول على معلمة الإسكندرية    جولة تفقدية بعد قليل لرئيس الوزراء فى مشروعات إعادة إحياء القاهرة التاريخية    أحمد دياب: سنلتزم بتنفيذ الحكم النهائي في قضية مباراة القمة أيا كان    تفاصيل أسئلة امتحان نصف العام للنقل والشهادة الإعدادية من المناهج    مواعيد مباريات اليوم السبت 29 نوفمبر 2025 والقنوات الناقلة    دوري أبطال إفريقيا.. بيراميدز يتحدى باور ديناموز الزامبي من أجل صدارة المجموعة    تاريخ مواجهات برشلونة وألافيس.. فارق كبير    وصول هاني رمزي لمهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح    زعيم الطيور المهاجرة.. فلامنجو بورسعيد يرقص التانجو!    خبير تربوي: الطبيعة الفسيولوجية للرجل لا تبرر السيطرة المفرطة    توروب: ما حدث من جماهير الجيش الملكي أفسد متعة المباراة    استشارية تربية تكشف تأثير الذكورية المفرطة على العلاقات الزوجية والأسرية    النيابة العامة تُنظم حلقة نقاشية حول تحقيق التوازن بين سلامة المريض وبيئة عمل آمنة    استقالة مدير مكتب زيلينسكى تربك المشهد السياسى فى أوكرانيا.. اعرف التفاصيل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



روح مغرمة
نشر في الأهرام اليومي يوم 06 - 01 - 2017

فى عز حلقة الذِكر لمحنى بطرف عينه , يطوِِّح رأسه يمينا وشمالا , يرطِّب قلبه : «حى .. حى .. صلِّى على النبى» تذكرنى .. انفلت من الحلقة , ركبتاى ترتعشان , لم أكن جربت برد ليل القرية فى الشتاء , كان فستانى خفيفا فظلت أعطافى ترتعش , تقدم منى وألقى على ّ بردته , أحكمها من حولى امتننت , وشعرت بالدفء
نظرت إليه وقد اختلجت شفتى بكلمة شكر , ربما لم يسمعها فقد عاد فى لمح البصر إلى حلقة الذِكر .
« حى .. حى .. صلِّى على النبى « .
احتضنت بردته , صوفها السميك بلون أسود غامق كليل بلا قمر.
يتسلل الدفء مثل أرانب ناعمة الفرو , غنية بروح المحبة , آذانها الطويلة تصغى إلىّ , وعلى أنفها مثلثات صغيرة وشوارب رفيعة مشوكِّة , أعينها تختلج وتدور فى محاجرها بلطف , مكحولة أعينها بدمع يطل أحيانا فى حذر , وأحيانا فى ذعر .
مم تخاف ؟ , مم ترتعش ؟
أدفأتها معى ببردته , أحكمها حولها فيبتسم من بعيد , يطِّوح رأسه كأنه لايريدها , يتركها على سجيتها لتذهب مع كل ريح , على وقع دقات الطبول التى يمسحونها بأيديهم , يشدون طاراتها بطريقة خاصة ثم يدقون عليها بكفوف مشوقة , وجهه يتوهج , يلهث يدخل فى زمرتهم بكامل طاقته , ينفعل بموسيقاهم من كل قلبه , يغلق هدبيه ويفتحهما لأجدنى بين هدبيه , يتقطر عرقه فلا يجففه بمنديله , أكاد أقوم لأدخل حومة الرجال لأجفف عرقه لكننى أدرك أنه لاينبغى أن أغادر موضعى حتى يعود لى .
بعد عدة أدوار من الرقص المدوِّخ ارتمى بعضهم على الأرض , ونشط أكثرهم أما هو فقد شمّر عن ساعديه , واقترب من صحن كبير مغطى بشاش أبيض لايشى بما تحته , كانت أرغفة الخبز الأسمر محشوة بقطع من اللحم المسلوق , وأخرى كانت محشوة بالفول النابت , أخذ واحدا من هذا , وآخر من ذاك ووضعهما بين يدىّ وهو يبتسم .
رمقنى أحدهم فقال : جمال ربانى
انحنت امرأة عجوز على يدى فقبَّلتها مأخوذة بما تزينت به من عقود مضفرة من الخرز الأزرق والتركواز , أخفيت دهشتى وهى ترفع كفيها إلى السماء وتقول :
حورية ياناس .. حورية ياهوه .. مدد ! .
ثم التفتت إلىّ بغتة وضمتنى بقوة وهى تهمس : تعالى يا برهان العسل ! .
خلصنى منها الرجل الذى وصفنى بالجمال الربانى , أبعدها عنى , وصاح بها : امشى!.
انصاعت له ومضت .
اقتربت أخرى وقد التمعت عيناها بشرر خاطف : مين دى ؟ ! .
لم يجبها أحد , وعندما اقتربت منى , ترك صاحب البردة كل مافى يده , جاء مسرعا ودفعها بعيدا بكلتا يديه فنحاها جانبا .
يتنهد الصديرى فوق ضلوعه بقليل من القطن وكثير من العرق , يتضرج وجهه بالحمرة , أتأمل ساعديه القويتين وقد شمَّر كميه فأوقن أنه قد منحنى بردته الصوفية للأبد
بمجمرة أمسكت جيدا برقاب سلاسلها اقتربت , وهى تضع شيئا على سطح المجمرة تنثره بيدين واثقتين , كان خليطا من الشبّة والبخور .
حوَّمت حولى بمجمرتها وهى تلقى بدفقة جديدة منهما فتزداد اشتعالا اقترب منها وهو يضع يده فى جيبه , وأخرج حفنة من العيون الملونة أصغر من حبات الحمص يلقيها فى المجمرة وهو يهمس :
خذِى عينِ العفريت وامشى .
مضت , وأنهضنى , أمسك بيدى بقوة , أحاط ظهرى بذراعه القوية , استسلمت لحنان بردته كطفلة تتعرف على وجه أبيها للمرة الأولى , سار بى إلى خيمة أخرى
وهو يقول : ليلة مباركة
سألته : حلقة ذِكر جديدة ؟
شد على ذراعى ..
لازم تاخدى البركة
ممن ؟
ابتسم , وأنا أسير كالمسحورة , عيناه الواثقتان , صوته الحميم , وجهه المضىء , كل التفاصيل تدفع بى إلى عالم جديد يتفتح لى , وطاقات نور وحنان تتدفق فى قلبى . إرادتى تعزز رغبتى فى التعرف على دنيا المولد خيمة خيمة , وقد أبعد عنى ذيول الخيبات , و ذكريات الفقد , و أحزانى التى تكثفها الوحدة كبخار على سماء حياتى .
تقدمت معه إلى الخباء الجديد الذى كان مميزا , كان قماشه من اللون الأحمر وكانت معظم الخيمات لونها أخضر , وبعضها فقط كان ناصع البياض .
على جدران الخباء الأحمر وجدت أبيات شعر مكتوبة بخيوط السيرمة الذهبية , وأخرى مشغولة بخيوط الصوف على مساحات واسعة من قطع الخيامية التى تشبه ماينصب فى الأفراح .. وردات كبيرة ضخمة زرقاء وصفراء وأخرى بلون غزل البنات فى تشكيلات بديعة , مكتوب على جوانب الخباء :
« واللى صدق فى الحب قليل .. قليل
وان دام يدوم يوم ولا يومين « .
أما على الواجهة فقد كان هناك نقش بالقلم بخط جميل :
« ده السعد وعد ياعين
والإسم نظرة عين
وأنا وانت روح مغرمة
كان حظها م السما
واتجمعوا القلبين « .
وثم قلب مرسوم وفيه اسم جميل مكتوب بحرير أخضر « نور الدين « , وثم قلب آخر خال منسوج بحرير فستقى .
خرج إلينا فى بردة مزدانة , كانت فيها كل ألوان التنورة البديعة , كان يدور بها فأخالها بيضاء ناصعة كقمر كبير عملاق لم تره عين , ثم يدور بها ثانية فأجدها بألوان الطيف كفرحة قوس قزح بعد نوبة مطر غزيرة , اقترب منا فانحنى صاحبى مقبِِِِِّلا يده , بينما اقترب هو منى وقبّل يدى , ثم اقترب من القلب الخالى المنسوج بخيط فستقى , وأخرج من جيبه قلبا أحمر
سألنى برقة وعلى وجهه ابتسامة آسرة عذبة
اسم الكريمة ؟
فقلت اسمى
همس به فتأودت على شفتيه حروفه وهى ترقص
نقش اسمى فى مربع القلب الخالى الفستقى وكأنه نقشه على كيان الوجود , ثم دخلنا جميعا إلى الخباء الأحمر , جلس صاحبى بعيدا وهو يعد لنا شرابا من توت ثم سألنى :
كم قطعة سكر ؟
فيهمس ذو التنورة
أنت لاتحتاجين إلى سكر
وأشار للآخر :
هات كأسى وكأسها
فأتى بهما , وأمرنى أن أضع إصبعى السبابة فى الكأس تلو الآخر.
تحسى كأسه ببطء حسوة .. حسوة
وهو يهمس لى :
يكفى هذا شهدا وعسلا
فاجأنى وأخذ بيدى , قبض عليها بقوة فارتعشت مثل فرخ يمام زغيب .
قال صاحبى من مجلسه :
خذِى البيعة ... خذِى العهد
مد ذو التنورة يده الممتلئة الضخمة , وكان فص خاتمه فى اليد اليمنى كبيرا بلون أزرق , وفص خاتمه فى اليد اليسرى متخما بفص قرمزى , وكانت ثمة خواتم صغيرة من فضة فى كل إصبع من أصابعه , وقد زين كل خاتم بفيروزة صافية .
انسل صاحبى من باب صغير جانبى , كان متواريا فى جدار الخباء , وتركنى معه .
اقترب منى
بردانة ؟
نسى معى بردته , الجو بارد خارج الخيمة
لاتقلقى .. خليها عنك وأنا سأعطيها له
أشار إلى وسائد وتكايا بعيدة فى آخر الخيمة لأجلس .
سأقرأ عليك كل مافى العهد , ستجدينه واضحا , نور قلبك سيضىء لك كل شىء , صدقينى , سنصل إلى تفاهم .
صوته الآسر , نوعية التفاهم الذى سنصل إليه يتوقاننى , يشوقاننى .
دار دورتين كاملتين أمامى ببردته , تعاقبت الألوان الأبيض الناصع كقمر عملاق لم تره عين , وألوان الطيف فرحة قوس قزح بعد نوبة مطر غزيرة , ألقى بولاعته فى حجرى لأشعل سيجارته قال :
ستجدينها عندك فى علبة مذهبة
ابتسمت وتابعت رقصته بانبهار , وصار قلبى يدق كمعزوفة رق , شخاليل , وطبل , وصهللة
تقدم منى وطلب منى أن أشاركه الرقصة فاقتربت مشوقة إلى القمر العملاق الأبيض الناصع الذى يشرق من تنورته , بينما كان هو مولعا بألون الطيف , أمسك بيدى ودار بى , اقتربت من قماش التنورة , وجدت أسماء منقوشة بقلمه الأحمر , بخطه الجميل الذى أعرفه , وعلى جنبات التنورة أسماء نساء منقوشة بلون دم الغزال , وأخرى مموهة بلون الكوبيا , قبل أن أقرأ تفاصيل النقوش وطلاسم الأسماء , دار دورة أخيرة حول نفسه وهو يشهق بصوت عال , ويقذف بيديه دفقات من عين العفريت فى كل اتجاه .
كان رقصه مدوِّخا , ارتفعت التنورة إلى الأعالى , تخلت عن جذعه فأبصرت ثعبانا ضخما يمتد من فرعه إلى جذوع الأشجار المجاورة , قبل أن يستدير ناحيتى أدركت الباب المخيط المتوارى الذى انسل منه صاحب البردة السوداء التى خليتها فى آخر الخيمة .
كانت فرصتى الوحيدة والأخيرة فاندفعت أجرى بثوبى الخفيف بعيدا عن الدغل الكثيف , عن الأشجار التى صارت تزحف بأوراقها المتشابكة لتلتف على ساقى , نسيت خفىَّ لكنى انطلقت تحت نوبة غزيرة من المطر , تطلعت إلى السماء فلم أجد قوس قزح ولافرحة بألوان الطيف لكن القمر العملاق كان قد بدا لعينى ناصعا وأبيض ويرقص لى وحدى .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.