بعد أن أصبح المستبعد سائدا ومتكررا بفوز الملياردير صاحب الخبرة السياسية المحدودة سابقا، دونالد ترامب، بالرئاسة الأمريكية، ومن قبله تصويت أهل المملكة المتحدة لخروج بلادهم من عضوية الاتحاد الأوروبي، ترجح المؤشرات أن يكون هناك فوز وارد أو صعود أكيد لحزب الجبهة القومية وزعيمته مارين لوبان فى انتخابات الرئاسة الفرنسية المقبلة، بما يمثل انتصارا جديدا للشعبوية السياسة مقابل حكم أحزاب النخبة. هل يكون فوز لوبان المحتمل لانتقال عدوى «زعامة الشعبوية» من ضفة الأطلنطى الأمريكية، إلى الضفة الأوروبية، وتكون بداية لانتشار أوسع فى أفكار دعم العزلة السياسية والتزام الحمائية الاقتصادية، مع نبذ كامل للتجمعات الإقليمية وقوانينها الحاكمة، ونبذ أقوى لأفكار التعددية الثقافية وقبول الآخر؟ يمكن القول إن هناك عوامل وفيرة ترجح صعود قوى لزعيمة الجبهة القومية، أغلبها لا يتعلق بالمد الشعبوى دوليا، وإن ارتبط أكثر بسمات العملية الانتخابية فى فرنسا، وأداء معارضيها على اليسار واليمين الفرنسي، وبعض من ثقة لوبان المبالغة وتوظيفها لذات المد الشعبوي. أولى السمات المرجحة بصعود أقصى اليمين الفرنسي، وفوزه المحتمل، هو، وكالعادة، تعثر الخصوم السياسيين إما فى نزاعات داخلية، أو فى تقديم الجديد. رفعت لوبان شعارا مماثلا لما التزمت به حملة ترامب ب«جعل أمريكا عظيمة مجددا»، مؤكدة أنها ستعمل على «العودة إلى فرنسا»، وانتقدت الجبهة القومية، تكرار نفس الوجوه والسياسات القديمة سواء يمينا أو يسارا. فاليسار الفرنسى ليس مترنحا فحسب، وإنما جاءت سياسات وتدنى شعبية حكومة فرانسوا أولاند لتحقق له انهيارا محققا. وفيما يخص اليمين، فكان حسم الانقسام الذى كان بين مرشحين اليمين بإخراج الرئيس السابق نيكولا ساركوزى والاتفاق على رئيس الوزراء السابق أيضا فرانسوا فيون. سقوط ساركوزى - للحقيقة - خفف مما يعرف من أزمة إعادة توجيه التصويت. فاليسار الذى عادة ما يحتشد وراء مرشح اليمين، إذا ما انتهت له المواجهة النهائية أمام الجبهة القومية، كان فى الأغلب سيجد صعوبة فى دعم ساركوزي، لأن أجندته سواء سياسيا أو اقتصاديا أكثر تشددا من أن يتجاوزها أهل اليسار من أجل المقصد الأعظم باستمرار، وهو إبعاد لوبان عن القصر الرئاسي. اذن تولى فيون سيخفف من هذه الأزمة، خاصة أن سياساته اجتماعيا واقتصاديا أكثر قبولا لأهل اليسار وغيرهم. لكن لا يمكن التعويل على «عامل فيون” لحسم مسألة الحشد الوطنى لصالح اليمين على حساب أقصاه. فللمواجهة أمام لوبان وفى المسار الرئاسى حسابات أخرى. هذا ما كان من شأن منافسى لوبان، أما توظيفها لخصوصية المرحلة السياسية فرنسيا ودوليا، فهذا أيضا ينتهى لصالحها. فيلاحظ الثقة الزائدة للسيدة لوبان خاصة عقب توالى الانتصارات الشعبوية فى المملكة المتحدةوأمريكا، فقد خرجت زعيمة الجبهة القومية تؤكد فى تصريحات لشبكة «سي.إن.إن» الإخبارية أن فوز ترامب حول فرصها للفوز بالرئاسة من «المستحيلة»، إلى «الممكنة». زادت ثقة خطاب لوبان حول نجاح المزيد من التيارات الشعبوية فى إسقاط النخبة المتشبثة بالحكم لعقود رغم ما اتضح من عدم فاعليتها، وأكدت عدم منطقية توصيف سياساتها ب«العزلة»، وحجتها أن أفكارها أصبحت أكثر شيوعا من تلك المتبعة من جانب رئيس فرنسا الحالى أولاند ورفاقه مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. والحقيقة أن تقديرات لوبان لا يخالفها الصواب كثيرا، فقيادات ما يعرف بالتيار السياسى المعتدل والسائد، أو الMainstream Politics، أصبحت تشعر بالتهديد. وحتى رئيس وزراء فرنسا الحالى مانويل فالس خرج قبل أيام وقالها صريحة أن فوز لو بان محتمل فى مرحلة «ما بعد ترامب» وأن عهدا سياسيا جديدا تشهده فرنسا. ثقة لوبان، المستحقة فى الواقع، ترجح لمتابعيها أن نظاما دوليا جديدا قيد الإعداد، وأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى أو فوز ترامب ليسا استثناءات، بل بداية لعهد جديد جاء ليبقى وسيكون من قياداته أهل أقصى اليمين. أما ثالث العناصر الداعمة لفرص لوبان، فتتمثل فى النظام الانتخابى الفرنسى نفسه، والذى يشكل أيضا عاملا قد يعرقل مشروعها. يقصد بذلك عمل النظام الفرنسى على تأكيد حيازة المرشح الفائز على الأغلبية المطلقة عبر جولتين للتصويت، الأولى المقرر لها يوم 23 أبريل القادم، والثانية فى السابع من مايو 2017. ينص النظام على أن تحقيق أحد المرشحين ل51% من الأصوات فى الجولة الأولى، يعنى فوزه، ولكن إن تعذر الحصول على هذه النسبة، وهو السائد فى تاريخ الانتخابات الفرنسية والمرجح جدا مع تمادى سمات التفتيت والاستقطاب فى هذه الجولة الانتخابية، فسيتم إجراء الجولة الثانية بين صاحبى أكبر نسبة من التصويت خلال الجولة الأولى. والخلاف حاليا ليس حول ما إذا كانت لوبان سوف تصعد إلى جولة مايو أم لا، فصعودها شبه أكيد، ولكن حول ما إذا كان سيمكن إقصاؤها خلال المواجهة الأخيرة. الإجابة واضحة، وهى أنه مع باقى سمات أداء لوبان ومعارضيها، تبدو فرصها قوية حتى النهاية. .. وواضح أن فوز ترامب لم يكن سوى مجرد بداية!